الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  في الديارات مع الشابشتي

 

 

في الديارات مع الشابشتي

 

الديارات

 

 

الشابشتي أديب و نديم من القرن العاشر الميلادي، ألف كتابه الديارات، أي الأديرة، حيث ذكر منها قرابة الخمسين ديرا كانت في العراق و مصر و الشام، و ما ورد من أشعار ذكرتها، ثم أعقبها بنوادر و طرائف جرت فيها، ثم بعض الأخبار عن الشاعر المذكور اسمه أو المتنفذ أو الحاكم... بحيث لو جردت الكتاب من القصص التي لا تمت للديارات بصلة، لنقص إلى ثلثه كما يقول المحقق...
الشغف و الفضول اللذين ابتدأت بهما لاقتحام غمار هذا الكتاب الغريب، _و لا شيء يثير فضولي أكثر من كتاب تراثي بموضوع نادر و فريد_ انتهيا بملل و شعور بواجب إتمام كتاب ابتدأته...

منذ البداية تتساءل أهذا فعلا كتاب عن الديارات أم الخمارات؟ معظم القصص و الأشعار الواردة عن الأديرة إنما هي لتذكر الخمر و العربدة و الغلمان!! و لم يورد شيئا من قصص الأديرة الدينية كأماكن للعبادة اللهم إلا ما ذكره المحقق كوركيس عواد في ذيل الكتاب حين تعريفه بها... فما اعتنى به الشابشتي هو الجانب الترفيهي للديارات إذ كانت مقصدا للشعراء و منتزهات للمتبطلين و متطرّحا للمجان و المتهتكين! و لذلك فإن بعضا من القصص رقيع و منحط إلى حد تردد المحقق بذكرها، حتى استشار زملائه المحققين، فرأوا إثباتها كجزء من الأمانة العلمية... و من الجيد أنه فعل، و إلا كانت الصورة ناقصة و زائفة لو حذفها...
الشابشتي ألف كتابه لأجل إمتاع القارئ و تسليته كما أخبرنا به في حنايا كتابه... بيد أني لم أجده ممتعا بقدر ما استثقلت دمه جدا...
 

و لكن الكتاب أفادني من ناحية أخرى، حيث جعل مجموعة من الأفكار تخطر لي:
- عن مفهوم التفاهة و علاقته بالزمن... فالكتاب فيه الكثير من التفاهة و الإسفاف، و لو كان كتابا معاصرا لاعتبرته وضيعا، و لكن لكونه كتابا تراثيا فيبدو الحكم عليه أكثر تشوشا... سوزان سونتاغ قد ذكرت هذه الإشكالية مرة حين عبرت كيف يختزل الزمن نطاق التفاهة، فالتفاهة بالمعنى الضيق للكلمة هي على الدوام فئة من فئات المعاصر، و هكذا يصبح بوسع ما كان تافها، مع مرور الوقت، أن يكون رائعا...
فالكتاب مليء بالتفاهة بشكله المجرد المعزول عن الزمان، و لكن قد يحجب التعتيق إسفافه، و يضفي عليه قيمة هي ليست من حقيقته و لا حتى من طبيعة عصره، و إنما من طبيعة بعد عصرنا عن عصره...
ألا يبدو هنا الزمان مضللا للشعور و الحكم، فتصير التفاهة و الابتذال و كأنها جزء من مفهوم الزمن، و ليست مفهوما مستقلا يمكن إطلاقه على الأمور في مقابل معاليها؟
لنتخيل إسفافات عصرنا التي تثير النفور كيف ستتحول لأمر كلاسيكي _بما في الكلمة من وقار_ مع تراكم القرون، مثلا ماذا لو حفظ التاريخ تهريج السكارى المبتذل في المراقص، أو الأغاني السخيفة لسارية السواس أو سما المصري و نقلها لما بعد ألف عام، ماذا سيكون الكلام عنها حينها؟ ألن تعطى لها قيمة ما؟ أفلا يبدو هذا أمرا مضحكا؟ فما هو الفرق إذن بينها و بين كثير من القصص و الأشعار المذكورة في كتاب الشابشتي و هي من نفس المستوى؟ و هل الفصحى أمر كاف لرفع الإسفاف؟ فماذا عن الشتائم التي بمعظمها فصيحة، و فصاحتها لم ترفع عنها ابتذالها؟
و لكن هل ينكر المرء أن للتعتيق فتنته الخاصة؟ و لذلك عادة ما أحب قراءة النوادر التراثية، و هي تجلب لي المتعة بأساليب و مواضيع ما كنت لأحبها لو قرأتها لكاتب معاصر...
إذن ما حصل أن هناك جانبان للموضوع، التعتيق و التفاهة... لكنما جانب الكتاب التافه كان صوته أعلى من تعتيقه، و لذلك رجحت كفته و شعرت بالتفاهة و الملل...

ثم لا يمكن للمرء أن ينكر أن نتاج التراث نفسه ليس على مستوى واحد... فهناك البديع و هناك الوضيع... و التعتيق يضفي شيئا ما على كليهما، و لكنه لا يخفي الفروق الواضحة...

و ألا يشبه التعتيق الغرائبية أيضا؟ فالاغتراب في المكان يجعل التفاهة و الإسفاف ذات متعة لدى المتلقي، و التي قد يمجها لو اختبرها حاصلة في مكانه...
طبعا كل هذه التساؤلات ليست عن قيمة الكتاب التاريخية، و عن أهمية البحث فيه و تحليله... فكل شيء قديم أو معاصر مهم من هذه الزاوية الدراسية... و لكني أتحدث عن محاولة تذوقه كما هو
... بعيدا عن هالة تعتيقه...


- تساؤل آخر شغلني أثناء القراءة، هو عن مدى تمثيل مثل هذا الكتاب للحياة الاجتماعية في تلك الفترة... ما نسبتها، خمسة بالمئة، عشرة، خمسين، و ما نسبة تدخل المخيلة و التأليف فيها؟
و لأني لا أدري، فأجبت نفسي بسؤال، لو أن شخصا بعد ألف عام سأل نفس السؤال و قد قرأ بعضا من رواياتنا أو مسلسلاتنا، فكم يستطيع أن يخمن نسبة تمثيلها لواقعنا؟ و كيف سيتصور واقعنا؟
لم أحصل على جواب و لكن تخيلت تشوش الصورة...


ثم علي أن لا أنسى أن الكتاب غرضه التسلية، و هو مكان عنايته، وفق ذوق يستظرف التهريج و التهتك على ما يبدو... و لهذا فلا يمكن إعطاء حكم شامل على عصر من خلال كتاب مرصود لموضوع واحد، و إنما هو تمثيل لمشهد منه... و هي نفس الفكرة التي انتبهت لها حين قرأت كتاب الفرج بعد الشدة، حيث لكون مؤلفه التنوخي قاضيا أي موظفا في الدولة، و هو يرصد الشدائد فيه، فيخيل إليك لوهلة و كأن كل الناس كانوا موظفين بالدولة واقعين بمشاكل... و لكن هذا كان عنوان الكتاب و محل عناية مؤلفه... إنما هذه كلها مشاهد من ذلك العصر... و مع جمعها بعضها مع بعض تكتمل الصورة...
 

- السؤال الأبرز الذي يخطر لك من قراءة الكتاب، كيف تأتى لكتاب هكذا موضوعه أن يكون هكذا مضمونه؟ و لماذا كانت الأديرة مجلبة لأهل البطالات و أهل التطرب و اللذاذات و مؤتلف أهل الخلاعة؟ هل كانت الحياة داخلها فاسدة لهذه الدرجة؟ بعض القصص تخبرنا بوجود فساد فعلا، و هناك أخرى نجد العكس، ففيها انزعاج بعض الرهبان من أحد الشعراء المتماجنين و ضربهم له و طرده...

المحقق لم يتطرق لهذه الفكرة، و إن كان أحد الرهبان الذين كاتبوا المحقق عن أحد الأديرة و ذكرهم في ذيل كتابه، أبدى إنكاره لمثل هذه القصص...
لكن فكرت أنه ربما أحد أهم عوامل انجذاب هؤلاء، أن الديارات كانت أشبه بالمنتزهات يقصدها الناس، فكلها حدائق و جنات... و بسبب الأعياد الكرنفالية التي تقام بها، إذ لكل دير أعياده الخاصة بقديسيه المدفونين فيه، و يحضر حفلاتها جموع الناس، و بما أن الخمور متاحة، فكل هذا مدعاة للمتبطلين و الباحثين عن التسلية...
 

على أية حال، لا يخلو الكتاب من قصص ظريفة، و لكنه خيب أملي و لم يكن كما ظننت... و استثقلت دمه على العموم، و عشت تجربة تذوق الملل و الإسفاف بالنكهة التراثية...


اشرب على قرع النواقيس ... في دير أشموني بتغليس
لا تـُخف كأس الشراب و الليل في ... حد نعيم لا و لا بؤس
إلا على قرع النواقيس ... أو صوت قسان و تشميس
فإنما الشيء بأسبابه ... و محكم الوصف بتأسيس
فهكذا فاشرب و إلا فكن ... مجاورا بعض النواويس
--
التغليس: ظلمة آخر الليل
التشميس: ما يتلوه الشماس أي خادم البيعة العابد في الصلاة
النواويس: القبور
 

دير مار إليا الذي بناه المناذرة العرب في العراق

دير مار إليا الذي بناه المناذرة العرب في العراق
 

 

--

الديارات

لمؤلفه الشابشتي

تحقيق: كوركيس عواد

دار الرائد العربي



 

سلمى

أيار 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali