الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  قوة قاهرة

 

 

قوة قاهرة Force Majeure

 

قوة قاهرة Force Majeure

 

 

زوج و زوجة و طفلاهما كانوا في إجازة للتزلج، و فيما هم جالسون في المطعم على الجبال، إذ يحصل أمامهم انهيار ثلجي، و في لحظة الجزع تسارع الزوجة إلى احتضان الطفلين بينما يركض الزوج بعيدا آخذا موبايله من على المنضدة... ثم سرعان ما ينقشع ما ظنوه انهيارا و يتبين أنه شيء عارض و لم يكن بالشيء المهم...
ردة فعل الرجل المفاجئة هذه قد أحدث شرخها في الأسرة... و بها ابتدأ الصراع مدار حكاية الفيلم... راصدا تداعياتها في نفوس الجميع...
قد يخيل لك أن الرجل كاره لزوجته و أولاده أو هو شخص أناني... و لكنه لم يبد إلا محبا و معطاء... و لم يكن من خلل في الأسرة إلا ما حصل في تلك اللحظة الطارئة...
الفيلم و بمهارة يدخلك في التفكير كثيرا و بعمق... فهل يمكن اعتبار هذا مؤشر على شعور داخلي يدفنه تجاه أسرته؟ فحتى لو أنه فعل لا إرادي لكن لا ينكر المرء أنه لا يمكن تجاوزه دون التفكير بهذا... حتى طفله الصغير تساءل إن كان والده يريد هجرهم؟

لكن من ناحية أخرى، هل يضمن واحدنا ردة فعله في لحظة الرعب فيما هو التصرف الأمثل؟
هذا أمر غير مضمون، و الناس ليسوا سواء في الثبات في المواقف و لا الشجاعة... و ربما شلل الحركة و توقف الدماغ في لحظات الجزع لا يثير استشكالا حين تكون لحظة رعب ذاتية للشخص، لكن الاستشكال يظهر حين وجود من يفترض أنه ينظر إليه ليحميه...

و لو فرضنا أن من طبعه الجبن و سرعة الهلع، فأين ذهبت غريزة حمايته لأولاده؟ و إن كان الجبن و الحماية كلاهما جزء من غريزته اللاإرادية، فما الذي يجعل واحدة تتعطل و تندفع الأخرى، و ما الذي يعزز إحداهما و يضعف الثانية، أشيء خارج عن إرادته أم بفعله؟
ثم لماذا غريزة تـُكبِر فعله و غريزة تلحق العار به... و كلتاهما ردة فعل لا إرادية منه؟

صديقتي لفتت نظري إلى أن تصرف الزوجة كان بسبب أن غريزة المرأة أعمق مستشهدة بقوله تعالى في موقف الحشر "يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت" دلالة على شدة تمسكها بأولادها، لولا عظم الموقف...
طيب لو كان ما حصل أن المرأة هي من جزعت و هربت، ألن تبرز نفس التساؤلات؟ كما أن الآية قد تحدثت عن لحظة جزع جعلتها تفعلها فعلا...
و مثل ما أن الغريزة هي من جعلتها كذلك و هي عميقة فيها، فهي عميقة أيضا لدرجة تجعل الأطفال و الزوجة في نفس الموقف يتطلعون للرجل لحمايتهم...
فهل مساءلة ردة الفعل هذه إذن تدخل ضمن السؤال الأخلاقي... هل يمكن محاسبة من يترك ولده في تلك اللحظة القاهرة محاسبة أخلاقية؟
فإن كان الجواب هو لا، فلماذا إذن قد تلحقه ملامة اجتماعية، فضلا عن شعوره الذاتي بالعار و الذنب، و اهتزاز صورته كرجل أو كأب أو أم؟

و ربما فعلا من غير الصواب تحميل الأمر الكثير من الناحية الأخلاقية، كما لفت نظري أحدهم، لأنها أقرب لأن تكون انعكاسا لشيء من البناء النفسي و العصبي عند الشخص... على حد تعبيره...
و لكن لا يمكنك إلا أن تتساءل، ألا تتدخل طريقة عيش المرء و خياراته و أفكاره بلاوعيه و بنائه النفسي حتى تصير جزءا منه، و قد تشذب طبعه حتى تغلبه؟ فإذن هل يمكن اعتبارها مؤشرا على الطريقة التي يدير بها حياته... بمعنى أن الشيء الذي تؤسس عليه عاداتك و وعيك و أولوياتك هو ما يظهر حين ردة الفعل اللاإرادية؟
فمثلا أذكر لقطة في الأخبار لفتاة يستخرجونها من تحت أنقاض مبنى مقصوف في حلب تصرخ أن لا يصورها لأنها غير محجبة... بمعنى أن واجبها الديني في لحظة رعبها كان هو الأولوية عندها... أفلا يعطي هذا انطباعا على مدى مكانته في نفسها؟ أو كالذي يتشهد في لحظة معاينته للموت، بينما قد ينعقد لسان آخر...
أفلا ينفذ ما تثمنه شعوريا إلى لا شعورك و يصير جزءا منه؟
و من ناحية أخرى نحن مدركون لعجزنا و جهلنا لما ستكون عليه تصرفاتنا في لحظة الفجأة... "خلق الإنسان هلوعا"... و لذلك ندعو الله الثبات، و نعتقد أنه هو وحده القادر على تثبيتنا، لأننا لا نضمن أنفسنا: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة".
هل يعني هذا أنه يمكن التلميح بأن الرجل كانت عادته و أكثر ما يشغله هو موبايله أكثر من اسرته... و لذلك امتدت إليه يده حين الفزع؟

بيد أن الرجل لم يتقصد كل هذا، و قد فطره الحزن لردة فعله التي _هو نفسه_ لا يدري كيف حصلت أو كيف يتحكم بها، مقرا بعجزه... و كأنه شخصين في داخله... ذاك الذي يطير شعاعه لا إراديا، و آخر مدرك يريد أن يتجلد... أفليس من الإجحاف تحميل تصرفه كل هذه التساؤلات و التشكيكات إذن؟
و لكن منذا الذي يلوم زوجته للومها إياه و شعورها بالخذلان منه؟

الفيلم يدخلك بكل هذه الدوامة من الأفكار... لبراعة الحوارات و الحبكة ببعض اللفتات التي تحرضك على هذا... هذا الفيلم السويدي الحائز على جائزة الخنفساء الذهبية _ و يبدو من اسمها كم هي جائزة ظريفة فهي ليست خنفساء فقط، و إنما ذهبية أيضا_ من إنتاج 2014، فيلم جميل و ذكي و يستحق جائزته الخنفسائية...

 

سلمى

6 أيار 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali