الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  أسجاع الكهان الجاهليين و أشعارهم

 

 

أسجاع الكهان الجاهليين و أشعارهم

 

أسجاع الكهان الجاهليين و أشعارهم

 

كان الكهان في الجاهلية مقصد الناس يحتكمون إليهم في نزاعاتهم و يتقصون منهم أخبار المستقبل، و كان الكهان يرجمون لهم بالغيب بمساعدة أتباعهم من الجن، متبعين أسلوبا معينا، فالقاصد يخبئ خبيئة لهذا الكاهن، ليختبر مدى معرفته، فإذا أصاب سأله عن حاجته... و الإجابات كانت تأتي على شكل جمل بلاغية قصيرة مسجوعة... و هذه دراسة عن الكّهان الجاهليين، تبدأ بشرح معنى الكهانة ثم الحديث عن تحريم الإسلام لها، ثم التعريف بأشهر الكهان الجاهليين من النساء و الرجال، ثم عن مواضيعها و عن مدى موثوقية ما وصل منها لعصر التدوين، ثم الفصل الأخير هو ديوان أسجاعهم و أشعارهم مع تبيان واف لمعاني الكلمات و ذكر القصص التي كانت وراء هذا السجع أو ذاك...
الدراسة ممتعة و مفيدة، و أعجبتني شروح و ملاحظات المؤلف، مثل الإشارة إلى الأسجاع التي يظهر عليها علائم كونها مختلقة في العصور اللاحقة كالعباسية و خاصة تلك التي فيها طول كثير و حديث عن أحداث مستقبلية طويلة متتالية أو التي فيها اقتباس من القرآن الكريم...
قراءة هذا الكتاب جعلتني أعيش بعضا من أيام العرب و قصصهم الشهيرة و أصل أمثالهم، طفت معهم بين الشام و العراق و اليمن و الجزيرة العربية، و هربت من السيل العرم مع الهاربين، و شهدت مكر الزباء مع جذيمة الذي لم يستمع لنصيحة قصير المشهور بجدع أنفه، و حزنت على زرقاء اليمامة... فأقوالهم قد حملتني إلى حيواتهم من داخلها و كما هي... و حينها فهمت ما قاله أحد الأتراك للعرب متحسرا أنتم قادرون على قراءة تراثهم قبل ألف عام لكن الأتراك عاجزون عن قراءة ما خطه جد لهم قبل مئة عام فقط... و شعرت فعلا كم نحن محظوظون بلغتنا أن حفظها القرآن، فنحن قادرون على الغوص في كل هذه الكتب و المخطوطات من قرون طوال و الاستماع لأصوات الأجداد من أعماق التاريخ و تذوقها كما تلفظوا بها و عاشوها...

ليس من أمة كإيانا قادرة على أن يتواصل آخرها مع أولها و يشعرون بهم و كأنه بث مباشر من الماضي لن ينقطع إلا بموت اللغة... و مع ذلك ليس من أمة يزهد فيها أبناؤها يجحدونها محتقرين مشمئزين لإرثها كما نحن أيضا... يا لعظم حظنا و مصابنا!
 

قوام الأسجاع اللغة، فالزركشة اللغوية تطغى على وجود المعنى، و تستخدم فيها ألفاظ وحشية غريبة لإضفاء الهالة على كلامهم، و التنبؤات كثيرا ما تكون بكلمات عائمة عامة ممكن أن تنطبق على كل الحيوات... و ما أضحكني هو أنواع الخبايا الغريبة و العجيبة التي كانوا يختبرون بها الكاهن، فقد تكون مثلا رأس جرادة في ثقب قربة معلقة في عنق كلب...

 

كاهنة سبئية

كاهنة سبئية


من القصص التي استوقفتني، أن طريفة الحميرية "لما تزوجها عمر بن عامر، كانت نائمة ذات يوم، إذ رأت كأن أتيا أتاها و قال لها: ما تحبين يا طريفة: علم تطيب به نفسك، أو مولود تقر به عينك؟ فقالت: بل علم تطيب به نفسي. فمر بيده على صدرها، و مسح بظاهر كفه على بطنها، فعقمت فكانت لا تلد، و اتسعت في العلم و أعطيت منه حظا عظيما" ص104
هذه القصة جعلتني أفكر أن هل يمكن لعاقل يدرك معنى العلم أن يُسأل مثل هذا السؤال ثم يختار أي شيء غير العلم؟ و هل مراد القصة إظهار العلم كأغلى مطلوب و فضله حتى على الولد، و لو كان المُخيـَّر هي امرأة قد يـُظن بها زيادة رغبة بالولد _و بعض الظن وهم_؟ ثم لماذا كان التخيير أصلا، لماذا لم يمكن أن تجتمع حياة طبيعية مع علم يرضيها؟ هل لأنها امرأة فإما أن تـُعطى هذا أو ذاك، أو لأن العلم يستهلك المرء كاملا؟ و هل يمكن اعتبار من يمارس مثل هذا التخيير _سواء كان فردا أو مجتمعا أو ظرفا_ إنما هو شيطان، بما أن الآتي المقصود في القصة هو التابع من الجن، فنعتبر ما حصل تخييرا شيطانيا؟ أم أن الذي مارس التخيير عليها هو العلم نفسه _متمثلا بهذا الآتي_ فالعلم لن يعطيك بعضه و يفتح بابه لك حتى تعطيه كلك و تختاره على كل شيء آخر؟!
إنما هذه مجرد إسقاطات سلماوية ظريفة على قصة طريفة، و القصة في حقيقتها لا تحتمل كل هذا و أني انتزعتها من سياق الكتاب انتزاعا بتأملاتي، فحين قراءتها مع القصص الأخريات فإنك توضع في جو مختلف عن هذا كله، إذ ربما كل الحكاية _و هو الأقرب لروح ذلك الزمان_ أن طريفة كانت لا تلد، فروت القصة لتضفي الهالة على عقمها، و تبعد عنها نمائم و مكائد ضرائرها، و لا ينفر منها زوجها عمرو الملك اليماني من التبابعة... حسنا هذا هو الفرق بين قراءة التاريخ مقحما الواقع المعاصر بإشكالياته عليه، و بين قراءته من روح الزمان الذي جرى فيه...
 

الكهانة لم تكن تملك معنا سلبيا في الفترة الجاهلية، و إنما كانت بمثابة المرجعية الحكيمة لهم، و لم تكن ملزمة ككهنة المعابد... و لذلك لا تكاد تخلو قصة جاهلية من استشارة كاهن... و بعض الكهنة كانوا قد تنبأوا بمبعث رسول الله... و بعضهم ممن عاصر رسول الله قد أسلم و كان سببا في إسلام قومه، و ترك الكهانة، مثل سواد بن قارب الدوسي... بينما بعضهم قد ناصبه العداء... ثم إن الإسلام حرم الكهانة حين أتى، دافعا بذلك إلى أن يعتمد المسلمون على أنفسهم في استثمار سنن الكون و البناء عليها و الاجتهاد بهذا، بدل الاتكال على العرافين الذي يختلط نادر صدقهم بكثير من الكذب...

 
أختم أخيرا بفكرة طريفة خطرت لي، عن كيف صارت الكهانة في المجتمعات المادية الحديثة، حين تذكرت مقالة كنت قرأتها قبل سنوات في كتاب (مذكرات بحار) لـ أبو بكر غاييغو يعتبر فيها أن وظيفة الكاهن في المجتمعات القديمة قد انتقلت إلى الفيلسوف في المجتمع الحديث، _و مثله عالم الطبيعيات_، معتبرا إياه كاهن المجتمعات الحديثة، فهو يرجم بالغيب (يتحدث بالميتافيزيقيات) من دون برهان أو وحي أتاه، مستخدما صنعة اللغة و قوته الداخلية للتغطية على عدم معرفته و اضطرابات أفكاره، ثم يصير كلامه مقدسا...
قد تبدو الفكرة غريبة و لكن فيها وجهة نظر، فحين يقرأ المرء لبعض الفلاسفة يشعر بأنهم لا يختلفون عن الكهنة بشيء...


 

 

--

أسجاع الكهان الجاهليين و أشعارهم

لمؤلفه السوري: ياسين جمول

هيئة أبو ظبي للسياحة و الثقافة - دار كلمة



 

سلمى

قرئ في كانون الأول 2014

كتب في شباط 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali