الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  يوميات بودلير

 

 

يوميات بودلير

 

اليوميات شارل بودلير  Charles Baudelaire by KaterinaR شارل بودلير

 

 

 

 

بعض الناس يولدون مع حدبة شوهاء في نفوسهم، تسمى الأنا المتضخمة... و على قدر قباحتها و ألمها على قدر ما تكون مصدرا لطاقة عجيبة يمكن أن تفتن صاحبها، فقد تأتي مع موهبة تخفيها و تزينها... و هكذا تجعل هذه الأنا الثقيلة صاحبها يدور حولها لا يستطيع فكاكا عنها تدلها و بغضا... بل و تجعل الآخرين يدورون معه في فلكها...
فلاسفة و علماء شاردون، آباء و أبناء آخذون، معشوقون أنانيون و متحكمون، أزواج مهمِلون، شعراء و كتاب نرجسيون، فنانون متعجرفون، أصدقاء متقلبون، راشدون إتكاليون و متطلبون... يجدون دائما من يحبهم أو يتبعهم أو يصفق لهم رغم كل هذا... تلاميذ و مرافقون مكرسون، آباء و أبناء مغدقون، عشاق مستسلمون و راضون، أزواج محتوون، قراء و مستمعون مبهورون، معجبون مفتونون، أصدقاء مخلصون، راشدون ساندون و ملبون...

هذه الحدبة الأنوية قد ظهرت بشكلها المثالي لدى بودلير الشاعر الفرنسي من القرن التاسع عشر، بكل تناقضاتها و تخبطها و قبحها و جمالها و إبداعها و تفاهتها و جنونها و صدقها و تذبذبها في شذراته المسماة تجاوزا على أنها يوميات، حيث لم تكن إلا ملاحظات مقتضبة كان يدونها على أمل أن يبسطها في كتاب، فوافته المنية قبل أن يفعل.


"في بعثرة الأنا و مركزتها، ثمة كل شيء" ص106


لن أدعي أني أحببته، فلا أستطيع إنكار شعور بالنفور انتابني من أناه المتضخمة هذه، مذكرا إياي بأناي المزعجة التي أحاول ضبطها، و لكني أيضا لا أستطيع ادعاء أني لم أحب انفعاله الممزق الحانق و هذيانه... و جزء مني اشتهى لو يملك الشجاعة للصراخ بمثل هذه الفجاجة، و جزء آخر بات يشمئز من هذا الأسلوب لكثرة الوقحين حولنا، حتى فقد الصراخ متعته و بات الأدب و اللطف أمنية مشتهاة... و تأسفت لوهلة أني لم أجد بناء أسبك فيه شتات أفكاري و لو مت الآن فلن أترك إلا أفكارا متقطعة كهذه، و من ثم فكرت أيضا بأن الأمر لا يبدو سيئا كثيرا، فمم تشتكي الشذرات هذه؟ ثم لماذا علي أن أترك كتابة أصلا؟... و كل فكرة انتابتني و أنا أقرأ انتابني نقيضها، و كانت بمعظمها تدور حولي أكثر من أن تدور حول ما يقوله... فلم يكن شعوري تجاه الكتاب إلا من جنسه: الأنانية و التناقض و التقلب...

أسلوبه ممتع و لاذع، و حنقه وافق هواي، و أفكاره الناقمة على المرأة أضحكتني، إذ تشعر أن الرجل فيه لوثة من خبل، و كان ليكون كتابا حادا ستستمتع به و تشمئز منه بآن واحد لو كان اكتمل و وضعت هذه الانفعالات المتقطعة _التي تصلح كاقتباسات_ في أماكنها في نص متناسق...


أما مقدمة المترجم الطويلة أحمد فتحي عن بودلير و أدبه و تحليله لها فهي قطعة أدبية ممتعة أكثر من الكتاب حتى... بعض مقدمات المترجمين تحبها و تعلق في ذهنك أكثر من الكتب نفسها، مثل المقدمة البديعة لـ جوزيف عبد الله على كتاب المصطنع و الاصطناع لبودريار، و هو كتاب قد قصرت في حقه و لم أكتب عنه حتى الآن رغم أنه يستحق ذكره للأفكار الكثيرة التي ولدها في رأسي و التي تقرأ الواقع حولنا و تحلله و خاصة وسائل الإعلام و نقلها للأحداث، فخيرت نفسي إما أن أكتبها كلها أو لا أكتب شيئا، فلم أكتب شيئا طبعا، و لكن ها قد ذكرته على أية حال، و بإمكان ضميري أن يصمت الآن، أليس كذلك؟
 

إنما موضوعنا هو بودلير، و الذي لكونه قد ألف ديوانا سماه بـ "أزهار الشر" فلا بد من بعض الشر حين الحديث عنه. يقول:
"نحب النساء بقدر ما يزيد اختلافهن عنا. إن حب النساء الذكيات متعة لوطيين" ص60
ربما بهذه الجملة يمكن فهم ما مشكلة الرجل معهن، إذ وفق منطقه هذا لا يمكن لامرأة مكتملة الأنوثة أن تحب شاعرا كإياه، إذ الشعراء هم الأقرب للنساء، و الحب لا يكون إلا بقدر الاختلاف كما يخبرنا، فحب الرجال الشعراء متعة مسترجلات إذن...

فلا عجب أن لديه كل هذا الحنق عليهن، إذ يبدو أنه كان جاذبا للمسترجلات و منفرا للفاتنات و خاصة الذكيات منهن...

أخيرا أنهي بهذه الفيديو كليب
Fjara، الذي ذكرني به الكتاب... كيف تتحول النفس إلى عبء ثقيل كتابوت يجره المرء، إما بسبب الآخرين بوعودهم الكاذبة و كلماتهم الجارحة، أو بسبب إيذاء النفس لنفسها و تحولها لضحية ذاتها و جلادها...
 

 

--

اليوميات

لمؤلفه الفرنسي: شارل بودلير

ترجمة: أحمد فتحي

دار الجمل


الصورة: Charles Baudelaire by
KaterinaR

صورة الغلاف: بودلير، بورتريت شخصي بقلمه

 

سلمى

11 حزيران 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali