الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  خيميائي كويلو برواية التنوخي

 

 

خيميائي كويلو برواية التنوخي

 

من رسومات الواسطي على مقامات الحريري 1237م

من رسومات الواسطي على مقامات الحريري 1237م

 

كنت في ضيافة التنوخي أتصبر من زاده بالفرج على شدة الدهر، و التنوخي لمن لا يعرفه هو قاض و أديب من بغداد العصر العباسي، له عدة مؤلفات منها (نشوار المحاضرة)، و (الفرج بعد الشدة) الذي كنت آكل منه حين حدثني بحديثه الآتي...

قال لي: ألا أقص عليك خبرا عجيبا؟

قلت: أجل.

قال: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود قال: كان في جوار القاضي أبي عمرو محمد بن يوسف قديما، رجل انتشرت عنه حكاية، و ظهر في يده مال جليل، بعد فقر طويل، و كنت أسمع أن أبا عمرو حماه من السلطان، فسألت عن الحكاية، فدافعني طويلا، ثم حدثني، قال: ورثت عن أبي مالا جليلا، فأسرفت فيه، و أتلفته حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري و سقوفها، و لم يبق لي في الدنيا حيلة، و بقيت مدة لا قوت لي إلا من غزل أمي، فتمنيت الموت.
فرأيت ليلة في النوم، كأن قائلا يقول لي: غناك بمصر، فاخرج إليها.
فبكرت إلى أبي عمرو القاضي، و توسلت إليه بالجوار، و بخدمة كانت من أبي لأبيه، و سألته أن يزودني كتابا إلى مصر، لأتصرف بها، ففعل. و خرجت.
فلما حصلت بمصر، أوصلت الكتاب، و سألت التصرف، فسد الله علي الوجوه حتى لم أظفر بتصرف، و لا لاح لي شغل.
و نفذت نفقتي، فبقيت متحيرا، و فكرت في أن أسأل الناس، و أمد يدي على الطريق، فلم تسمح نفسي. فقلت: أخرج ليلا، و أسأل، فخرجت بين العشاءين، فما زلت أمشي في الطريق، و تأبى نفسي المسألة، و يحملني الجوع عليها، و أنا ممتنع، إلى أن مضى صدر من الليل.
فلقيني الطائف _أي العسس_، فقبض علي، و وجدني غريبا، فأنكر حالي، فسألني عن خبري، فقلت: رجل ضعيف، فلم يصدقني، و بطحني، و ضربني مقارع.
فصحت: أنا أصدقك.
فقال: هات.
فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها و حديث المنام.
فقال لي: أنت رجل ما رأيت أحمق منك! و الله لقد رأيت منذ كذا و كذا سنة، في النوم، كأن رجلا يقول لي: ببغداد في الشارع الفلاني، في المحلة الفلانية _ فذكر شارعي، و محلتي، فسكت، و أصغيت إليه_ و أتم الشرطي الحديث فقال: دار يقال لها: دار فلان _فذكر داري، و اسمي_ فيها بستان، و فيه سدرة _و كان في بستان داري سدرة_، و تحت السدرة مدفون ثلاثون ألف دينار، فامض، فخذها، فما فكرت في هذا الحديث، و لا التفت إليه، و أنت يا أحمق، فارقت وطنك، و أهلك وجئت إلى مصر بسبب منام.
قال: فقوي بذلك قلبي، و أطلقني الطائف. فبت في بعض المساجد، و خرجت مع السحر من مصر، فقدمت بغداد، فقطعت السدرة، و أثرت تحتها، فوجدت قمقما فيه ثلاثون ألف دينار، فأخذته، و أمسكت يدي، و دبرت أمري، فأنا أعيش من تلك الدنانير، من فضل ما ابتعت منها من ضيعة و عقار إلى اليوم.


حين أنهى التنوخي حكايته، قلت بتعجب: لكن هذه رواية الخيميائي لباولو كويلو!!!
قال لي: من هذا الخيميائي الراوي، و من أي بلد هو؟ لم أسمع به و لا بصاحبه باولو كويلو قبلا، رغم معرفتي برواة الحواضر الإسلامية! هل حدثه بها أبو الربيع سليمان بن داود أيضا كما حدثني رغم تكتمه عليها؟ قد كان أبو الربيع هذا صاحبا لأبي، خدم قديما القاضيين أبا عمرو محمد بن يوسف، و ابنه أبا الحسين في دورهما، و كانت جدته تعرف بسمسمة، قهرمانة كانت في دار القاضي أبي عمرو أيضا.
فقلت: الخيميائي رجل توهمه باولو كويلو في حكاية اختلقها لتسلية الناس، ذاكرا هذه القصة باستفاضة، و هو أديب مثلك من زماننا من بلاد ما وراء بحر الظلمات التي سماها المسعودي بالأرض المجهولة، و تسمى حاليا بأمريكا اللاتينية. و قد جاوزت شهرته الآفاق حين كتب حكايته هذه. و قد كنت قرأتها بلغتها الأعجمية، قبل أن تخبرني بحكايتك.
فقال: فإن لم يلق أبا الربيع و لا القاضي و لا الرجل، و لا مر بهم ببغداد، فلا بد أنه قد قرأها من كتابي الفرج بعد الشدة في باب (من فارق شدة إلى رخاء بعد بشرى منام لم يشب تأويله بكذب الأحلام)... فكيف تنسبيها له و تسمي قصتي باسم كتابه، بدل أن تنسبي حكايته لي و تسميها باسم كتابي؟ ثم كيف عرفها ذاك الغريب من وراء الآفاق و جهلتِها و ذراعك تمتد إليها؟ أقصرت همتك لتقرأي ما خططتُ بلسانك العربي، و تطاولت لتقرأي ما كتب بأعجميته؟
قلت و أنا خجلى: معذرة منك أيها الفاضل، فهذا ما جرى على لساني من دون قصد، و هذا ما حصل من دون تدبير، فمثلي كمثل كل أحد يعرف باولو كويلو و روايته الخيميائي، و بالكاد يعرفك أو حتى سمع باسمك و كتابك، و لتوي عرفتها منك...
فخطف كتابه من بين يدي، و أغلقه بشدة، و غادرني مغضبا و هو ينشد:
أصبحت مطرحا في معشر جهلوا ... حق الأديب فباعوا الرأس بالذنب

 

--

 

سلمى الحزينة لأنها أحزنت التنوخي من دون قصد

25 أيار 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali