الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  أوروبا في مرايا الرحالين العرب

 

 

أوروبا في مرايا الرحالين العرب

المعرفة . الحداثة . الآخر

 

 

 

الكتاب عبارة عن جمع للأبحاث التي قدمت في ندوة الرحالة العرب و المسلمين في الرباط عام 2009... أبحاث تأويلية و استنطاقية و تفسيرية و تحليلية لبعض الرحلات التي قام بها العرب منذ العصر الوسيط و حتى العصر الحديث لمجموعة من الباحثين و الدارسين... الفكرة الرئيسية هي أوروبا و العرب و لكنها أيضا تشمل حديثا عن رحلات و أماكن و أبحاث أخر كالصين، أو رحلات معكوسة كالعراق أو الجزائر... الأبحاث تتراوح ما بين ممتازة استمتعت بها أيما متعة، و متوسطة لا بأس بها، و رديئة مكتوبة بتلك اللغة المتثاقفة المتحذلقة...
 

من الأبحاث الممتعة صورة بيزنطة و رومية في المدونات الأولى للرحالين العرب لـ قاسم وهب، مثلا ورد أن ملك الروم كان يغسل يديه في طشت و يتبرأ من دماء الناس و يجعلها في عنق الوزير!!!
 

و أيضا صور و يوميات أدبية خلال الحروب الصليبية لـ عبد الكريم الأشتر من خلال تحليله لكتاب الاعتبار و هي مذكرات أسامة بن منقذ الأمير الحموي المعاصر للحروب الصليبية.
 

أما مقالة الفنطازيا و الصولجان: الأساطير المؤسسة للعراق من الرحلات الأدبية إلى النصية الاستعمارية لـ علي بدر فقد لفتت الانتباه إلى الكتب التي ظهرت عن العراق و صورته من قبل الجنود الأمريكيين العائدين، و كيف تغيرت عن صورة الشرق في الرحلات قبل قرن من الزمن...
 

من الأبحاث التي بدا الجهد فيها واضحا حتى لو أني لم أستمتع بها نظرا لتخصصها في تحليل الخرائط الإسلامية، بحث عبد الرحمن صالح مرزوي الذي يتحدث عن علم الخرائط في الفكر الجغرافي الإسلامي... و من خلاله عرفت أن النروج كان اسمها نرواغه عند الجغرافيين المسلمين، و حديثه عن ملاحظة للغزالي جغرافية و علمية ذكية في كتابه تهافت الفلاسفة، عن إمكانية انطفاء الشمس مخالفا بذلك الفلاسفة الذين يرون استحالة ذبولها... و هنا خطر لي البون الكبير بين الباحث المتمكن الذي يحلل النصوص و بين من لا يرى في كتب التراث إلا هراء و تخلف لا يستحق الالتفات له... للأسف!

 

خريطة للإدريسي

 
من المقالات التي لم أستسغها مقالة خديجة صفوت عن الخزر، حيث أن مقالها هزيل غائم مناور لم أفهم ما تريد تماما و لم أكترث لأفهم لشدة سأمي... و ما أكثر ما ملأت ثقوب مقالها بكلمة (لعل)...
"و لعل معظمنا حري بأن ينسى أن نموذجا كمثل ورقة بن نوفل و كان واسع الأسفار و الإطلاع و كان يجيد إلى جانب العربية الآرامية و ادعى أنه كان ملما باليونانية. و لعله كان بدوره تاجرا رحالا و إلا من أين تلك المعرفة المشهودة لورقة بن نوفل؟ و لعله كان شريكا في تجارة السيدة خديجة لدى محمد. و كان ورقة بن نوفل مثلا حريا بأن يكون له مع غيره يد في حركة الصحائفيين التي انتشرت عشية ظهور الإسلام و أثرت في الاتجاهات الفكرية و الثقافية و المادية لتلك الحركة. و إلى ذلك لم يكن ورقة بن نوفل محض قريب أو نسيب ... بل كان إلى ذلك مبدع في الفكر يقيض بفكره و عقله النصح و يشد من أزر ابن مبدع بدوره على نحو غير مسبوق. و لعل صحيفة المدينة دستور يضاهي دساتير الأولين و يفوقها منذ دستور قرطاج يعود إلى عبقرية ورقة" ص 39
و لعل أن هذا ما تشتهيه المؤلفة لو كان حصل، و لعلها حسبت إن سدت خروق التهافت بالمخيلة بيمشي الحال، و لعل هي أداة ترجي ما يحب و الاشفاق مما يكره... و لعلها كانت تستمع لأغنية لعل و عسى لنور مهنا حين كتبت المقال فتداخلت في لاوعيها و إلا ما سبب انفلات لعل في المقال هكذا!
 

أما مقالة الأيقونة و إنتاج الدلالة لـ الطائع الحداوي فقد رفعت ضغطي بشدة، و ذلك لأني أحب قراءة اللوحات الاستشراقية، و لكن الحذلقة في الكتابة لامسبوقة و تجاوزت كل حدود احتمالي... و مع حبي للأساليب التي فيها شيء من صعوبة و بحاجة لتفكيك... و لكن شتان ما بين التقعر و الأسلوب السهل الممتنع.


من المقالات التي أدخلتني في حالة من الكآبة، مقالة عبد النبي ذاكر عن رحلات في قوارب الموت، و هي قراءة في أدب الهجرة السرية في المغرب... مقالة تنزف ألما و كمدا و هما... و بما أن كلنا في الهم عرب فقد تراءت لمخليتي قصص آلاف السوريين الفارين من الموت إلى الموت!
"تسري في جلد المهاجر السري عادات منها أنه: (عليه أن يصبح غير مرئي، يذوب في الحشود، يلتصق بالحيطان، يتجنب التحديق في الناس، و عليه ألا يكلم أحدا، و يقبر عزة النفس، و لا يأبه للمضايقات و المعاكسات، و يتعلم الانمحاء، ألا يكون أحدا...أن يكون ظلا غارقا في الحشد، كلبا نائما، مجرد دودة أو صرصور... أجل عليه أن يتعلم كيف يكون صرصورا)" ص 407
يا للعربي المبتلى! مدفوع بالأبواب مهان منبوذ مضطهد أينما حل و ارتحل، و لولا أن الدنيا دار ابتلاء لحسبت أن لعنة تبوأته... بت أظن أن في الفردوس الأعلى مكانا مخصصا للعرب الصابرين المحتسبين في القرن العشرين و ما بعده...
كم ضاقت على العربان الأرض بما رحبت!
 

و أخيرا أختم بالموقف الظريف الذي حصل معي و الذي عدل مزاجي نحو الكتاب، و أدخلني في حالة من التفكير لعدة أيام... مقالة شاكر لعيبي حول الأوهام الإيديولوجية و التخليط بشأن رحلة ابن فضلان... حيث تنصدم كيف لمعلومة زائفة في عصر المعلومات أن تمر ببساطة و تبنى عليها مقالات و مقالات... تتأسف على الثقافة العربية كيف باتت ضحلة تفتقر للتدقيق و قد تنبني على إشاعات... و المثال رحلة ابن فضلان الأصلية و المزيفة... حيث اختلط التزييف بالواقع، حتى صارت رواية متخيلة حول رحلة ابن فضلان من صنع روائي أمريكي ماهر في صنعته جزءا من تاريخ الرحلة... و تناولها مسلسل سوري و ما تبعه من مقالات تكرس الفكرة الزائفة... كل هذا بناء على معلومات تاريخية مغلوطة مستمدة من رواية بارعة... لكن طرافة الموقف الذي حصل معي أنساني هذا البؤس... حيث و فيما أنا جالسة أقرأ، إذ بالمؤلف يذكرني بالاسم، نعم يذكرني أنا!!! و يذكر كلاما مرة كنت علقت به على مقالة ابن فضلان في أحد المنتديات الثقافية... شعرت و كأني في أحد الروايات الغرائبية السريالية و التي يمسك فيها المرء رواية يقرأها ليتضح له أنه يقرأ قصة حياته!
 


 

 

هذا كان المجلد الأول من الكتاب و الذي غلافه لـ ناصر بخيت، و لا فكرة لدي عن مجلده الثاني!

--

أوروبا في مرايا الرحالين العرب: المعرفة، الحداثة، الآخر

تحرير و تقديم: نوري الجراح

دار السويدي - سلسلة ارتياد الآفاق



 

سلمى

أواخر آذار 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali