الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> حوار مع طه عبد الرحمن... الأستاذ

 

 

حوار مع طه عبد الرحمن... الأستاذ

 

الحوار أفقا للفكر    حوارات من أجل المستقبل

 

طه عبد الرحمن

 

ما جذبني للتعرف على طه عبد الرحمن هو بعض المقتطفات التي قرأتها له، و أذهلتني... و لأجل الاطلاع على فلسفته بشكل عام، قرأت هذين الكتابين (حوارات من أجل المستقبل) و (الحوار أفقا للفكر)... و هما بمثابة مقدمة سلسة للتعريف بمدرسته...

حقيقة أنه فيلسوف إسلامي مختلف، مسكون بهاجس خلق جيل عربي مسلم قادر على التفلسف، عبر إعطائه سر صنعة التفلسف... فما معنى الحداثة العربية إن كانت كلها تقليدا للغرب، أليس شرط الحداثة هو الإبداع؟ هل حقا في واقعنا المعاصر من فلسفة عربية يمكن أن نعدها عربية يمكن أن تعتبر إضافة للفكر الفلسفي العالمي؟ أين موقعنا من الفلسفة حاليا اللهم إلا التقليد و التكرار للغرب، يتساءل طه عبد الرحمن... ثم ما معنى القول بالقطيعة مع التراث و أنت لا تستطيع إلا أن تتصل بتراث آخر لأنك بحاجة لمستند لذاتك!

أفكاره لا مسبوقة... يشق طريقا وحده... لم أقرأ لأحد مثله قبلا... يحاجج بطريقة منطقية و رصينة و جمله محكمة... بالإضافة إلى لغته العربية الجميلة و القوية و التي تشعر بأنها لغة عربية فعلا، و ليست عربية معجمة كالطلاسم... و أهم ما في الموضوع أنه يعلم القارئ من خلال كلامه كيف يحاجج... يعيد تحليل الكثير من المفاهيم المعاصرة التي باتت تتكرر كثيرا حتى ظنناها مسلمات و ينقدها... كما أنه مشغول بتجديد التراث و نقده و لكن ليس بأسلوب الجابري و أركون و هذه الشلة... و إنما يقف على الضفة المقابلة لهم... إن كنت تريد أن تنقد ثقافة ما، عليك أولا أن تتقن لغتها و أدواتها، ثم تبني أدوات نقدك اللسانية و التاريخية من داخلها... و ليس عبر إحضار الأدوات التي ابتدعها أصحابها من داخل ثقافتهم و لغتهم لينقدوا ثقافتهم هم و تريد إنزالها إقحاما على ثقافتك ثم تسميه حداثة... فهذا تقليد و ليس إبداعا... فضلا عن هزال النتائج...

تحدث عن ابن رشد الذي يحتفي به المثقفون العرب دونا عن غيره الذين لم يحتفوا به إلا لاحتفاء الغرب به... يعني تقليدا... و قد يكون مفهوما و مبررا احتفاء الغرب لأنه شرح لهم تراثهم دون إضافة أي نفـَس خاص به، فأوصله إليهم سائغا... و لكن ليس مفهوما هذا الاحتفاء المبالغ فيه للعرب و نبذ غيره... فابن رشد على هذه الحالة هو مجرد مقلد... و ليس فيلسوفا... فهو لم يبدع شيئا جديدا ينطلق من ذاته و ثقافته، و خاصة أنه قد كان فقيها مالكيا، فلا ظهرت آثار فقهه في فلسفته (كما الشاطبي مثلا) و لا آثار فلسفته في فقهه (كما الغزالي مثلا)... لذلك اعتبره مقلدا يونانيا و ليس فيلسوفا مسلما... و ليس العقل اليوناني كوني مطلق، حتى نقول أن اشتغال العربي أو المسلم باليوناني و ترك صنع فلسفته الخاصة هو نوع من الاشتغال بالمطلق... فليس هناك من عقل مطلق و عقل واحد... و هذا ما جعله يتحدث أيضا عن التكوثر العقلي... بمعنى تعدد العقول... و الكلمة مشتقة من التكاثر...

و هذا يأخذني لأمر آخر أعجبني و بشدة في أسلوبه و هو نحته لاصطلاحاته الخاصة العربية الصرفة، مستعينا بقدرة اللغة العربية للتعبير... و هذا أمر نادر أن أقرأ فيه من المفكرين المعاصرين (و هنا يحضرني محمد محمد يونس علي في كتبه اللغوية الرصينة التي انتهج هذا أيضا)... شعرت به يوظف المعنى الحقيقي لكلمة لغة... ألم توجد اللغة لتنحت منها و تخترع من قوالبها كلمات جديدات؟ و بهذا يكون ضرب عصفورين بحجر، خرج من ابتذال كثير من الكلمات التي استهلكت حتى اهترأت و أحيا وظيفة اللغة...

و هذا يأخذنا لحديثه بأسى عن (قلق العبارة) و هو ما أطلقه على الترجمة العربية للفلسفة... إذ أنك تشعر بشيء خاطئ في الكلام... و هذا تماما ما أشعر به حين أقرأ هذه الكتابات... تشعر بأن هناك شيئا ما غير صحيح يجعل الكلام غائما... و لذلك اقترح ثلاث طرق متدرجة لترجمة الفلسفة... و ترجمة الفلسفة يفترض أن يتصدى لها فيلسوف كما ترجمة الشعر شاعر... و إلا تفقد معناها...

و أفكار كثيرة مدهشة عن اللسانيات و المنطق و الحجاج و الرشديات و الأخلاق و الاصطلاحات و التصوف و الأصوليات... كنقده مثلا لبعض التقسيمات الأصولية فيه الكثير من الإبداع... كفكرة التقسيم لدى الأصوليين ديانة و عقلا و كأن العقل لا دين فيه أو الدين لا عقل فيه... و أيضا اختراعه بعض العبارات التي اشتهر بها (انظر تجد) كترجمة بديلة عن (أنا أفكر إذن أنا موجود)، و أيضا عبارة (من تشرع و تمنطق فقد تحقق)...

بل وجدت بعضا من الأفكار التي كنت أفكر بها مسبقا و أتحدث عنها بخجل و صوت خافت، و لكنها بدت لديه أكثر وضوحا و نضجا و جرأة... عن كون الإنسان مخلوق أخلاقي و هذا ما يعرف به و يميزه... عن أن ما يقدمه الفيلسوف _أي فيلسوف_ هو أمر حجاجي، و ليس أمرا برهانيا... و ليس قول فلان ألزم من قول فلان... عن كون كثير من منهجية بعض المؤلفين المحدثين المشهورين فضفاضة غير محكمة و هذا ما يجعلها أكثر انتشارا... لأن المنهجية الفضفاضة أسهل على الفهم و أقل جهدا... عن فكرة هؤلاء أن الغزالي عطل العقل، لأن مفهومهم للعقل قاصر على العقل اليوناني... و كأنه ليس إلا من عقل واحد... عن كون العقل فعل و ليس ذاتا كما يقول... و هذه الفكرة وجدتها أيدت فهمي لحديث رسول الله (ناقصات عقل) حيث أفهمه أنه توجيه من رسول الله لنقطة ضعفهن في عدم استثمار عقلهن، أي ضعف الفعل العقلي من قبلهن و ركونهن للسفاسف أو الاستسهال أو العاطفة المجردة، و الحديث توجيه ليجاهدن أنفسهن و لا يركن... تماما مثل قوله تعالى (خلق الإنسان من عجل)، ثم إردافه بقوله (سأريكم آياتي فلا تستعجلون)... فهو و إن كانت العجلة فيه و لكنه مطالب بالمجاهدة لكبحها و هو قادر على ذلك، و كذلك هي في أمر الفعل العقلي...

 

هذان الكتابان ما هما إلا مدخل مفتاحي و تعريفي عبر حوارات و أسئلة له...

أما (كتاب الحوار أفقا) فهو بسيط يمكن لقارئ غير متمرس قراءته و أخذ فكرة عن فكر الرجل من فمه، أما كتاب (حوارات من أجل المستقبل) فهو أكثر ترتيبا و وعورة، لكنه أيضا سلس  كما ينبغي لمقدمة تعريفية لفكر فيلسوف أن تكون... فلغته في كتبه العادية أصعب من هذا... و لكن من خلالهما تستطيع أن تتبين بأي من كتبه ترغب بالبدء...

 

لا تستطيع إلا أن تتلذذ بالقراءة لطه عبد الرحمن، تلذذ بالمنطق و المنهجية... تتلذذ باللغة الجميلة و الذواقة (قد كان شاعرا قبل أن ينصرف تماما للفلسفة)... تتلذذ بالمعاني السامية و الأخلاقية و الروحية... نعم فهو يؤمن بارتباط القلب بالعقل، و التصوف بالفلسفة... تتلذذ بمحاولة القيام بالفعل الفلسفي و اللغوي أنت بنفسك... نعم فهو يأخذ بيدك و يدفعك لتفعل و يعطيك الثقة... مما جعلني أشعر بالغبطة و أحلق بأحلامي و أتخيل أني صرت فهمانة هكذا أنا أيضا كثيرا و جدا... و صرت أكتب أشياء عظيمة مثله... رغم أنف الشيطان الشرير الذي ما يفتأ يسخر مني و يثبطني أو يترنم في رأسي بأغنية اللاجدوى المقيتة... أعاذني الله و إياكم منه...

على كل و باختصار...

طه عبد الرحمن... أستاذ.. أب للفلسفة الإسلامية المعاصرة...

و أنصح بقراءة أي من الكتابين...

فإن شئت تكمل في القراءة له أو تترك... أما أنا فعلى بركة الله سأبدأ بالقراءة له...

 

أخيرا... أتمنى أن يكتب مذكراته... ليته يفعل ذلك حقا...
 

 

---

الحوار أفقا للفكر

حوارات من أجل المستقبل

طه عبد الرحمن

الشبكة العربية للأبحاث و النشر

 

سلمى

آذار 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali