الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  بلاد صاد... الباردة

 

 

بلاد صاد... الباردة

 

بلاد صاد    عبد الإله بن عرفة

 

كلما قلت بقربي
تنطفي نيران قلبي
زادني الوصل لهيبا
هكذا حال المحب
لا بوصلي أتسلى
لا و لا بالهجر أنسى
ليس للعشق دواء
فاحتسب عقلا و نفسا
إنني أسلمت أمري
في الهوى معنى و حسا

كلما قلت بقربي - فرقة ابن عربي
 

استمعت ذات مرة لهذه الأبيات التي تنسال رقة و عذوبة تغنيها فرقة ابن عربي... و حين بحثت عن الشاعر مؤلف هذه الكلمات الفاتنات، تبين لي أنه أبو الحسن الششتري... فاشتريت ديوانه بتحقيق علي سامي النشار، و حقيقة أنه كان من النادر جدا شرائي لديوان شعر لأني لا أميل لقراءته، و لكن لأن شعره أخذ بمجامع قلبي، فعلت...
لذلك حين شاهدت هذه الرواية التي موضوعها عنه مع غلافها المذهل شطح بي الخيال و حسبتها أنها ستكون إحدى الروائع أو ما أسميه عادة "ذاك الكتاب"، و أني سأحلق معها إلى حال غير الحال... و لكني ليس أني لم أبرح حالي المهترئ فقط، بل ارتددت لما هو حال أسوأ منه من ملل...
الرواية عبارة عن سيرة حياة أبي الحسن الششتري، الشاعر الصوفي الأندلسي الأمير الدرويش الذي ترك بلاده و ساح في البلاد، بكل ما تحويها من أحداث مفعمة و غنية، ممزوج فيها الكثير من الخيال...
الرواية كانت تعد بالكثير على ما يفترض... و لكنها كانت خيبة كبيرة، و يؤسفني انتقادها و كتابة ما سأكتبه... إذ أني كنت أود لو تعجبني و أعيش معها تلك التجربة التي وعدني بها المؤلف و أخفق في جعلي أعيشها...
فالأسلوب _كما قالت إحدى الزميلات_ مدرسي، و كأنك تقرأ عن الشاعر في أحد كتب المدرسة... تماما هو يشبه مواضيع التعبير الأدبية التي كان يطلب منا كتابتها في صف البكلوريا، حيث كنا نتحدث عن موضوع معين و نستشهد بأشعار حوله... و قبل الاستشهاد ببيت الشعر نحاول تقديمه بتوليف كلام نستوحيه من بيت الشعر نفسه، و لكن بأسلوب الوظائف المدرسية، أسلوب جامد و ممل و بلا موهبة...
و لا أخفيكم القول أني ربما كنت اغتفرت الأسلوب الممل فليس عندي مشكلة مع الأساليب المملة و التعليمية في الروايات، و كنت اعتبرته كتابا تعريفيا عن أبي الحسن و كفى، ثم إني أنا نفسي كثيرا ما أكون مملة فأمل مني فلماذا أستكثر الملل على كتاب، فضلا عن أني أتفق مع ما قالته سوزان سونتاغ من أنه لا يتوجب على الفن الرفيع أن يكون شائقا باستمرار، و أن الملل في بعض الاستعمالات يمكن أن يكون أكثر السمات الأسلوبية إبداعا في الأدب الحديث، و من استمتعت برواية مملة كـ "إليزابيث كوستلو" لكويتزي، فإن الملل لا يقف عائقا أمام استمتاعها بالروايات، فضلا عن أني أحيانا أجد الملل الذكي في بعض الروايات محببا إلي أكثر من التشويق... كل هذا الحديث الممل عن تبرير الملل لأقول أنه كان من الممكن أن أغتفر الأسلوب الممل لولا أن مقاربة الموضوع بحد ذاتها خيبت أملي بشكل مضاعف... فالرواية فيها ذلك النوع المطلسم من الصوفية التي تعتمد على الأرقام و الحروف، و طبعا مع طاقة جبارة كالطاقة الذهنية للإنسان و قدرته على التهيؤ فإنه يستطيع توليف نظرية كونية كاملة ذات ترابط معقد من أي مجموعة تـُعطى له من الأرقام و يحيطها بهالة السر و يعد بكشف مبين عنها، و كل ما يحتاجه هو مخيلة واسعة و براعة لغوية تضفي السحر و توهم به، و لكن للأسف المؤلف لا يملك هذه البراعة و لا هو يسحر القارئ و لا يجعله حتى يكاد يصدق هذه التهيؤات، فالخيال في الرواية جامد و التشويق فيها غير مشوق و لا حتى تجعلك تتساءل ثم ماذا، أو أنك تريد تكشف أي شي... و هذه الطلاسم بدت باهتة و لا أدنى إثارة فيها...
و ربما أكثر ما أزعجني هو خلط كل هذا مع وقائع حياة الششتري و أشعاره الجميلة باستخدام ضمير الأنا و كأن الششتري هو من يخاطبنا و يروي لنا حياته، و هذا الضمير من أكثر الضمائر التي أحبها عادة في الروايات و لكنه هنا بدا لي كارثيا... لأنه حين ترى البون الشاسع و المريع بين بيت الشعر المستشهد به _و الذي يكون غاية في الجزالة و الرقة_ و بين وصف الحال الذي سبق بيت الشعر من قبل المؤلف على لسان الشاعر بتلك الطريقة التعليمية، فإنك تشعر بالهوة بين الأنا المفتعلة في الرواية و أنا الشاعر في شعره...
 

الغريب أن بعد كل ما قلته ما زلت أشعر في داخلي رغبة بالقراءة للمؤلف ثانية... فمواضيع رواياته تثير الفضول فهي غير مطروقة في الأدب عادة، فهي تتحدث عن شخصيات صوفية... كما أن أغلفتها ساحرة... و نعم ساحرة للحد الذي يجعلك تنسى تجربة سيئة و ترغب بتجريبها ثانية... أقول في نفسي ربما الرواية الأخرى تكون أفضل حالا... فأحد أسباب هذه الخيبة أني كنت أتوقع منها الكثير... و ربما لو لم أتوقع شيئا لكان أفضل و لذلك لا أدري أءنصح بها أم لا... أو ربما أني نسيت كم كانت سيئة و عدت أحلم أنه ربما في رواياته الأخرى سأعيش ذلك الحال... أو ربما أني ظلمته بظني أنها ستكون رواية تاريخية ببراعة روايات أمين معلوف...

على كل من المؤسف أني قلت كل هذا، و ما ذلك إلا لأن "شويخ أرض مكناس" يستحق رواية أفضل...
نعم فالششتري صاحب تلك الأبيات الزجلية الجميلة الشهيرة، ألم أقل أنه شاعر فاتن العبارة...


شويخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني
إش علي انا من الناس و إش على الناس مني
إش عليا يا صاحب من جميع الخلايق
افعل الخير تنجو و اتبع أهل الحقايق
لا تقول يا ابني كلمة إلا إن كنت صادق
خذ كلامي في قرطاس و اكتبه حرز عني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني
ثــَّم قول مبين و لا يحتاج عبارة
إش على حد من حد افهموا ذي الإشارة
و انظروا كبر سني و العصا والغرارة
هكذا عشت في فاس و كذاك أنا هوني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني
و ما أحسن كلامه إذا يخطر في الأسواق
و ترى أهل الحوانيت يلفتوا لو بالأعناق
بغراره في عنقه و عكيكز و رقراق
شويخ مبني على ساس كما إن شاء الله مبني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني

لو ترى ذا الشويخ ما أرقو بمعنى
التفت لي و قال لي أش نراك تتبعنا
أنا ننصب لي زنبيل يرحمو من رحمنا
و أقامو بين أجناس و يقول دعني دعني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني
من عمل يا بني طيب ما يصيب إلا طيب
لعيوبو سينظر و فعالو يعيب
و المقارب بحالي يبقى برا مسيب
من معو طيبة أنفاس يدري عذر المغني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني
وكذاك إشتغالو بالصلاة على محمد
و الرضا عن وزيرو أبي بكر الممجد
وعمر قائل الحق و شهيد كل مشهد
و علي مفتي الأرجاس إذا يضرب ما يثني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني
يا إلهي رجوتك جد عليا بتوبة
بالنبي قد سألتك و الكرام الأحبة
الرجيم قد شغلني و أنا معوا في نشبة
قد ملا قلبي وسواس مما هو يبغاه مني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني
تم وصف الشويخ في معاني نظامي
و إني خواص و نقري لأهل فني سلامي
و إذا جوزوني نقل أول كلامي
شويخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني
إش علي أنا من الناس و إش على الناس مني

 

شويخ من أرض مكناس - خالد الشيخ
 

 

--

بلاد صاد

لمؤلفها المغربي: عبد الإله بن عرفة

دار الآداب



 

سلمى

قرئ في كانون الثاني 2012

كتب في أيار 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali