الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  في مدح الحب

 

 

في مدح الحب

 

  

 

 

كنت حائرة فيما يمكن أن أستهل للحديث عن كتاب (في مدح الحب)، و خاصة أني لست خير من يتحدث عن الحب، و ليست القراءة فيه من ضمن خياراتي القرائية المفضلة كثيرا، إذ لا أطيق صبرا مع قراءة المشاعر الجياشة، كما أن الكثير من الروايات الرومانسية "الناضجة" تشعرني بالملل أو النكد، و لا أدري لماذا إن كنت ناضجة علي أن أهتم بكثرة المآسي المبالغ فيها و البكاء على الأطلال أو أفكار زيرة النساء الفجة، و أن أعتبر كل هذا البؤس حبا! من قال أن النضج يعني بالضرورة أن يكون المرء على هذه الشاكلة البليدة؟ مدري...
في لحظات قديمة و في بدايات الشباب حين يكون المرء سعيدا بكونه صار ناضجا، حاولت أن أكون منفتحة و أصادق بعض القريبات و نتحدث في أمور الفتيات، فكانت ردة الفعل تجاهي باتهامي بالطفولية و معاملتي و كأني مخلوق أبله... و من حينها فقدت الرغبة بالاقتراب منهن و من غيرهن... و لا يستطيع المرء أن يتذكر كل المقولات المحبطة التي توالت على هذه الشاكلة و ما زالت تتوالى طبعا... و ربما تكون ردود أفعالي غريبة و لا مألوفة فعلا، و ليست ناضجة حسب تعريفهم القاصر و المحدود للنضج، و أتفلسف بزيادة و أسأل في البديهيات و أستمتع بالمشاكسة، و التعاطف عندي هزيل أو ربما طريقته مضحكة... و لكني لست حجرا و لست طفولية بل لي رؤياي الخاصة عن الحب و الزواج، و التي لا تجعل الحياة أسلس بطبيعة الحال، و لكن فيها وجهة نظر قوية و منطقية، ربما أقوى من مجرد الاستمتاع بالمشاعر من دون التفكير، أو التلذذ بالنواح و دور الضحية، أو إتباع ما يفرضه المجتمع من عادات رغم خطئها و لا منطقيتها، و هي رؤيا اكتشفت أنها ناضجة بعد أن قرأت هذا الكتاب، مما جعلني أصادق عليها و أتمسك بها أكثر من الأول...
و في واقع كواقعنا الحالي حيث يعرض فيه الحب بابتذال و وفرة و بأشكال و أنواع حد المرض و الغثيان، و شبكات التواصل التي أزالت الهيبة من التواصل البشري، و استسهلت فيها كلمات الحب على الألسن و جُردت من قيمتها الملزمة التي كانت تساوي عقودا مكتوبة، و صار القول كاللاقول، و الوعد كاللاوعد، فكلاهما له نفس الدرجة من الخواء و اللاوجود... و دعني من الطرف المقابل من الخطاب الذي يحاول التخفيف من غلواء ذاك الخطاب اللامسؤول، فيصب الاهتمام على مسؤولية إنشاء الأسرة و الأمومة المحتملة و مهمة المرأة المقدسة الخ... مما يعطي أهمية كبيرة لعمرك كأنثى لديها احتمالية إنجاب أكبر أو أقل من أنثى أخرى، و أنه أول ما يعني فيك... فهذا هو كل ما أنت باختصار... و التفاضل على هذا الأساس... و الذي لا يختلف كثيرا عن المركزية حول جسدها كشكل...
و كأنما هذه الأنا الأنثوية دائما وسيط لشيء آخر، فإما هي وسيط لوجودٍ آخر كالابن، أو وسيط لإثارة مشاعر شاعر لا ينفك يتحدث عن شعوره هو، أو جسدها بأنفها و شعرها و عينها _و هو جسد كل النساء _ أكثر مما يتحدث عن كونها هي كهي... و حتى هي تتحول إلى مقيّم لكينونتها و تجربتها الذاتية في الوجود وفق جسدها، و يصير الزمن وطئا ثقيلا يمر عليها بدل أن يكون حكمة و سكينة...
حتى ليبدو في نهاية المطاف و كأن هذه الأنا المتفردة فيك هي أرخص ما لديك... و كأن نظرتك الذاتية تجاه الوجود و رؤيتك التفسيرية له هي أمر تافه و لا يستحق أن يكون أمرا مطلوبا لذاته فيك...
غريب أمر البشر و الله!
هذا كله يجعلك تعاود السؤال من البداية ما هو الحب و ما معناه حقيقة؟
 

آلان باديو، الفيلسوف الفرنسي، الذي أزعجه المفهوم الاستهلاكي للحب الذي استفحل بسبب الانترنت، و في الحوار الصغير الذي أجري معه في هذا الكتاب، أعاد تعريف الحب.
أكثر ما يركز عليه باديو هو أن الحب مشروع وجودي لاثنين، قائم على الخروج من مركزية الفرد و التخلي عن نرجسيته إلى النحن، من العيش في العالم بهويته "كأنا" إلى هوية جديدة قائمة على الاختلاف... إلى بناء رؤيا جديدة للعالم تقوم على اثنين بدل واحد... الحب عند باديو ليس فقط هو اللقاء الأولي الذي يكون مغلفا بذاك السحر و هو أكثر ما يتغنى به الشعراء و يخلد في الروايات... فليس هذا هو أهم ما في الحب، لأنه قائم على الصدفة كما يرى، بل الحب عنده و أهم ما فيه هو الاستمرارية و القدرة على البناء و استثمار ذلك اللقاء، و تحويل الصدفة لقدر، عبر بناء عالم جديد قائم على اثنين... هذا الجهد المستمر، هذا الالتزام و التخلي عن الأنانية الشخصية لإنجاح الأمر هو الحب... و بهذا يصير إنجاب الأولاد هو جزء من آلاف الأجزاء التي تشكل هذا العالم الجديد... جزء منه و ليس هو غايته...
و لذلك و حسب رؤياه فإن أقوى أعداء هذا الحب هو "الأنا"، لأنها تفضل الهوية على الاختلاف، و تحاول أن تبقى منعزلة في الكيان الذي أنشأته تجاه العالم و النظرة التأويلية الذاتية للعالم بدل الكيان الجديد القائم على اثنين و نظريتين تأويليتين له...

الحب هو ما وراء النرجسية، هو الوصول للآخر... أنا أحبك، تعني أنا ألتزم تجاهك...

 

هذا الكتاب الصغير الذي يمكن قراءته في ساعتين، استغرقني أسابيع و أنا أقرأه... لأنه جعل الكثير من الأفكار تخطر لي...

فبناء على كلامه هذا، و حسب رؤيتي الذاتية، و لأني دائما مشغولة بسؤال لماذا... فإن الآخر لا بد أن يكون لديه نظرة للوجود تستحق أن أتخلى لأجلها عن نظرتي الذاتية التي بنيتها بكد و تعب، و لا بد أن يكون لديه شيء أعلى مقاما و أكثر روعة بنظري مما أملك... بل أيضا أن يكون مستحقا لأشاركه رؤياي التي هي أنفس ما فيّ... على هذه الصورة فقط يصير خروج المرء من قوقعته و المخاطرة بعزلته التي يحبها أمر جدير بالتجربة... و برأيي ليست التجربة هي المهمة بقدر ما هو الشخص، فإن لم يتواجد هذا الشخص المستحق فالتجربة ليست مهمة، حتى لو خالفت باديو بهذا، و الذي يرى التجربة بحد ذاتها مهمة...


و الحب ليس فكرة... الحب فعل... و هذا رأيي تماما، فلا حب من دون فعل، و من يدعي أنه يحب، فعليه أن يقدم برهانا على دعواه و يخرج من أنانيته و يفعل شيئا للآخر و يبذل جهدا و الآخر يعينه... و إلا فإن الكلمات و المشاعر المجردة شيء هش كالزبد، سرعان ما تتلاشى مع أول نفخة... و بعيدا عن رأي باديو فأنا مؤمنة أن لا يمكن للحب أن يكون من دون الرغبة بالزواج، و هما ليسا أمران منفصلان، و إلا فهو حب زائف أو على تحسين الظن أمر بلا معنى... لأن الحب رغبة بالخروج من الأنانية و بناء شيء مع الآخر... الحب ليس فكرة، الحب فعل...
و هذا ما يجعلني أعتقد أيضا أن تجربة الزواج يفترض أن تكون في تصاعد مع التقدم في العمر و ليس في هبوط، بحيث يكون أول يوم هو أقل يوم شأن فيها، فليس هو ليلة العمر كما يدّعى، و لا يستحق هذا الاحتفاء المجنون بمظاهره فيه... و من لم يبن مشروعه الزواجي على ما هو قابل للزيادة مع الأيام فسرعان ما سيذوي...

 
الكتاب ممتع بمجمله، و يملأك بالكثير من الأفكار الطيبة... و ما يلفت النظر أن الأنانية في الكتاب لا وجود لها، و هو أمر نادر في كتابات الفلاسفة الرجال عن الحب التي تغلب الأنا المتضخمة عليها عادة و كأنها كل الكون في مقابل اختفاء أنا المحبوبة... هذا الكتاب يمجد المشاركة و المسؤولية...

و بعض المواضع لم تعجبني كثيرا لأنها أقرب لتلك الحذلقات اللغوية عن الحب التي لا أستسيغها، و خاصة حين حديثه عن استخدام عبارة مثل "سأحبك دائما" و التي تثير شكوكي بمصداقيتها، مخرّجا إياها بكونها رغبة المحب في محاولة إقحام السرمدية في اللحظة الآنية...
بيد أن أسوأ ما في الكتاب _و هو حقيقة ما شعرت به أفسد كل شيء و قبل أن يبدأ_ هو المقدمة التي تتحدث عن فلسفة آلان باديو بالمجمل و التي هي فلسفة مادية إلحادية بحتة... و هو رغم كل العبثية التي تشع منها، إلا أنه يرفض العبث، و يريد صنع المعنى... و لكن ما معنى صنع المعنى من اللامعنى؟ أن تسحب القصد من وجود كل فرد بذاته، إلى مجرد شيء وجد مصادفة في عالم رياضي قائم على اللانهائية، ثم تطلب منه أن يرغب بفعل الحدث و يندمج فيه! و لماذا عليه أن يقاوم العبث إن كان هو العبث؟ حقيقة هذا أكثر ما أفسد نظريته، و كل ما حاولت أن أربط بين كلامه و بين فلسفته ينبع السؤال فلماذا هذا التعب كله، ألأجل شعور مؤقت سيتلاشى في عدمية مطلقة؟

أنا لا أحب العبث و لا أحب الإلحاد... و حين تسحب المعنى من الوجود، تبدو الكثير من التبريرات عبارة عن حذلقة لغوية محضة و تناقض نفسها بنفسها...


أما بالنسبة لصورة الغلاف فهي لم ترق لي، و لا وجدتها معبرة عن مضمونه، و ما كانت لتجذبني للكتاب لو لم تكن لدي فكرة مسبقة عن موضوعه قبل شرائه... فالصورة كأنها خارجة من فيلم رومانسي كلاسيكي فرنسي، الفتاة الحسناء و الشاب في أبهى صورهما... النمطية النمطية النمطية... اللقاء الأولي الساحر اللحظي... و الذي ليس هو موضوع باديو و مكان عنايته، فحبكة اللقاء أمر قائم على الصدفة رغم فرادة تجربته، و لكن مكان اهتمامه هو بذلك الجهد للبناء و توكيده على الاستمرارية... و لذلك لو كان لي أن أختار صورة غلاف هي أكثر تعبيرا عن الكتاب و مضمونه عن الحب... لكانت صورة لزوج من المسنين... كهذه الصورة...

 


بقي سؤال، و هو سؤال لا يسأله إلا من كانت الانعزالية المرتفعة عندهم جزء من فطرتهم، و المبادرة في التواصل البشري أمر يتعبهم، فلا يقتربون من أحد و لا يرتاحون لاقتراب الآخرين منهم، و بالتالي فعلاقاتهم البشرية قائمة على ردود الفعل و مبادلة الود الذي بودروا فيه و ارتاحوا له، بود مثله... و هو سؤال توجهت به لصديقتي وفاء المبادرة دائما، أن لماذا يبادر شخص لشخص آخر أصلا؟ فأجابت وفاء: هذا من الله...
فتذكرت حديثي رسول الله: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف... و أيضا قوله عن السيدة خديجة: إني رزقت حبها...
إذن الحب رزق... فاللهم ارزق حبنا من يحبك و تحبه...


على أية حال، الكتاب أعجبني بمجمله و قد نجح في مسعاه في مدح الحب أمام شخصية متشككة سؤولة مثلي... و هكذا صرت رومانسية مع لمسة شريرة قليلا و ليس كثيرا... فالحب إذن كما أستطيع تلخيصه هو أن تساهم قدر استطاعتك _و التي ليست بالضرورة أن تكون مساوية لاستطاعة الآخر_ في بناء مع هذا الآخر الذي يدعي أنه يحبك، لتزعجه فيه...


 

 

--

في مدح الحب Éloge de l'amour

لمؤلفه الفرنسي: آلان باديو Alain Badiou

ترجمة: غادة الحلواني

دار التنوير



 

سلمى

كانون الأول 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali