الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> أبو حنيفة و أنان بن داود

 

 

أبو حنيفة و أنان بن داود

 

   فريدريش دورينمات

 

كثير من الكتب ما توحي به عناوينها لك هو أجمل ما فيها... لا يمكن لعنوان قصة مترجمة عن الألمانية كهذا أن يمر علي و لا يدخلني في عالم من التخيلات... و كم أجلته و أنا أتأمل رحلة ممتعة... و لكن يا للخيبة!
هذه عبارة عن مجموعة قصصية من ثلاث قصص، لمؤلف سويسري شهير...
الأولى (النفق) و هي تتحدث عن قطار يدخل في نفق يفضي إلى الهاوية و الناس عليه لاهون...
الثانية (العطل قصة ممكنة الحدوث)، و هي أجمل قصة في المجموعة، مذكرة إياي بفيلم رعب سخيف، و لكن ليس لها منه إلا الفكرة العامة، و لحسن الحظ أنها لم تكن كالفيلم... حيث تقام محاكمة صورية من قبل مجموعة من الحقوقيين المتقاعدين لعابر سبيل نزل عندهم على سبيل التسلية... و نقاشات حول الجريمة و العدالة و هل يعتبر فعلا جرميا ما لا يطاله القانون؟
الثالثة (أبو حنيفة و أنان بن داود)... كانت تعد بقصة مبهرة لولا أنها لم تكن... القصة اعتمدت على واقعة تاريخية... حين حبس المنصور عنان بن دواد لوشاية قادة اليهود به لخلافه معهم حول رئيس طائفتهم، التقى بالسجن الإمام أبي حنيفة النعمان الذي كان المنصور قد حبسه سابقا... و حصلت بينهما صداقة أو كانت قبلا لا أدري، بيد أن عنان بن داود تأثر بالفكر الإسلامي و خاصة بأصول فقه الإمام أبي حنيفة و بالقياس و بعلم الكلام... فنصحه أبو حنيفة بأن يعرض أراءه على الخليفة و يوضح له نهجه العقلاني، فلما أتى الخليفة خبر أفكار عنان أفرج عنه و كانت النصيحة سببا في إنقاذ حياته... و حين خرج أنشأ فرقة القرائين...
هذه الواقعة بنى عليها دورينمات قصة رمزية... حيث يمثل الإمام أبو حنيفة المسلمين و أنان اليهود و الزنزانة هي (فلسطين) الأرض الموعودة... و كأنهما بقيا محبوسين خمسمئة عام معا كصديقين متقاربين حد التماهي!! ثم أفرج عن أنان تاركا الزنزانة، فتاه في الأرض قرونا لم يرتح بمكان فيها، حتى عاد للزنزانة ثانية، و لكن أبي حنيفة الذي اعتاد وحدته في زنزانته لفترة طويلة لم يتعرف عليه فبادره بالصراع و القتال... و بعد أن أنهك كلا الطرفين... جلسا، فعرف وجه صديقه القديم أخيرا و تصالحا و عادا شيئا واحدا متماهيا يعيشان في زنزانتهما (أرضهما الموعودة)!!
الرمزية واضحة... هذا التبسيط الساذج لمنشأ الصراع و لطريقة حله... و توظيف هذه القصة التاريخية للمظلومية المملة الكاذبة... فالواقع بخيرنا أنه لم يـُخرِج أحد اليهودي من الأرض و لطالما كان هناك، و لكن ما فعله أنه خان جوار المسلم و طمع بما في يده فاستجلب صحبه من الخارج فذبحوا الجار المسلم و طردوا أولاده و احتلوا الأرض برمتها... هكذا القصة كما زال يرويها التاريخ للآن...


و بعيدا عن قصة درونمات المخيبة و توهماته للتاريخ... فإن هناك دلالات جميلة و كثيرة مهمة يمكن استخلاصها من واقعة تاريخية كهذه، بعد أن بات تراثنا ينتقص منه على يد أبنائه قبل من سواهم... أحدها تأثير مناهج علماء المسلمين و مدارسهم على نتاج و كتابات من جاورهم من الديانات الآخرى، فلم يكن عنان وحده كذلك ممن عاصر تلك الفترة... و أخرى علاقة كثير من علماء المسلمين المنفتحة على الآخر... و أهمها أن محنة أبو حنيفة (في رواية أنه توفي بالسجن و في رواية بعد خروجه مباشرة) لم تكن بدعا من محن كثيرة لحقت بكثير من الفقهاء و المحدّثين و العلماء على كافة توجهاتهم، فقد عاشوا الفاقة أو امتحنوا في حياتهم و اتهموا بكافة التهم سواء من السلطة مباشرة أو من سوقة الناس أو من زملائهم الذين حسدوهم فلفقوا لهم التهم و أوغروا صدر الحاكم أو الدهماء عليهم... بعض هذه المحن اشتهرت لأسباب كثيرة منها لأجل أديلوجيات معينة، بحيث أن إبرازها بمعزل عن غيرها يجعل التاريخ مقروءا بطريقة مختلفة عما لو قرئت مع سواها من المحن... و بعضها الآخر طواه النسيان كما طوى أصحابها... سعيد بن جبير، سفيان الثوري، الأئمة الأربعة، فحتى الإمام مالك قد جلد و عذب، و محنة البخاري الذي اتهم في دينه و فر من بلده، و السرخسي الفقيه الحنفي الذي أملى كتابه المبسوط على طلابه من البئر الذي حبس فيه، و محنة الآمدي الذي اتهم في دينه، و العضد الإيجي الذي مات مسجونا، و القاضي التنوخي الذي ألف كتاب (الفرج بعد الشدة)، و محنة العز الذي حبس ثم طرد من دمشق و الفخر الرازي الذي طرد من أكثر من مكان و عانى فقرا مدقعا ... و غيرها الكثير... كان قد جمع جزءا منها أبو العرب التميمي في (كتاب المحن) ليصبر نفسه بقصص من سبقوه و هو الذي قاسى محنة أيضا... و كنت ابتدأت بكتاب التميمي، و كان الاستهلال بقصة سيدنا عمر و اغتياله، فأحزنني الوصف كثيرا، فقررت التوقف عنه حتى وقت يكون أكثر صفاء... بيد أنه كتاب قديم، فالتميمي توفي عام 333هـ و قد حصل الكثير من بعده، فهل هناك من كتاب حديث جمع هذه المحن؟


و لكن هل يعني هذا أن العلماء كانوا منكوبين في تاريخنا هكذا على طول الخط... الجواب هو لا... و إلا لما نشأت حضارة و لا كانت هناك مجالس فكرية و سجالات علمية و تيارات مختلفة و مدارس متنوعة و لا كان كل هذا النتاج، لأن الإنتاج العلمي يحتاج إلى استقرار و أمن و نفقة مادية... و يمكننا أيضا أن نروي قصصا كثيرة عن هؤلاء العلماء و غيرهم و قد أكرموا و احتفي بهم و بنتاجهم من قبل الحكام و الناس... بيد أن التراث ليس شيئا واحدا و لا الدولة الإسلامية كانت قالبا واحدا و على مزاج واحد و توجه واحد على مدى قرون طويلة و في كل بقعة فيها بحيث يمكن اختزالها إلى جملة واحدة تقريرية... فحاكم مدينة يكون محبا للعلم و آخر ليس كذلك، و العالِم الذي كان يـُحارب في مكان كان يستقبل بالحفاوة في مكان آخر يليه، و العالم الذي شنّعوا عليه في فترة، كان يحتفى فيه في فترة أخرى، و أحيانا يشنع عليه بعد وفاته بينما قد عاش مكرما في حياته، و أحيانا يكون هو قد كاد لغيره في وقت أو تحالف مع السلطة لإبعاد خصومه، فارتد عليه عمله في وقت لاحق أو آلت السلطة لآخر فسقط نجم حظه... و لطالما كان هناك بعض أولئك البعض الذين لا يهنأ لهم بال إلا بالكيد للآخرين... و كان هناك من المتنفذين من يقبل كلمة الحق فيتراجع عن ظلمه و آخر يغضب غضبة شديدة و يزداد ظلما... و لطالما كانت هناك إشكالية بين العالم و محيطه و بين المصلح و مجتمعه و بين الخارج عن السياق و سياقه و بين المهووس بفكرة و ما حوله... تشتد تارة و ترتخي تارة أخرى حسب المزاج العام... و جدير بالذكر هنا فكرة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الملازمة لهذه الأمة و خاصة علماءها... و التي تجعل التدافع داخلها في حركة مستمرة، كحركات مدنية حية مراقبة للمجتمع من أعلى الهرم إلى أسفله... و هذه ملاحظة ذكية كان ذكرها مايكل كوك في كتابه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الفكر الإسلامي...
المشهد التاريخي كان أكثر غناء و تعقيدا و تداخلا مما يراد تسطيحه بتحليلات حدية ساذجة أحادية تقوم إما على الأبيض أو الأسود...
و أجد خير وصف له هو ما قاله رسول الله: "خير و فيه دخن". يعني كان الشكل العام خيرا و لكن فيه كدر يجعله غير صاف...
 

 

نجمتين من خمس، لأجل القصة الثانية و لأجل الحادثة التاريخية التي لم أكن أعرف عنها شيئا قبلا...


 

 

--

أبو حنيفة و أنان بن داود Abu Chanifa Und Anan Ben David

فريدريش دورينمات Friedrich Dürrenmatt

ترجمة سمير جرجس

منشورات الجمل



 

سلمى

أيلول 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali