الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  حكواتي الليل

 

 

حكواتي الليل

 

 

 

· كيف تحدثت الصديقتان عن دمشق؟
لا يجتمع الرعب و الحب في القلب، هل يجتمعان؟
بهذا علقت على صديقتي التي ما زالت في دمشق، في ختام حديثها الشجي عنها و أنها ما زالت تحبها رغم كل شيء، محاولة نقل شعورها إلي لتبديد مخاوفي و أنا التي صرت على بعد آلاف الكيلومترات... و لطالما كانت صديقتي العزيزة مملوءة بهذا الفيض العذب، بينما أنا لطالما كنت مملوءة بما لا أدري ماذا...
رواية رفيق شامي حكواتي الليل، ما فتئت تعيدني لهذه المحادثة بيننا، و تذكرني بها، فهي كانت تفعل ما لم تستطعه صديقتي...


· كيف حكى الشامي عن أهل دمشق غريبي الأطوار؟
تبتدئ هذه الرواية العجيبة بالأسطر التالية:
"إنها لقصة غريبة، هذا أقل ما يمكننا قوله عن هذه الإشاعة: ... ما كنت لأصدق مجرياتها لو لم أر أحداثها بأم عيني. بدأ كل شيء في آب 1959 في حي من أحياء دمشق القديمة. حتى و لو رغبت باختلاق قصة لا تصدق كهذه ستبقى دمشق المكان الأمثل لمحتوياتها، ما من مكان سوى دمشق يمكن أن تجري فيها أحداث كأحداث قصتنا.
عاش في دمشق في تلك الأيام الكثير من الأناس الغريبي الأطوار. لكن ما الغرابة في هذا؟ يقال أن مدينة تعج بالحياة لأكثر من ألف سنة تورث سكانها غرائب القرون التي تراكمت في المدينة. و تاريخ دمشق يرجع لعدة آلاف من السنين و هكذا يمكنك تخيل أنماط كثيرة من الناس الغريبي الأطوار و هم يذرعون أزقتها و شوارعها الملتوية جيئة و ذهابا."

سليم العربجي العجوز الذي اشتهر بقدرته العجيبة على رواية القصص الساحرة، فقد صوته فجأة، فقرر أصحابه الستة السبعينيين الذين اعتادوا الاجتماع عنده مساء لسماع قصصه أن يرووا هم الحكايات كل يوم... ربما ينفك عنه ما ألم به و يعود صوته... علي الحداد، مهدي معلم الجغرافيا، موسى الحلاق، فارس الوزير السابق، توما المغترب، يونس القهوجي... و هكذا راحت الحكايات تولد الحكايات، و تأخذ القارئ إلى عوالم ملونة، تارة تهبط للواقع لأحوال البلد السياسية المكربة، و تارة تحلق في الفضاء مع غرائبية السحرة و الأميرات و من ثم تعود فتلف الحارات الدمشقية القديمة راصدة بحب و مشاكسة عادات أهلها و طباعهم و التي بعضها لطالما رفع لي ضغطي و لا زال...
امتزج في حكايا العجائز السبعة الخيال مع الواقع، و الأسطوري مع الاجتماعي مبددين قسوة الظروف بالظـُرف، و انقلب ثقل العمر في أحاديثهم إلى الطفولية المشاغبة، فلم يكونوا أرزن شيوخ يمكن أن تقابلهم... لتعود معهم القصص إلى ما كانت عليه أبدا، عبرة و تسلية...
رواية تمجد القصص و موهبة حكايتها و تأثيرها في المجتمع... و تبرز الطيبة الفطرية للناس و تحتفي بدمشق و أهلها...

أسلوبها أشبه بالليالي الألف و الليلة، مع إيراد سؤال قبل كل حكاية كعنوان لها، يشي لك بحدث و يجعلك مشدودا لتعرف كيف حدث...


· كيف عثرت سلمى على روائي مفضل من مدينتها؟
رفيق شامي (و اسمه الحقيقي سهيل فاضل) أستاذ الكيمياء الذي تحول للأدب و حصد جوائز هو روائي دمشقي، هاجر لألمانيا في مطلع السبعينات و راح يكتب بالألمانية، و لهذا لم أسمع به إلا قبل عامين، فروايته منشورة من عام 1989 و لكن ترجمتها دار الجمل عام 2011... العجيب أن هذه الرائعة قد رفضها 23 ناشرا قبل أن تطبع!
و تبارك الله على هذه الموهبة التي يملكها... الخفة و السحر و التشويق و الطيبة و الروقان و الظرف المحبب الذي يجعلك تتكركر... يبدو أنه ما زال هناك حكاية يمكن أن تروى عن دمشق و تجعلني أضحك... أي و الله...
و أخيرا عثرت على روائي مفضل من بلدي أستطيع أن أنصح برواية له أحبها...
أما الغلاف الفاتن فهو لزوجته روت ليب Root Leeb التي اعتادت تصميم كل أغلفة رواياته...
و ترجمة رنا زحكا جميلة، حيث وضعت الاصطلاحات الشامية كما هي...

 

· كيف حارب حكواتي الليل الكوابيس الدمشقية؟
كنت أحاول أن أطيل أمد القراءة ما استطعت... كل يوم كنت أفتح الرواية ليلا قبل أن أنام و أستمع لرفيق شامي و هو يقص علي إحدى قصصه عن دمشق... و هكذا لم يتجرأ على مهاجمتي و لا أي كابوس شرير من الكوابيس الدمشقية المتوحشة التي اعتادت إفزاعي...


· لماذا أبكت رواية مبهجة و لذيذة كهذه سلمى؟
أعترف بأني لم يسبق على ما أذكر أن قرأت رواية فيها دمشق و شعرت بها قريبة مني... لكن هذه فعلت...
و أكثر ما أسرني هو الحب الذي كتبت به، بعيدا عن الحقد و العقد النفسية، و إبراز الخير الموجود في نفوس أهلها رغم الشرور و بعض الطباع المزعجة، هذا الخير الذي بات يطمس و يشوه عمدا مؤخرا... هذه الأجواء الحميمة جعلت الكثير من الذكريات تنبع في رأسي فجأة و أنا التي أعاني من عدم الاستمساك بها و سرعة تلاشي صورها، و خاصة في هذه السنوات الأخيرة المريعة التي باعدت بيننا و بين الحياة و كأنها ألف عام مضت...
لم ينفك يحضرني طوال الوقت خال أمي أبو غالب أطال الله عمره و حفظه، فهو يشبه هؤلاء المسنين بظرفه و حبه لرواية القصص القديمة بأسلوبه الممتع و باله الطويل و إن كان أرزن منهم...
أو خالة أمي أم الخير حفظها الله التي كانت زيارتها مع أمي و الاستماع لكلامها و أمثالها المعتقة و الأكل من بزرها اللذيذ الذي حمصته بنفسها، في حديقتها التي تدللها دلالا صيفا و أمام المدفأة التي تؤزها أزا شتاء، متعة من أحب المتع لدي...
أو عن أعمامي أطال الله عمرهم و رحم الذي توفي منهم، و قصص شبابهم و ذكرياتهم التي تتنوع كل بحسب اختصاصه و عمله، فأرى تاريخ المدينة من زوايا مختلفة...
و أخيرا خالتي العزيزة خانم أمدها الله بالقوة و الصحة... و هي مؤرخة عائلتنا، و لكل عائلة مؤرخها، و تملك قصصا كثيرة، ما عليك إلا أن تسألها و ستخبرك بكل شيء، فهي لا تبخل بقصة أبدا... لا أحد يمكن أن يجاري خالتي خانم بحكاية قصة حدثت بأسلوبها المشوق، فإن أرادت امرأة لا تحسن الاستماع مقاطعتها مستعجلة النهاية أو مخمنة إياها مفسدة روعة سرد السيرة، أوقفتها بعبارتها المعتادة (ما لك قصيرة، جاييتك بالسيرة)...
و أنا لطالما كنت مستمعة جيدة للقصص و الذكريات لمن يروونها بمتعة، لأني لا أتحدث كثيرا، و أتفاعل مع القصص، و دائما أطلب المزيد... كل رواة القصص يحبون المستمعين الجيدين أمثالي الذين لا يتحدثون مقاطعين، و يشجعونهم ليحكوا أكثر... و لا تظهر براعتهم إلا بمقدار إصغاء المستمع... و لذلك كنت أستمتع لأني أحب الحكايا و الذكريات المسرودة بحب و حكمة لا بمرارة و تذمر... فأنا أكره كثرة الشكوى و الندب...
قد أعادتني الرواية لهذه الذكريات الهانئة في دمشق، فقبض علي وعيي الذي لم يعد يذكرها إلا بآخر ما عهدته من الخوف... و بدأ الصراع... فهذه الرواية الحلوة ليست الواقع... و أهل هذه البلدة في كرب عظيم، فرج الله عنهم... و ذبلت الحكايات كمدا في صدور أصحابها...
فهل يمكن للحب و الرعب أن يجتمعا في القلب يا صفاء؟
للأسف، لا يمكن أن يجتمعا... و هذا ما أبكاني...
 

· كيف أنهت سلمى الصراع بحل وسط إلى أن يفرجها الله؟
حسنا ربما لا أستطيع تغيير شعوري تجاه دمشق حاليا، و لكني أحب أهلي و صديقاتي...
فأي أناس هم أولئك الذين كلما سألتهم عن حالهم في هذه الأوضاع، قالوا الحمد لله صابرين و محتسبين، و صديقة كلما سألتها كيف حالك، تقول الحمد لله على قضاء الله، و أخرى ظريفة ترى الإيجابية في كل شيء، فهي تعتبر نفسها أنها تعيش ضمن أحداث التاريخ، حتى ترويها يوما للأجيال القادمة...

و لئن قال ابن منير الطرابلسي في قصيدته الجميلة سقى دمشق:
يا هل ترد لي الأيام واحدة ... من الهنات التي قضّيتها فيها
فإني أقول يا الله رد لنا هناءات خيرا من التي قضيناها فيها...

--

 

قصيدة سقى دمشق و مغنى للهوى فيها

 

 

--

حكواتي الليل Erzähler der Nacht

لمؤلفها السوري: رفيق شامي Rafik Schami

ترجمة: رنا زحكا

دار الجمل

 


 

سلمى

20 تشرين الثاني 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali