الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  المنصور: مسرحية أندلسية

 

المنصور

مسرحية أندلسية

 

المنصور مسرحية أندلسية  هاينريش هاينه

 

هي قصة فتاة و فتى من الأندلس منصور و سليمة... حين سقطت غرناطة و أرغم الإسبان المسلمين إما على التنصر أو ترك البلاد، افترق صديقان من أعيان البلد كل في طريقه مع ولديهما، أما والد منصور ففر بدينه إلى المغرب ثم اليمن مع ولده منصور، بينما بقيت سليمة مع والدها و تنصرا... و بعد أعوام، و حين اشتد عود منصور و صار رجلا، عاد متخفيا إلى الأندلس لرفيقة صباه سليمة... ليتفاجأ مما حل في البلاد و بأهلها، و كيف زالت كل مظاهر الإسلام، و ليجد سليمة و قد غيرت اسمها لاسم مسيحي و على وشك الزواج من رجل اسباني... و لكنه و مع ثلة من المسلمين الذين بقوا يقاومون الإسبان، داهم القصر في حفل الزفاف و اختطفها و هرب بها، ليستيقظ الحب القديم... و يتعرف والدها على منصور الذي كان حسبه ميتا، و يطير من السعادة لاحقا بهما ليباركهما و لكن الاثنين يظنان أنهما ملاحقان لقتلهما فيقفزان من أعلى الصخرة... و تنتهي المسرحية...
المنصور مسرحية تراجيدية ألمانية من أوائل القرن التاسع عشر زمن الفترة الرومانسية الألمانية التي كانت متأثرة بالغرائبية الشرقية... من تأليف هاينرش هاينه الشاعر الألماني الشهير الذي كان مفتونا بحضارة المسلمين في الأندلس و بالشرق بشكل عام، كتبها و هو في الثانية و العشرين من عمره... لكنها لم تكن كأي مسرحية شرقية كتبت في تلك الفترة... إذ لم تكن فقط تستعير من الشرق بعض ملامحه لإضفاء تلك الغرائبية، بل كانت تحفة شرقية، حيث أنه كتبها بدقة تاريخية، و أضفى عليها من كيانه كله متأثرا بحضارة المسلمين حد التفجع و الحزن على تلك الحضارة و متعاطفا معهم ضد المسيحين الذين اعتبرهم المسؤولين عن تهديم تلك الحضارة و تعصبهم الذي أودى بالمسلمين المهالك... تأثره هذا برز في كلماته بوضوح شديد في كثير من المقاطع...
"عد أدراجك أيها المسلم، فالدين الأصيل قد غادر هذا البيت من زمان و ارتحل.
عد أدراجك يا منصور، فحبك الماضي قد طرد إلى الباب تحت هزء الهازئين...
يوم عدت إلى أرض الأندلس ... كان هناك مسجد يشمخ فاخرا بديعا. و لكن عوض هتاف المؤذن بأن: لا إله إلا الله محمد رسول الله. دوى من الصومعة قرع نواقيس يصم الأذن، و عند المدخل داهمني دافق جبار من عزف الأرغن، يتعالى وقعه و يموج، و كأنه قدر سحري يغلي متبخرا فوارا. و كأنما بأذرع مديدة جذبتني ... إلى الداخل و التوت حول صدري كالثعابين، و ضغطت على صدري و لدغتني و شعرت و كأن جبل قاف ناء على صدري ...
إنما هي المقدمة فحسب. هناك حيث تحرق الكتب، لا بد أن يحرق في النهاية البشر..."

"لا خشية عليكن أيتها السيدات الحسناوات. المسلم كيـّس الطباع و حتى في حالة الغضب فإنه يعامل السيدات معاملة الفارس الشهم."
قد نفذت إلي كلماته... و كأني أشهد وقائعها الحزينة... ذلك الرعب و الموت الذي تراه آتيا... ذكرتني بلحظات الفزع التي عشتها أنا أيضا في بلدي، لا أذاقنيها الله ثانية أبدا... مثل حين وصف سماعهم بدخول الإسبان غرناطة:
"شل الخبر الصاعق الألسن في كل حلق و أخرسها. جثم أبي في مكانه شاحبا بكما شاخص النظر، و قد ارتخى ذراعاه و ارتعشت رجلاه. و ما أن خر هامدا حتى علا زعيق النساء و العويل.... امح من ذاكرتي مشهد الرعب هذا."
 

و مشاعره الغاضبة و الناقمة و هو مصدوم من سليمة:
"و أنا أهوي مرعدا باللعن الرهيب، إلى أسفل و أسفل حتى قاع الجحيم، فترتعب الشياطين ذاتها و تمتقع، لهول لعني المتفجر و مظهري الجنوني...
اغربي! اغربي عني! ما زلت أحتفظ بلعنة لو أطلقتها لشحب وجه إبليس ذاته، و انكسفت الشمس من شدة الذعر، و زحف الأموات مرتجفين في قبورهم، و امتسخ البشر و الحيوان و النبت صخرا...
حب! يا لها من لفظة آسنة"

 

كانت كلماته مؤثرة على طول المسرحية، و كأن الكتاب يرعد و يزبد بين يديك لقوتها... حتى بهتت في النهاية التي بدت متعجلة و لم تعجبني أبدا...
هاينريش هاينه، كان يهوديا، و قد أوذي بسبب هذا في بلده، و لذلك حين قرأ عن حياة اليهود في ظل الحكم الإسلامي في الأندلس، شعر بحنين و باتت بالنسبة له كحلم طوباوي... المفارقة أني قبلها مباشرة كنت أشاهد تجسيد رواية الطبيب لمؤلفها اليهودي نوح جوردون التي تتحدث عن زمن ابن سينا، و هي تفيض عنصرية و إمعانا في إظهار توحش دين المسلمين مع اليهود... أين هذا من ذاك قبل حوالي قرنين من الزمان!
و لكون المسرحية متعاطفة مع المسلمين لهذه الدرجة و قد جرمت الطرف المسيحي بوضوح و صراحة على ما ارتكبه من فظائع، معتبرا استيلاء الإسبان على الأندلس حدثا مأساويا متسببا بانهيار للحضارة، و هذا أمر شاذ _حتى في عصرنا هذا_ فقد قوبلت بموجة من الغضب و الاستياء حينها، و لم تعرض إلا مرة واحدة عام 1823... و أغفل ذكرها، حتى أعيد إحياؤها في سبعينيات القرن المنصرم... ثم كان أن ترجمها منير الفندري هذه الترجمة الجميلة جدا... مع مقدمة غنية عرفت بالشاعر و أعماله...
 

قد أحببت هاينه و المسرحية، و نجح بجعل من لا تستشعر الكلام الشاعري تشعر...


أخيرا أختم بهذه الكلمات و المقطوعة الموسيقية... فهذا هو الشعور تماما كلما قرأ واحدنا أو شاهد أو استمع لشيء جميل، مع كل أخبار و مناظر المجازر و السحل و الظلم و الذل:
"موسيقى رائعة جميلة و الله. و لكن وا أسفاه!
أسمع وقع الدف و رنينه الحلو الجميل، فأحس كأن ألف حية تلدغ قلبي؛ أسمع نغمة الكمنجة تنساب هادئة رخوة، فأحس و كأن خنجرا يمزق صدري؛ أسمع نفخ المزامير يتعالى من خلالها، فأحس بصعقة برق ترعد كل كياني، و أسمع ضرب الطبل يدوي أصم الصدى، فأخاله وقع دبابيس تقرع رأسي.
أنا و هذه الدار، ما الذي يربط بيننا؟"

 

 

Démarche Voluptueuse Épris D'une Gazelle By L'Ensemble Aromates
 

 

--

المنصور: مسرحية أندلسية Almansor

لمؤلفها الألماني: هاينريش هاينه Heinrich Heine

ترجمة: منير الفندري

منشورات الجمل - دار كلمة

 

سلمى

أيار 2014



 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali