الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  رحلات فارتيما (الحاج يونس المصري)

 

 

رحلات فارتيما

(الحاج يونس المصري)

 

رحلات فارتيما الحاج يونس المصري

 

ارتحل لودفيغو دي فارتيما بتكليف من ملك البرتغال في بدايات القرن السادس عشر في رحلة طويلة، مر بها في مصر ثم دمشق ثم المدينة المنورة فمكة المكرمة، ثم اليمن و عمان ثم الهند حتى أنه يعتقد وصوله لاستراليا، ثم قفل راجعا مارا بإفريقيا و هكذا إلى أن عاد لبلاده بعد سبع سنين من الترحال...
المميز في هذه الرحلة عن سواها _كما قرأت في إحدى المقالات_ كون فارتيما أول مستشرق يصل مكة المكرمة حيث انطلق في عام 1503 من دمشق إليها... و ادعى كونه أحد المماليك المعتنقين للإسلام حتى يتمكن من الذهاب... و بذلك استطاع أن يرتحل في رحلة الحج و يصل لمكة و يصف الطريق و الرحلة كما يصف المدينة المنورة...
و نظرا لكون الرحلة قديمة قبل أن تنشط موجة الرحلات الاستشراقية فيما بعد و قبل ازدهار علم الاستشراق بالعموم و قبل ظهور النزعة الرومانسية الشرقية، حيث كانت مرحلة الجهل بالشرق هي السائدة حينها، فقد كنت متشوقة لقراءتها... و لذلك لم يكن مفاجئا وجود غمز و لمز و شتم و كراهية و جهل بعقائد المسلمين الوثنية كما كان يظنها، و إن كان يذكر أيضا بعض الخرافات التي كانت منتشرة حول هذه البلاد قبل زيارتها و كيف بددها الواقع حين رآه... و لكني أعترف بأني تفاجأت بأسلوبه الذي لم يخلُ من متعة في الوصف و استمتاع بالرحلة و إمتاع لقارئه، و لذلك تلقفت بنهم وصفه الجميل لبعض المدن التي مر بها حتى وددت أن أكون فيها... و سأنقل مقتطفات أعجبتني من وصفه لدمشق و مكة المكرمة...


"ليس من الممكن _حقيقة_ أن أصف جمال دمشق و امتيازها، تلك المدينة التي مكثت فيها بضعة أشهر لأتعلم اللغة العربية."
"و في دمشق، تجد وفرة هائلة في الغلال و اللحوم، و المنطقة كلها زاخرة بالفاكهة التي لم أر لها مثيلا من قبل خاصة العنب الطازج، المتوفر في كل المواسم. و سأذكر الفاكهة الطيبة و الفاكهة الرديئة التي تنمو هنا. فالرمان و السفرجل من الأنواع الطيبة، و اللوز و الزيتون ذو الحب الكبير في غاية الروعة. و تنمو هنا الورود الحمراء رائعة الجمال و التي لم يسبق أن رأيت لروعتها مثيلا و يوجد هنا أيضا تفاح و خوخ و كمثرى، إلا أن مذاقها سيء جدا، و يرجع ذلك إلى أن دمشق تكثر فيها المياه، فالقنوات تجري من خلال المدينة و غالب مساكنها بها نوافير جميلة من الفسيفساء، و المنازل الدمشقية قذرة من الخارج، إلا أنها جميلة جدا من الداخل، كما أنها مزينة بأعمال رائعة من المرمر و الرخام السماقي."
"إن النسوة في دمشق يجئن و يرحن و قد ارتدين أثوابا حريرية جميلة فوقها عباءات صوفية بيضاء رقيقة و لامعة كأنها حرير، كما أنهن جميعا يلبسن صنادل بيضا أو أحذية حمراء أو أرجوانية و يضعن حليا كثيرات حول رؤوسهن و معاصمهن و في آذانهن. و عندما تتزوج الواحدة منهن _و لا يكون ذلك إلا برغبتهن و مشيئتهن_ فإنها لا ترغب في البقاء مع زوجها مدة طويلة لذا فهي تذهب للقاضي طالبة الطلاق و بعد أن يتم لها ما تشاء تتزوج بعلا آخر، و يتزوج زوجها السابق بامرأة أخرى."


لا ننسى أن ما لفت نظره بالأمر هو كون الطلاق في تلك الفترة كان محرما في أوروبا...


"و في دمشق جبن طازج و طيب بوفرة، و إذا أردت أن تشتري حليبا فثمة أربعون أو خمسون من الماعز يمر بها راعيها عبر طرقات المدينة كل صباح ... و يقوم الراعي بإحضار بعض الماعز إلى غرفتك حتى و لو كنت تسكن في الطابق الثالث، ثم يقوم بحلبها في حضورك _وفقا للكمية التي تريدها_ في إناء معدني جميل."


و هذه الطريقة في بيع الحليب كانت حاضرة في دمشق حتى وقت قريب كما حدثتني أمي...


"سنتحدث الآن عن مكة ذات الشرف الباهر. ما هي؟ و ما وضعها؟ و من يحكمها؟ إنها مدينة رائعة الجمال قد أحسن بناؤها و تضم حوالي 6000 أسرة. و منازلها جيدة تماما، كمنازلنا (في إيطاليا). "
"ففي وسط مكة يوجد معبد جميل جدا يشبه الكولوزيوم في روما إلا أنه غير مبني بالحجارة الضخام، و إنما من طوب أحمر و له تسعون بابا أو مئة باب، ذوات أقواس و عند دخولنا ذلك المعبد انحدرنا عشر درجات أو اثنتي عشرة درجة، و حول هذا المدخل كان يجلس باعة يبيعون الجواهر و لا شيء غير الجواهر. و عندما ننزل الدرجات المذكورة تجد كل أنحاء هذا المسجد و كل شيء حتى الجدران مغطاة بالذهب. و تحت أقواس المجلس يجلس حوالي 4000 أو 5000 إنسان، رجالا و نساء، يبيعون مختلف أنواع المواد العطرية غالبها مساحيق لحفظ الأبدان و إنعاشها. لأن الوثنيين يأتون إلى هنا من مختلف أنحاء العالم. و الحق أقول لكم إنه من الصعب أن أصف لكم روعة هذه الروائح التي شممتها في هذا المعبد. إنها تظهر كرائحة مشبعة بالمسك زاخرة بأكثر العطور إنعاشا و إبهاجا. "
"و في باحة مكشوفة في وسط المعبد يوجد برج تبلغ أطوال كل من أضلاعه الأربعة ست خطوات. و قد غطى هذا المبنى بالحرير الأسود و به باب من الفضة الخالصة بارتفاع قامة الإنسان عن طريقه يمكن الدخول لهذا البرج و يوجد على كل جانبي هذا الباب جرة، يقولون إنها مليئة بالبلسم ... و عند كل من أركان الكعبة توجد حلقة كبيرة ... و على بعد عشر خطوات أو اثنتي عشرة خطوة من الكعبة يوجد برج آخر يشبه إحدى مصلاة كنائسنا أو كاتدرائياتنا. ذو ثلاثة أبواب أو أربعة داخله بئر رائعة ... و ماؤها مالح قليلا. و عند هذه البئر يقف ستة رجال أو ثمانية لسحب المياه للناس."

"و الحق أقول لكم، أنني لم أر أبدا تجمعا هائلا احتشد في مكان واحد، كما رأيت هنا خلال العشرين يوما التي مكثتها في هذا البلد."
 

صورة للحرم المكي من منتصف القرن السادس عشر و هي من كتاب ( فتوح الحرمين ) لـ محي الدين الكلشي

Leaf from Futuh al-Haramain Description of the Two Holy Cities of Mecca and Medina mid-16th century

صورة للحرم المكي من منتصف القرن السادس عشر و هي من كتاب ( فتوح الحرمين ) لـ محي الدين الكلشي

 

الرحلة طويلة و فيها الكثير من المغامرات و الأمور الغريبة العجيبة (ربما أغربها البلدة التي يذبحون فيها كبار السن و المرضى و يطبخونهم و يأكلونهم حتى لا يذهب لحمهم سدى على الدود في حال موتهم!! و لا أدري أهذا حقيقة أم كانوا يخيفون فارتيما و صحبه!!!)... و طبعا بعض الخزعبلات التي تنسب للعقيدة الإسلامية... و كثير من مبالغات المغامرين، حيث أنك تجد كيف يتساقط بسهولة آلاف من البدو أمام بضعة رجال منهم حين هجموا على قوافلهم... و كيف أن أسطولا عرمرما مؤلفا من مئتين و تسع من سفن المسلمين قد انهزم برمته و تدمر على أيدي إحدى عشرة سفينة برتغالية فقط! و مات ما يزيد عن ثلاثة آلاف و خمسمئة من المسلمين "الوثنيين" بينما لم يمت و لا برتغالي مسيحي واحد، و إنما جرح البعض فقط، بسبب شراسة المعركة طبعا! و لوهلة شعرت أني أمام جد فاندام و سلفستر ستالون، و أحضر فيلم أكشن حيث الرجل الأبيض ينتصر على آلاف الأشرار المتساقطين كالذباب و لا يصيبه خدش... طبعا و لا ننسى المغامرات العاطفية حيث بدا محببا للنساء كلما نزل ضيفا على تاجر ما، و بفصل تحت عنوان "شغف نساء العرب السعيدة بالرجال البيض" يحدثنا كيف أن أميرة عربية سوداء وقعت في غرامه و فتنت ببشرته البيضاء و راودته عن نفسه حين سافر زوجها الملك و هو استعصم...
 

الترجمة و التحقيق جيدين و لا تخلو من هوس طفيف لدى المترجم لتبيان بعض الأمور "الواضحة" من كونها جهل و إساءات من قبل لودفيكو... بيد أن الشكر له لأنه كان أمينا بترجمته لكل شيء بما فيها الشتائم... و لذلك لم أنزعج من ردوده في سياق الكلام و حواشيه... لأنه نقل كل شيء كما هو، ثم ليضف ما يشاء من ملاحظات...
 

أفكار كثيرة عبرت ذهني و أنا أقرأ مسار الرحلة... فلا تكاد تجد مدينتين و لا قبيلتين و لا تجمعين بشريين مهما صغرا إلا يقتتلان مع بعضهما _لا تدري لأجل ماذا حقيقة_ على طول مسار الرحلة... و كأن الحروب وسيلة التسلية بين البشر و تزجية الوقت... بل حتى في مكة حين أتى الحج كانت حربا ضروسا بين أخوين و ذلك لأن أربعة من الأمراء الأخوة كان يتنازعون حينها على حكمها...  ثم كم كان الارتحال سهلا و كانت أرض الله واسعة و مفتوحة قبل أن يأتي ذاك _عليه من الله ما يستحق_ الذي اخترع جواز السفر و الفيز و أضحت البلاد كسجون كبيرة... و كم شعرت بالغصة حين قرأت وصفه لخيرات دمشق و غوطتها بحيث يخيل أن لا يعرف الجوع أهل تلك البلاد، في وقت تعاني منه الآن دمشق و غوطتها من جوع و غلاء أنهك الناس فيهما... و أخيرا كلمة "بلاد العرب السعيدة" و هي اللازمة التي يستخدمها أبدا (و يقصد بها اليمن و عُمان)! و التي جعلتني أسخر بمرارة منها، حيث ألصقت كلمة السعادة بكلمة بلاد العرب في تنافر غريب... متسائلة في نفسي عن مصدر هذه التسمية الرافعة للضغط... أقول ربما هو شيء أشبه بتسمية الأجداد لللديغ بالسليم عسى و لعل... و ما لا وجود له في الواقع نرسمه بالكلمات...
 

 

--

رحلات فارتيما (الحاج يونس المصري)

لمؤلفه الإيطالي: لودفيكو دي فارتيما Ludovico Di Varthema

ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ

الهيئة المصرية العامة للكتاب



 

سلمى

آب 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali