|
معا

كاميل: رسامة لطيفة ذكية مثقفة نحيفة حد المرض منغلقة على نفسها غريبة
الطباع تعمل في شركة تنظيف هربا من موهبتها و ذاتها.
فليبيير: طيب محتشم شهم مثقف خجول أخرق متلعثم يتعثر في خياله، ينحدر من
أسرة نبيلة يعيش في ماضيها غير قادر على التكيف مع المجتمع، و بالتالي هو
يعيش على بيع البطاقات البريدية، في شقة أرستقراطية عتيقة تعود لجدته مع
كتبه الكثيرة.
فرانك: طباخ مجد في عمله مستهتر تافه سوقي انفعالي و لكنه يحب جدته.
بوليت: ثمانينية ظريفة عنيدة على أعتاب الإصابة بالخرف، و هي جدة فرانك.
جمعت الظروف هؤلاء الأربعة، ليعيشوا معا في شقة فليبيير... ليتحول التشاكس
و الاختلاف و العزلة و الانغلاق و العناد و الضياع فيما بينهم إلى صداقة و
تآلف و لطف جعل نفوسهم المنهكة و السقيمة و التائهة تشفى و تجد طريقها
أخيرا...
الرواية في البداية سحرتني، فقد كانت متماسكة و قوية حتى حسبتها رائعة من
الروائع، بل تصلح أن تكون رواية للاستشفاء... اللطف مع العمق و الظرف حتى
أني قهقهت ما بين عبارة و أخرى، و غمرت نفسي في الحنان و الدفء الذي ينبعث
منها... أسلوبها خفيف و عميق من ذاك السهل الممتنع... و رسمها للشخصيات في
غاية الإتقان و خاصة شخصية كاميل الفنانة المنعزلة، و فليبيير الطيب الأخرق
الذي يحفظ الكتب... و لكن ابتداء من المنتصف لم يعد شعوري نحو الرواية
كالبداية... و كأن المؤلفة استعجلت الإنهاء، فلم يكن بمثل العمق و البطء
الذي سارت فيه في البداية، بل صار متعجلا و مسطحا و انتهت لتصير رواية
عادية و لكنها لطيفة، أشبه بروايات جين أوستين... و لا أنكر أنه انضاف لذلك
شعور بالامتعاض من الطريقة التي جرت بها الأحداث بعد ذلك، إذ مذ أحب الطباخ
فرانك كاميل و تقرب منها و هي مالت إليه و تراجع فليبيير الطيب الأخرق
_الذي لا تملك إلا أن تحبه_ عن مشهد الأحداث، و لم تعد المؤلفة تتحدث عنه
كما في البداية بقدر حديثها عن فرانك الطباخ المزعج التافه الذي لم أحبه
أبدا... مما جعلني أشعر بالجكر الشديد حتى وددت لو أني دخلت في الرواية و
شددت شعر هذا الفرانك و قفزت على قدمه...

رواية معا رواية فرنسية، كتبتها مؤلفتها عام 2004 و نالت بها شهرة كبيرة،
ثم تحولت الرواية إلى فيلم فرنسي عام 2007، و كنت متحمسة لمشاهدته و خاصة
أنه بطوله أودري تاتو Audrey Tautou بطلة فيلم إميلي

و لكن الفيلم كان خيبة أمل كبيرة، فالقصة فيه بدت سطحية و شخصية كاميل
عادية و بليدة و غاب كل ذاك العمق و التفرد الذي اتسمت به في الرواية. حتى
فليبيير لم يبد بتلك الطيبة و السذاجة كما في الرواية... و أحسب لو أن شخصا
شاهد الفيلم من دون قراءة الرواية سيتساءل فيما لو كان لهذا الفيلم قصة
أصلا. وحدها بوليت العجوز الثمانينية كان دورها ناجحا، العجوز الظريفة
بنظراتها المندهشة الوجلة، و أيضا للأمانة كان في الفيلم قطة سمينة جدا
أحببتها، و إن كانت بالكاد ظهرت للأسف.
و بغض النظر عن امتعاضي، فالرواية رائقة و جميلة، تحتفي بالصداقة و الحنان
و تبعث في نفسك الدفء، مسلطة الضوء على الخير في كثير من النفوس حتى لو كان
مدفونا تحت ركام التشوهات بسبب الواقع... كما أنها مليئة بالحوارات الذكية
و خاصة فيما يتعلق بالمثقفين الطيبين المتوارين عن الأنظار، و الحوارات
الداخلية للمرأة الموهوبة غريبة الأطوار...
·
"أحيانا تكون شتيمة مناسبة أجدى من خطاب طويل"
·
"كلما كانوا أقل موهبة كلما كانوا أكثر صخبا"
·
"إذا كان المرء مثقفا فهذا يعني أنه يريد أن يتعلم و أن يكون فضوليا و
يقظا، يريد أن تدهشه الأشياء و أن تثير مشاعره، و أن يحاول فهم كيفية تماسك
كل ما حوله و يسعى لأن ينام و قد أصبح أقل غباء من الأمس"
·
"أنت مليئة بالعقد... ليس لديك ما هو جميل سوى رسوماتك... أنت منكمشة على
نفسك تماما... أتدرين ما الذي يجب فعله؟ يجب إفراغ رأسك كما تفرع أحشاء
الدجاجة و إخراج كل القذارة المتراكمة فيه دفعة واحدة، سيكون رجلا قويا من
ينجح في فك عقدك... و ليس من المؤكد أنه موجود... يقول لي فيلو أنك ترسمين
جيدا لأنك هكذا، سحقا إذا، إنه لثمن غال..."
و بسبب الرواية بدأت تتشكل داخلي ملاحظة صغيرة تجاه الروايات الفرنسية
المعاصرة، و لا أدري مدى صحة أو دقة هذه الملاحظة لأنها تشكلت من ثلاث أو
أربع روايات فرنسية قرأتها، _إن اعتبرنا رواية داي سيجي (بلزاك و الخياطة
الصينية) رواية فرنسية_ ملاحظة وجود النزعة التالية فيها: أنه رغم بشاعة
الظروف و قسوة الحياة إلا أنه دائما هناك خير و لطف في زاوية ما يجعلك
قادرا على الاستمرار، و هؤلاء الكتاب يحاولون القبض على هذا الخير و
يبرزونه... و كأنه تيار يضاد جدهم كامو في عبثيته و سوداويته... كما أنها
تختلف في واقعيتها عن روايات أمريكا اللاتينية بواقعيتها الساحرة _الشمطاء_
التي لم أستسغها... فها هنا أيضا رواية واقعية، و لكن الواقع ليس صورة
واحدة، إنما كما قلت مرة أن العبرة بالعينين اللتين تريان هذا الواقع...
كما أنها رواية نسائية _إن سلمت جدلا بوجود هكذا تسمية_ ليس فيها ذاك
النواح و الندب و الثقل الذي يجعلك تكره وجودك و تفكر برمي نفسك من النافذة
كما في كثير من الروايات العربية "النسائية"... رغم سقم و تشوه
المجتمع الفرنسي كما بإمكانك أن تستشف...
و إنما هي مجرد ملاحظة شخصية و أولية و غير مثبتة، ستجعلني أرغب في الاطلاع
على المزيد من الروايات الفرنسية لمؤلفين معاصرين...
و أخيرا... نعم، لا شيء مثل الصداقة الحقيقية يجعل المرء يتحمل هذه الحياة
رغم كل الشرور و القبح محافظا على سلامته العقلية و توازنه النفسي و روحه
حية...
ملاحظة1: الغلاف جميل
ملاحظة2:
الرواية مرتفعة الثمن... لماذا؟ هذا أمر لا يعجبني بتاتا البتة.

--
معا:
Ensemble, c'est tout
لمؤلفتها
الفرنسية: آنا غافالدا Anna Gavalda
ترجمة حسين
عمر
المركز
الثقافي العربي
سلمى
كانون الأول
2013
|