الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  الرازي و أنا في الجزء التاسع

 

 

الرازي و أنا في الجزء التاسع

من التفسير الكبير للرازي

 

 

الجزء التاسع:
آل عمران من 130 إلى الآخر – سورة النساء من ا إلى 16


كم كان لتفكير المعتزلة حضور في الساحة الثقافية آنذاك... و لا أنكر أني أحيانا بت أشعر بأن بعض الملالة البسيطة تسربت لنفسي حين يعيد الرازي نفس الجدال مع المعتزلة في نفس المسائل... بحيث تقريبا لا تكاد تخلو آية يفسرها من دون ذكر رأي لهم ثم الرد عليه... و لكنه في أثناء ذلك و في كثير من الأحيان يدخل نفسه في مسائل هو نفسه لا يعرف كيف يخرج منها... و ينطبق عليه هذه الجملة التي قرأتها لطه عبد الرحمن: لما كان المنطق قد اقترن بالخوض في القضايا الكلامية بطريقة ظلت متمسكة بالتجريد النظري، وإن بنيت على التسليم بمقدمات عقدية، فإنه صار إلى الاشتغال بما ليس جزءاً من موضوعه، مستعملاً فيه طريقة لا توافقه؛ مما أدى به إلى تقرير دعاوى كلامية في أسرار الألوهية تعلقت بالذات الإلهية وصفاتها وأفعالها، وتطاولت على الفصل في المتشابهات المنهي عن تأويلها، فجاءت مشتملة على أحكام واقعة، إما في التمثيل الذي يرفع التنزيه، أو في التأويل الذي يرفع التسليم، أو في التعطيل الذي يرفع التعظيم. وواضح أن هذه الدعاوى تخالف قاعدة الائتمار التأصيلية التي تقضي بالانشغال بأوصاف العبودية وبترك الخوض في أوصاف الربوبية، هذه الأوصاف التي لايدركها العقل ولا توفي بها العبارة. "
 

فكثرة خوضه رحمه الله في القضايا الكلامية مع المعتزلة جعلته يدخل في مسائل غريبة عجيبة...و أود لو أقول له في بعض الأماكن، أن حنانيك، لا ترهق خلايا دماغك في تصور مشكلة كلامية ثم توهم إيجاد جواب يجعل الإشكالات تتقافز منها مضاعفة، و جوابك يمكن تفنيده ثم تفنيد تفنيده فتفنيد تفنيد تفنيده و هكذا إلى المالانهاية...
و لكن هل أستطيع إنكار أن أسلوبه هذا متعة فكرية خالصة و هو ما يجذبني للمواصلة... إذ لدي جانب يحب الفذلكة الكلامية، و أحب أن يعلق دماغي في متاهة فكرية ظريفة و يدور حول ذاته، و هذا التفسير يشبع هذا الميل بالطريقة الأسمى...
و للأمانة يعني لا أظن أحدا سيقرأ جدالاته في هذا التفسير لأجل أن يتيقن بعد شك، بل في أحيان كثيرة أشعر أن الرازي كان بحاجة كتابة هذا التفسير لأجل نفسه، فهو إنما كتب لأجل أن يسكت أصوات رأسه و الشكوك التي تثيرها نفسه و ليس أي أحد آخر... فإن كنت شخصا لديه شكوك _و التي هي شكوك حديثة بطبيعة الحال_ فهذا التفسير لا يناسبك، لأنه سيزيد شكوكك الحداثية بشكوك قديمة و ما بتعرف شو بدها...

ثم إنه بعد أن يكون جهد في تفنيد مسألة ما من كل جهاتها و بأدق تفاصيلها بحيث كأنه يحكم سد كل الثغور و الثقوب فيها، و تشعر و كأنه لتوه قد خرج من معركة ذهنية طاحنة و أخيرا واضعا النقطة الأخيرة لهذه المسألة بعد أن شفى غليله منها، و حين يريد أن يهم بمسألة بعدها، أود لو أشاكسه و أقول له: و لكن يا سيدي ألا تعتقد أنه يمكن لشخص أن يفند هذه الجزئية بكيت و كيت... فأتخيل أنه يعاود مرة أخرى الرجوع للمسألة و محاولة التفنيد...  و لكن من حسن الحظ أني لم أكن هناك، و إلا لكان علق في مسألة ما و لم ينته من تفسيره هذا بسبب مشاكساتي...
بيد أن عدم وجودي هناك أيضا _مدري لسوء الحظ أو لحسنه_ و عدم معرفته بي قد جعل آراءه عن النساء سلبية للغاية، و بما أن سورة النساء ابتدأت في هذا الجزء، فكانت مناسبة جيدة بتذكيري بآرائه _و إن ما كنت لأنساها_، ثم إنه ليس في نيتي أن أتحدث عن الموضوع حاليا، سأؤجل ذلك حين الانتهاء من سورة النساء إن شاء الله... فضلا عن أني و للحقيقة لم تعد آراؤه الدونية لهن _و لا الأقدمين بشكل عام_ تشعرني بالانزعاج كثيرا و إنما بالطرافة، فإنما هي ثقافة العصر، و حتى النساء لم يكن يرين من إشكالية في هذه النظرة لأنفسهن و لا يرين دونية في ذلك، فلماذا أكون ملكية أكثر من الملك! و لذلك أنى لشخص أن يفكر في إشكاليات فيما وراء عصره و يرجم بالغيب... كل الصراعات الفكرية الطاحنة وقتها من كافة التيارات لم تكن لإشكاليات المرأة فيها حضور و لم يثر أحد جدلا في هذا السياق... فإن كانت جميع العقول حينها على تجاذباتها و معاركها لم تفكر بالموضوع فكيف أحاسبه على ما لم يكن له وجود في تصوره، و الحكم عن الشيء فرع عن تصوره...
بأية حال في مسألة المرأة فإن أهم ما يعنيني في هذا المجال هو العصر النبوي، فالتشريع كان فيه، و هو العصر الذي يمكننا أن نقرأ منه و نقيس عليه و ليس عصور لاحقة أتت فيما بعد كان لتأثيرات البيئة و تبدلاتها دور كبير في التغيرات الاجتماعية...
 

بعض الاقتباسات التي استوقفتني:
"الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة، فإذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل، وقوله عليه الصلاة والسلام:من عرف نفسه عرف ربه، معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء."


أحببت الجملة كثيرا و إن كان الحصر الأولي لي عليه كلام و يمكن إبراز إشكاليات منه... و لكني ببساطة أحببتها...


و عبارة أخرى:
والحكماء يقولون: إن النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية والحقيقة، فبعضها ذكية وبعضها بليدة، وبعضها مشرقة نورانية، وبعضها كدرة ظلمانية، وبعضها خيرة، وبعضها نذلة، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الأمزجة البدنية، بل لاختلاف ماهيات النفوس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" وقال "الأرواح جنود مجندة" .
 

و حتى لا تميل الكفة في ذكري لما تقدم نحو جانب واحد، و يظن من لم يتابع حديثي سابقا أن المسائل الكلامية هي فقط ما يحتويه التفسير... فأذكر أن التفسير شامل و قيم، فهو يهتم كثيرا بالمسائل اللغوية و القراءات و أقوال الصحابة و التابعين و اختيارات الفقهاء و كيفية استدلال كل فريق من النصوص و المسائل الأصولية و بعض المعلومات الجانبية العلمية و أيضا الكثير من التزكية و الإشراقات الروحية و اللفتات الفكرية و الدقائق التي لا يراها إلا عارف...


و إن تساءل أحدكم أن هذا الجزء التاسع، فأين الحديث عما سبق من أجزاء... فسأقول له إن شاء الله يوما ما حين أصير مجدة كثيرا و ظريفة جدا و جميلة كثيرا و جدا سأتحدث عن الأجزاء السابقة المتراكمة، لا بل عن كل الكتب الأخرى التي أتكاسل وضع قراءاتها، و سأنجز أطنان الأعمال التي أسوفها منذ ولادتي و حتى الآن... لكن يعني ليس اليوم...
 



 

سلمى

30 حزيران 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali