الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  حين قرأت نادجا!

 

 

حين قرأت نادجا!

 

نادجا    أندريه بريتون

 

قبل عدة ليال، استيقظت فجأة في الثانية ليلا و فكرة عجيبة تلح على ذهني بقوة و تصرخ أنه ينبغي علي أن أقرأ نادجا...
في صباح اليوم التالي تذكرت ذاك الإلحاح العجيب المفاجئ في منتصف الليل لقراءة كتاب لم يعبر بالي من سنوات... شعرت بالغرابة، و قلت ربما ينبغي لي قراءته، لأرى ما القصة...
الكتاب كنت قرأت عنه عدة أسطر قبل أعوام، كعشرات من الكتب التي أقرأ عنها يوميا مضيفة بعضها لمكتبتي الالكترونية، و لم يبق في بالي سوى أنه عن امرأة غريبة الأطوار... و حقيقة لم تكن لي رغبة بقراءة كتاب خمنت حسب موضوعه أن مساحة الذاتية فيه ستكون متسعة و صوت الأنا و الجنون المبدع مرتفع، إذ هذه رفاهية لست قادرة على تقبلها و سماعها حاليا في ظل تماهيّ مع الوضع العام... و مع ذلك فأن يلح في رأسي بهذه الطريقة الغريبة اللامعتادة سبب كاف لقراءته...
أندريه بريتون شاعر و كاتب فرنسي سريالي، يعتبر المنظّر الأول للحركة السريالية، التقى ذات مرة بامرأة غريبة الأطوار رأى فيها تجسيدا فطريا للسريالية اسمها نادجا و هو ليس اسمها و لكنها اختارته لأنه بداية لكلمة الأمل بالروسية... و قرر تأليف هذا الكتاب عنها عام 1928 و نقحه عام 1964... فإن كان أحد آباء السرياليين قد فتنته امرأة بغرابتها و غموضها و سحر شخصيتها بتلك الطريقة الملهمة، و ابتدأ كتابه الذي لا تدري بم تسميه _أرواية أم سيرة ذاتية أم مجرد هكذا_ بعبارة (من أنا؟)... فبإمكانك تخمين أي نوع من رحلة في عوالم نفسية فريدة و بعيدة عن أي شيء قد ألفته ستعيشه مع الكتاب، في حال كنت مثلي _كما أعرفني سابقا قبل أن أتغير_ ممن يهيمون بالأشياء المختلفة هذا النوع من الاختلاف الداخلي... أضف إلى هذا سببا لا يقل سريالية عن الكتاب دفعني لقراءته...
ابتدأت رحلتي مع الكتاب، و كنت في أثناء قراءتي أحاول البحث بين جمله عما يمكن أن يكون مفسرا لما ألح في رأسي و أتى يستصرخني ليلا لأجل قراءته... و لكن قد بدت المهمة عسيرة... كل جملة يمكن أن تكون هي و يمكن أن لا تكون...
فهل هذه الجملة مثلا:
(إني فوق كل الميول التي أعهدها لديّ، و الصلات الروحية التي ألمسها فيّ و الانجذابات التي تسبيني و الأحداث التي تقع لي و لا تقع إلا لي، و فوق الجمّ من الحركات التي أراني أقوم بها و الانفعالات التي أختص بالشعور بها وحدي، أسعى، مقارنة بسائر الناس، إلى معرفة كنه، إن لم يكن سبب، مغايرتي. أليس على قدر ما أدرك هذه المغايرة بدقة أكشف لنفسي ماذا، بين جميع الآخرين، جئت أصنع في هذه الدنيا و أي رسالة فريدة أحمل كيلا أستطيع أن أضمن مصيرها إلا بحياتي؟)
ممم... ربما سلمى القديمة كانت أحبت هذا الكلام، تلك التي كانت تتوهم أن تكون فريدا يعني شيئا ما... و لكن سلمى الحالية لا تشعر بأهمية مثل هذا الحديث... بل تشعر به كشيء كريه... فما معنى أن تتحدث عن ذاتك و تبجل تفردها بينما هناك من يضحون بذواتهم حقيقة بصمت من دون أن يعلم بهم أحد إلا خالقهم... أيهم أعظم و خير مكانا! و لكن هكذا هو حال الثرثارين الكاتبين، فهم مبتلون بأنا متضخمة مثل القلب المتضخم أو الكبد المتضخم، داء عضال على المرء أن يحيا مع نتائجه...


أم تراها هذه الجملة:
(أذهب دائما تقريبا دون هدف محدد، دون شيء مؤكد سوى ذلك اليقين المبهم بأنه هناك سيحدث "ذلك")
كنت في ما مضى كثيرا ما أسير هكذا لأجل أن ألتقي بـ"ذلك" المبهم المفاجئ... لكن لم أعد أشتهي شيئا كهذا، اللهم إلا أن يكون "ذلك" هدوءا يحيط بهذا العالم المجنون و جبرا لقلوب المحزونين المظلومين... هل يمكن لـ "ذلك" أن يكون كذلك؟ يا رب...
 

أوَيمكن أن تكون هذه القصيدة مثلا:
بيت قلبي مهيأ
و لا يفتح إلا للمستقبل
بما أن لا شيء آسف عليه
يا زوجي الجميل يمكنك المجيء
(وفي صيغة ثانية: أيها الحب الجديد يمكنك المجيء.)

ممكن... لولا أني لم أعهدني في حياتي كلها أن كنت منفتحة و مستعدة و مشرئبة هكذا...
 

و هكذا كثير من الاقتباسات التي كانت تستوقفني فأقلّبها فلا أجد شيئا فيها...
هل كان إذن شبح نادجا هو من همس لي في الليل لأتحدث عنها، بعد أن كنت قرأت قبل ليلة مدونة من اللواتي ينتشرن هذه الأيام تبجل الروح المتفردة لفتاة ما، أن يا سلمى تحدثني عني أنا الجدة الأولى لهذه الطريقة في الكتابة، فكتاب بريتون أشبه بمدونة:
(اعتبرتُ نادجا روحا حرة، مثيلة إحدى جنيات الفضاء اللاتي تمكن بعض الممارسات السحرية من استلحاقهن وقتيا لكن يستحيل استخضاعهم)
(كنت عجزت من زمن عن التفاهم مع نادجا. و الصحيح إننا لم نتفاهم قط، ربما، على طريقة تصور الحياة البسيطة. فقد اختارت نهائيا أن لا تعيرها أهمية، أن لا تكترث للوقت، أن لا تقيم فارقا بين الهذر الذي يقع لها أن تقوله و بين الكلام الآخر الذي كان يشوقني جدا)
(كان محالا أن تصبح طبيعية. كم من مرة، و قد أبرمني حالها، قنطت من إعادتها إلى إدراك)
(والجوهري هو أني لا أظن، في ما يخص نادجا، وجود اختلاف كبير بين داخل و خارج مصحة. على أن هناك و لا بد، و للأسف، اختلافا بسبب الصرير المزعج لمفتاح يدار في قفل، و منظر الحديقة المزري و صفاقة متولي الاستجواب الذين ما كانوا ليُقبلون كماسحي أحذية، مثل البروفسور كلود في مصحة سانت-آن)

 

هذه بعض صفات نادجا كما وردت، و لم تبد لي غريبة الأطوار كثيرا، ربما لكثرة نادجاوات عصرنا الممجدات لغرابتهن حد السأم و انتشار هذا النوع من الكلام... لذلك بدت لي مألوفة أكثر من كثير من النساء اللواتي ما بتعرف شو بدها...

و هذه صورتها كما يـُعتقد:

نادجا

Léona Delcourt (Nadja), 1920s
 

على أنه للأمانة و كعادة الكتاب و الشعراء، فإن وجود ملهماتهن بالكاد يظهر بين الأسطر بشكل متفرد بعيدا عن أنا مؤلفيهم... فالكتاب لم يكن يتحدث عنها، بل عن بيرتون نفسه و مشاعره و رؤياه... و كل ذلك الكلام الفضائي و الشاعري عن مدى انجذابه لهذه الغريبة، و شعوره المختلط الذي لا يدري كنهه، و كلام عميق و صعب، و الجمال بوصفه منبعثا و جامدا، عن الحب و الخ الخ من هراء الشعراء، يتهشم داخلك حين تعلم أن نادجا دخلت مصحا نفسيا حكوميا و بقيت فيه سنوات حتى ماتت و لم يكلف خاطره ليخرجها أو يزورها أو حتى يفعل أي شيء لأجلها... فهي لم تكن أكثر من شيء ملهم و عابر، مثل الضفدع التي ألهمت كاتب قصة الأميرة و الضفدع...

و افرحي يا نادجا التي تعفنتِ في مصحك النفسي، فبريتون كتب عنك كتابا خالدا! ألا تبا!
 

أهو قدر مكتوب على الغريبات و المتفردات، أن يكن فترينات للعرض و الإعجاب... و لكن لا أحد مستعد أن يبذل ثمن كلفة الحصول عليهن و احتاوئهن! هل أبالغ، أم أن هذا هو واقع الحال؟ فالمعجب الذي قد تأسره أمثال نادجا و تسبي قلبه، سيكتفي بمجرد الذهول و الافتتان، ثم يرتد لواقعه و ما لا يكلفه كثيرا من الناحية النفسية، فيتزوج امرأة عادية تصدعه بتفاصيل سقيمة... و نادجاه تبقى في ذهنه يندبها و يحلم بها سرا و هو يهز رأسه مستمعا لزوجته...


على كل لماذا أصدع رأسي، فنادجا هي من كانت طلبت من بريتون الكتابة عنها... و الحق أقول ما كان يجذبني يوما دور ملهمات الشعراء و الكتّاب، و لا هو شيء أتمناه... إذ يبدو لي من الابتذال أن أكون كشيء وسيط، كمحرك لكلمات أحد سواي، كمعنى يدور في فلك آخر... إنما أحب أن تصدر مني المعاني ابتداء، أن أصيدها أنا من عالم التجريد و ألزِمها في كلمات مبينات خالدات... نعم هذا ما أتمناه في الأوقات الأخرى التي لا أتمنى فيها لو أني مت و كنت نسيا منسيا... إذ حتى الأمنيات ليس لها قرار...


أما أسلوب الكتاب فهو غائم و الجمل فيها شيء غير موزون، و كدت أقول ألا إنها لنفحات السريالية، لولا شكي من كون الترجمة هي السريالية... تلك الترجمة التي أكرهها و التي تبقي مبنى الجملة الفرنسي بكلمات عربية، ترجمة ميكانيكية من دون إحساس و لا سلاسة... و طوال الوقت أسأل نفسي، هل الاسم يترجم بـ نادجا أم ناديا؟ لأكتشف أن الكتاب قد نشر بترجمة أخرى حديثا من منشورات دار الجمل...
 

ممم حسنا، و بعد كل هذا، هل عرفت لماذا قرأت نادجا بالذات؟

لا أدري... ربما فقط أنه مقدر لي أن أقرأ الكتاب في هذا الوقت، و لأني أتبع حاليا خطة قرائية جافة و صارمة و خالية من الأحلام الفضائية اللذيذة متناسبة مع شعوري الموحش الآني تجاه الحياة، فلم يكن من وسيلة لدفعي لنصيبي إلا بهذه الطريقة... نعم لطالما آمنت أن قراءة الكتب مثل الرزق، سيأتيك رغم كل شيء... و هناك كتب مقدر لك أن تقرأها فستقرأها، حتى لو جررت من شوشتك لتفعل... لا أدري لماذا ذكرتني هذه الواقعة بقصة موت روز اليوسف التي حُفرت في ذهني مذ سمعتها... فهي في منتصف مشاهدتها لفيلم في السينما، فجأة أحست بشيء ما، فهبت مسرعة و أخذت سيارة أجرة و لم تنتظر من كان مرافقا معها ليوصلها، لتأتي منزلها فسريرها لتستلقي فيه و تموت... هذا ما يفعله القدر، يجعلك تأتيه من تلقاء نفسك حتى لو فجأة و بطريقة غريبة...
 

و في النهاية أختم بشيء أشعر أنه يتوجب علي أن أختم به كل هذا الكلام عن نادجا... لا أدري لماذا و لكن يعني هذا ما أشعر به... ربما لأنه يمثل شيئا أحبه... فلسفتي في جانب ما في هذا السياق... و يمكنني أن أسرق بعض اللحظات لتتضخم عبرها مساحتي الذاتية و أحلق معها...

انها ماروكو و هي ترقص مع الأرانب و القطط بـ أو دا دا... 


 

Chibi Maruko-chan

 

 

ملاحظة: صورة الغلاف مأخوذة من أحد رسومات الكتاب

 

 

--

نادجا Nadja

لمؤلفه الفرنسي: أندريه بروتون Andre Breton

ترجمة: صلاح الدين برمدا

وزارة الثقافة السورية



 

سلمى

حزيران 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali