الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  فضول القطة و سيرة مبارك مع بنت الحان!

 

 

فضول القطة و سيرة مبارك مع بنت الحان!

 

الوهم في سيرة مبارك بن ريحان مع محبوبته بنت الحان

 

خرج مبارك ذات يوم يتمشى فسمع صوت فتاة تبكي و تتنهد و تلقي شعرا، و حين اقترب منها وجدها قد أغمي عليها، فوقع في غرامها و تدله من فوره و كاد قلبه يتوقف من شدة الوجد. ثم أنقذ تلك الفتاة من الحفرة، حسنا، لم أكن ذكرت أنها في حفرة و لكن هل أخبر المؤلف بذلك إلا بعد عدد طويل من الصفحات! فلذوهله بجمالها لم نعلم ما مشكلة هذه المخلوقة، على كل دعونا من التدقيق في التفاصيل فهي آخر ما يهم في هذه الحكاية... المهم أنه أنقذها و كفى ليصير فارسا شهما تلقي أشعارا بشجاعته و تأخذ بمجامع قلبه أكثر و أكثر...
ثم أخذت تبكي و تندب قومها الذين لم ينتبهوا لوقوعها، و هو يذوب كمدا لحزن فتاة أحلامه...
"فلا أختار لي زوجة سواها بين النساء و لو كانت بحسنها و جمالها عبلة أو ليلى أو عنيزة أو دعدا أو عفراء و بغناها ماء السماء و بشرفها فاطمة الزهراء و ببصرها الزرقاء و بشعرها الخنساء لما رأيت فيها من الألفاظ الرقاق، و المعاني الدقاق، و الجمال و الكمال، فتعلقت بها الآمال."
هذه الحورية كان اسمها بنت الحان و لها من العمر تسع من الأعوام! أي نعم كل هذا الوصف لبنت في التاسعة من عمرها... فلمن عشق و تدله في خمس دقائق فمن المنطقي أن يكون عمر محبوبته تسع سنوات... ثم عاد معها لأبويه و قد وجدهما يتفجعان و يبكيان الأشعار التي تقطع نياط القلب على فرقاه و اليأس من لقياه... لأنه و على حد تبرير المؤلف في الحاشية يبدو أن أبويه لم يعتادا على غيابه كل هذه المدة الطويلة، فقد غاب منذ الصبااااااااح حتى المساااااااء، و لم يقطع غيابه الطويل و المرير القاسي هذا إلا دقائق معدودة عاد فيها للمنزل على عجالة لإحضار طعام لبنت الحان و لكن يبدو أن أمه لم تنتبه لذلك كما أخبرنا المؤلف بهذا مشكورا! و هكذا أتى بها منزله و هو يتغنى و إياها بأشعار الهيام و الأشواق، ومكثت مع أسرته حتى أتى أهلها و أخذوها... ثم بقي عاما كاملا يراسلها و قد كاد الكلف يذهب بلبه، و الشوق بروحها... و ما أكثر البكاء و الشهقات و الغشيان و النواح على طول الحكاية... و ذات يوم لمع في ذهنه خاطر رهيب، أو ربما أحدهم اقترحه عليه _ قد ذهلت عن هذه التفاصيل لعبقرية الفكرة، فمعذرة_ أن لماذا لا يزورها في ديارها، فقد فاته طوال تلك المدة أن يفعل! فذهب لديار الحبيبة المشتاقة و طلبها من أهلها و تزوجها... و هكذا انتهت هذه المغامرة فاقعة المرارة...
نعم الحكاية هي هكذا و فقط، مجرد اختلاق أحداث ساذجة لا معنى لها لدلق الكثير من المشاعر الجياشة المتكلفة في أشعار مبتذلة، الغرض منها استعراض للمهارات اللغوية و الأمثال العربية... حتى السجع الذي أحبه عادة و أثمنه شعرت به ثقيل الدم... مع أني ما فتحتها إلا لتسلية نفسي محاولة تبديد ثقل وجودي شعرت به يكتم على أنفاسي فزادت الثقل ثقلا و كادت تخنقني... 
كتاب (الوهم في سيرة مبارك بن ريحان مع محبوبته بنت الحان) من القرن التاسع عشر، من تلك المخطوطات التي كانت تصورها غوغل و تتيحها للقراء، قبل أن توقف مشروعها و تحرم قراءها، كتبه شاكر شقير عام 1870 م، و هي فترة تجذبني قراءة ما كتب فيها... و بدايته بدت لي واعدة:
"أما بعد فهذه قصه لطيفة، و بأسلوبها ظريفة، على منوال جميل ابتدعتها، و من العدم اخترعتها، و نسبتها إلى مبارك بن ريحان، مع محبوبته بنت الحان، و سميتها الوهم، لأن ليس للحقيقة فيها سهم."
و لكن النتيجة كانت كالفحم...

و بعد إنهائها ذكر العبارة التالية: "و أنا التمس من أولي النهى و الكمال، أن يسبلوا ذيل المعذرة عما فيها من التقصير و الإخلال، فإن خير الناس من عذر، و لا كمال إلا لذي القدرة و القدَر".
فصار ضميري يؤنبني، و قلت في نفسي لربما هي مقرر مدرسي و الغرض من الحكاية تبيان أنواع البلاغة و الأمثال العربية و القواعد النحوية للطلاب بهذه القصة الطفولية، و إلا ما يبرر كل هذه الشروح في الحاشية لكلمات من البديهيات و فوازير بالنحويات؟ أو ربما مؤلفها شاب يافع في بداية مشواره الأدبي، سعيد بقدرته على توليف الأشعار... فلا تكوني قاسية و تكتبي شعورك المتوحش فيها...
ثم إنه ذكر مجموعة من الأدباء و الشعراء الذين بهروا بها و كتبوا أشعارا و تقاريظ نقلها لنا... من أمثال: "قال جناب العالم الأديب، و الفاضل الشاعر الأريب، فريد العصر و نتيجة الدهر قطب البلاغة و البراعة، الشيخ إبراهيم الأحدب: إني وقفت على فرائد نظمت
بيد النهى كقلائد العقيان
أبدت معانيها بدائع أخجلت
جيد الفتاة جلا عقود جمان
لمبارك نجل الفتى ريحان قد
أبدت حديثا طاب كالريحان
و قال جناب العالم العلامة فريد عقد الدهور، الشاعر اللغوي النحوي المشهور، الشيخ ناصيف اليازجي:
هذا كتاب قد حوى
ريحان أنس للخواطر
فاقرأ و طب نفسا به
يا صاح و اشكر فضل شاكر

و استمرت الأسماء الفخمة و الألقاب العجائبية و التقاريظ و أبيات المديح لفريدة الدهر و نادرة البدائع هذه عدة صفحات... و انتهت بقوله أن هناك المزيد و لكن لم يعد هناك محل لوضعها... مما أدى إلى ارتفاع ضغطي و خنق ضميري و إطلاق شياطيني... و قررت كتابة ما شعرت به حقيقة و لا أعذر و أتلطف، علـّي أسوي قليلا تلك الكفة المائلة و لو بعد عقود... و لو أنهم أنصفوا و عدلوا في كلامهم، لعذرت...


من عادتي انتقاء كتبي بعناية، و الحرص ألا اقرأ إلا ما يغلب على ظني أنه سيعجبني، فالعمر قصير و هناك آلاف من الكتب الرائعة تنتظرني بفارغ الصبر لتصادقني و أصادقها و خاصة أني سلحفائية في القراءة... لكنها تلك العادة الفضولية ما ورطني، و قديما قالوا أن الفضول قتل القطة!

 


قد تكرر الأمر معي أكثر من مرة... يحدث أن أجد كتابا غريبا و عتيقا و لا معلومات تفصح عنه، فأتساءل يا ترى ما يمكن أن يكون فيه؟ و يشطح خيالي فيصل بي إلى أني عثرت على كنز سحري و مدفون مثل مصباح علاء الدين... و سأكون أول من يفض مغاليقه و يكشف أسراره، و أحيانا يكون ما عثرت عليه أشياء ظريفة و غريبة فعلا، و أحيانا ما دون ذلك طبعا... و هذه من أحيان "ما دون ذلك"، فما حصل أني ما إن مسحت عن الكتاب غبار سنينه و بدل أن يخرج لي أمر عجائبي، قفز علي ضفدع ينق... 
و لكن هل ذلك سيجعلني أحجم عن تكرار هذا الأمر؟ لا أظن... إذ أني لم أتمالك نفسي من تحميل مخطوط عتيق آخر للمؤلف، اسمه شدني: (مجاهل إفريقيا)، أوليس من الممكن أن يكون الكنز الغريب فيه هذه المرة؟

 


الآن و حين أنظر للأسطر في الأعلى، أستعجب كيف استفزني الكتاب و ملأني بكل هذه الطاقة لأكتب ما كتبت، مع أن نفسي حاليا تعاف الكتابة و الكلام بل الحياة برمتها، _و نعم أقر و أعترف بذنبي، قد أنهيت كتبا أخرى غير هذا و لا رغبة لي في الكتابة عنها!_، لذلك و حتى لا يقال عني أني شريرة كثيرا، سلبية، لا يعجبني العجب و لا الصيام في رجب، سأذكر أمرا إيجابيا...

قد كان في الحكاية بعض الصفحات التي أعجبتني فعلا رغم قلتها، و ربما هي أفضل ما فيها... إنها تلك الصفحات المفقودة من الكتاب، لأني لم أضطر لقراءتها...
 

 

--

الوهم في سيرة مبارك بن ريحان مع محبوبته بنت الحان

لمؤلفها اللبناني: شاكر شقير

 

سلمى

تشرين الأول 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali