الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  دستور الأخلاق في القرآن: الكتاب كما ينبغي أن يكون

 

 

دستور الأخلاق في القرآن: الكتاب كما ينبغي أن يكون!

 

دستور الأخلاق في القرآن        محمد عبد الله دراز

 

إن كان الإنسان مخلوقا أخلاقيا _فالذي يميزه عن سواه من الكائنات قابلية التطور الأخلاقية_ فليس من شيء يبصر المرء بوجوده و معناه أسمى من النظر في معنى هذه الخاصية، فما بالك إن كانت تدرس النظرة القرآنية لها...
و إن كان المرء يشعر مع كل ما يحدث حاليا من ظلم و توحش برغبة بأن يقيء وجوده البشري الذي أفرز كل هذا القبح و القذارة حتى ليكاد يغمغم أن يا رب لماذا خلقت كيانا يسفك الدماء و يسفحها و قدرت علينا أن نشهد ما نشهد، فإن الارتداد للصورة الأشمل و التذكر من خلال تعمقه لمعنى الحرية الأخلاقية التي أوتيها، تجعله يهدأ و يرى الجانب الآخر من الصورة القاتمة، و يخرج من التفاصيل الآنية و ينتبه للمشهد برمته...


و هذا الكتاب هو دراسة عن كيفية معالجة القرآن للمسائل الأخلاقية مؤسسا لنظرية أخلاقية قرآنية، مقارنا بينها و بين مجموعة من الفلسفات الأخلاقية الغربية بالإضافة لتعريجه على عدد من آراء بعض المدارس الإسلامية حول الموضوع،... فهل أصل الإنسان خير أم شر، ما هو مصدر الإلزام الأخلاقي، لماذا نفعل الخير، هل خلق القانون لأجل الإنسان أم الإنسان لأجل القانون، هل يكفي كون الخير خيرا لفعله، أيهما مقدم الحرية أم الخضوع للقانون، ما هي ماهية المسؤولية الأخلاقية و شروطها، ما هو الجزاء الأخلاقي و أنواعه، الفرق بين النية و الدافع، أيهما أولى النية أم الفعل، الخوف أم الرجاء، العبادة لأجل الجنة و النار أم الإله ذاته، ما علاقة الجهد و العمل بالفكرة الأخلاقية...


الكتاب معقد و يحتاج لذهن صاف، و لكنه مذهل بعمقه و قدرته على تفكيك الفكرة و تشريحها و مناقشتها حتى أصغر جزء فيها، بحيث يجعلها محكمة، فكل إشكالية يبادرك بذكرها ثم يجيب عليها... الجميل بالموضوع أنه يستمد هذه الأجوبة الأخلاقية من القرآن مباشرة، و لا يلجأ إلى خلع أعناق النصوص و ليها ليخرج بالفكرة التي يريدها... فمن الواضح أنه أتى آيات الله و استخرج منها تلك النظرية، و ليس العكس ككثير من الكتّاب التي تأتي القرآن و فكرة مسبقة في ذهنها تريد إخراجها من الآيات بالغصب عبر تأويلات غريبة عجيبة ضاربة باللغة و السياق و الزمن عرض الحائط، محولة العصا إلى أفعى...
أسلوب دراز يجمع بين الرصانة العلمية و الحجة المنطقية، بعيدا عن الخطابات الجوفاء و المشاعر الجياشة التي لا تسمن و لا تغني من جوع، و بين رهافة العبارة و شفافيتها، و الترجمة محكمة و كأن الكتاب مكتوب بها ابتداء...
يقدم لك معلومات تعلمها، آيات قرأتها، و لكنك لم تنتبه لهذا البعد الأعمق فيها... أبسط مثال، انتباهه لاستخدام الله عز و جل لكلمة إن الله يحب و لا يحب في معرض حديثه عن أوامر أخلاقية بحيث أن الجزاء الأخلاقي المترتب هو المحبة أو عدمها من دون ذكر أي شيء آخر، أيضا اكتفاء كثير من الآيات بذكر هو خير لكم هو شر لكم في معرض الحديث عن كثير من الأوامر و النواهي... فالاكتفاء بوسمه بكونه خيرا أو شرا مبرر أخلاقي و مسوغ كاف لفعله أو الابتعاد عنه...
حقيقة لم أتخيل أنه بهذا المستوى العميق و المتقدم... بل لا أذكر أني قرأت قبلا كتابا في الفكر الإسلامي على مثل هذا المستوى الرصين و المنهجي... الكتاب مكتوب منذ عام 1947 من القرن الماضي... و مع ذلك هو قليل الذكر كعادة الأشياء الثمينة...
و هو الرسالة التي نال على إثرها الدكتوراة من السوربون... و ربما كانت كلمة السوربون لتجعلني أتوقع مستوى سطحيا و ضحلا في معالجة موضوع له علاقة بالدراسات الإسلامية، و هنا يحضرني نقد شديد اللهجة لعبد الرحمن بدوي حول الطلاب العرب خريجي الدراسات الإسلامية في السوربون، لتدني مستواهم و تساهل الجامعة معهم لعدم اكتراثها... و لكن دراز فاجأني... فهو عالم بالشريعة أصلا و تعلم الفرنسية بمجهود شخصي، ثم سافر في أربعينيات عمره ليتم دراسته كبعثة، فضلا عن دأبه و ذكائه الحاد و شغفه بالعلم كما يبدو من إتقان بحثه...
دراز كما ذكر في مقدمته، لم يكن ينوي أن يتحدث سوى عن النظرة الأخلاقية القرآنية و لكن بعض أساتذته المشرفين _لحسن حظنا_ قد اقترحوا عليه أن يزيد عليها مقارنة مع بعض النظريات الغربية الأخلاقية و رأي بعض المدارس الإسلامية في الموضوع، و قد استجاب لهم... مما استغرقه ست سنوات في كتابتها، ليخرج سفرا عظيما لست أتخيل في مخيلتي البسيطة و المسكينة أي عمل أسمى يمكن لبشري أن يخلفه من بعده أكثر منه...
لم أنفك عن التفكير في كل صفحة أن ليتني أنا التي كتبت الكتاب _و لا حسد إلا في اثنتين كما قال رسول الله و هذه إحداهما_ و أتخيل حين يحشر الناس يوم الجمع برمتهم ثم يأتي دراز _دونا عن خلق الله أجمعين_ و بيمينه كتابه هذا... أي حظ أوتيه رحمه الله... قد سبقني بها دراز! و ليت الله يمن علي بأن أؤلف كتابا كإياه أو خيرا منه...
قد قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء... حقيقة، تستطيع أن تدرك معنى هذه الآية في كتاب كهذا... و لست أبالغ القول أني شعرت بانتهائي من الكتاب و قد صرت شخصا أجمل، ليس بالمعنى المعنوي للكلمة فقط، بل أجمل حين أنظر للمرآه أيضا... فأنا بت سلمى التي قرأت كتاب دستور الأخلاق في القرآن... و إن كنت أعترف أني ما زلت نزقة لا أحتمل الآخرين...
قد وعيت الكتاب، و لكني أشعر بأني غير قادرة على أن أصدر ما وعيته بأسلوبي، لذلك إن شاء الله سأعاود قراءته بعد مدة قصيرة، على خلاف منهجي المعتاد و الذي هو عدم قراءة أي كتاب ثانية، بل قراءة كتاب ثان حول نفس الموضوع، فلا يعنيني عادة تصدير كلام الآخرين و لا حفظ أفكارهم، لكن ها هنا استثناء، إذ أني بحاجة لتصير أفكاره تنساب مني بأسلوبي... و هذا ما لا أستطيعه بعد...
قد قررت منحه لقب أفضل كتاب قرأته على الإطلاق، إلى أن يأتي كتاب آخر فيزيحه من مكانه...
رحمك الله يا دراز، كم أحببتك و كتابك... صحيح أنك قد رفعتني درجة به معنى و حسا، و لكنك أتعبتني، فما الذي أبقيته لي لأكتبه...
 

 

--

دستور الأخلاق في القرآن La Morale Du Coran

لمؤلفه المصري: محمد عبد الله دراز

ترجمة: عبد الصبور شاهين

مؤسسة الرسالة

 

سلمى

تموز 2013

 

---

فيما يلي مقتطفات من الكتاب، كنت ذكرتها سابقا في الجودريدز أثناء قراءتي للكتاب:

 

- في فقرة العنصر الجوهري في العمل، يزيل اللبس بدقة و عناية عن أحد الإشكاليات الأخلاقية العويصة... بين النية و العمل... فنظرا لأهمية النية... يرفعها البعض لرتبة جعلها كل الأخلاقية كما يقول الفيلسوف كانت (إن الشيء الوحيد في العالم الذي هو خير في ذاته هو الإرادة الطيبة). و لكن دراز يبين لنا وهن هذه الفكرة بقوله: (ما يدفعنا لرفض هذه الفكرة هو أنها تجرد السلوك من كل قيمة خاصة، ثم هي بعد ذلك _حين تغالي في تقدير النية في العمل_ تقع في ذلك التناقض الذي يجعل كل شيء حسنا ما دمت تصطحب في فعله نية أن يكون حسنا، حتى ما كان من الأعمال غريبا أو مستحيلا). و دراز يبين أن هذا التفكير يؤدي إلى إلغاء التفاوت في القيمة الأخلاقية لأنه حينها و مع النية الطيبة ستكون كل الأعمال و الضمائر المتباعدة و المتناقضة على قدم المساواة (و من ذلك أن أكثر الناس جهلا، و أكثرهم تعصبا، حين يقع فريسة وهم عضال، فيعتقد أنه يماثل إرادته بالشرع _هذا الرجل يحق له_ استنادا إلى هذا المنطق_ أن يحظى بنفس التقدير الذي يستحقه في نظرنا أكثر الناس حكمة و أعظمهم استنارة).
و لكن بإمكاننا اكتشاف وهن فكرة "كانت" لو عكسنا الحالة بقولنا (إن أكثر الأعمال ضلالا مع النية الحسنة يسترد كل قيمته و يصبح قدوة للسلوك الأخلاقي.) و لكن هذا غير صحيح كما هو واضح...
(فإذا كانت النية الطيبة تعذر صاحبها، فإن ذلك لا يستتبع أن تنزل منزلة مبدأ مطلق للقيمة الأخلاقية. و على سبيل الإيجاز، و لكي نعطي لتفكيرنا شكلا أكثر وضوحا و تحديدا، نقول: إن النية شرط ضروري للأخلاقية، و هي على ذلك شرط للمسؤولية، و لكنها ليست بأي حال شرطا كافيا لهذه أو تلك. و هذه هي رؤيتنا لدور النية في الأخلاق الإسلامية، و النص المشهور الذي يجعل منها محكا للأخلاقية لا يتيح لها أن تستوعب و تمتص قيمة العمل كلها، بل يجعلها شرطا لصحة هذا العمل).
مما فهمته من كل هذا الكلام و يمكن تطبيقه على واقعنا أنه حين ينتقد امرؤ عملا بكونه خاطئا أو ظالما، فيرد عليه آخر و ما أدراك أن نية فاعله حسنة... فالاعتراض غير صحيح، لأن كون النية حسنة لا يجعل من فعل خاطئ أمرا حسنا... النية الحسنة لا تضفي الشرعية الأخلاقية على عمل خاطئ... صحيح أن الأعمال بالنيات و أن النية شرط للعمل، و لكنها ليست بديلا عن العمل و لا تقوم مقامه... و إلا فإن المغالاة في تقدير النية تجعل الأفعال المتناقضة و الشاذة متساوية كما ذكر دراز، و هنا خطر لي مثال من وحي أحداث الواقع و تجاذباته حاليا: أن المرأة التي تتعرى في الشارع لأجل التأكيد على قيمة الحرية، مساوية في فعلها وفق هذه النظرة المغالية لتقدير النية لرجل يضرب امرأة في الشارع لأجل التأكيد على قيمة الحشمة... فكلاهما كانت نيته طيبة... و عند من يغالي في الاحتفاء بالنية على حساب العمل فعليه أن ينظر إلى أن كلا من هذا الرجل و المرأة يقفان على نفس الدرجة الأخلاقية، مع آخرين يملكون نوايا طيبة و يقومون بأعمال حكيمة و متزنة لتبيان قيمة الحرية و الحشمة...
و هكذا ما أكثر النوايا الطيبة لأعمال ظالمة أو شريرة أو شاذة أو مسطولة أو ما بتعرف شو بدها...
حتى الشيطان لا يحلو له زرع طريقه إلا بالنوايا الطيبة...
دراز يبين لنا أن الضمير الأخلاقي قائم على ثلاث عناصر: و هي المعرفة و الإرادة و العمل، و الذين يتحدثون مثل الفيلسوف "كانت" لا يأخذون سوى بعنصر واحد ألا و هو الإرادة (النية أو القصد)...

 

- إذا كان الشر يكمن أساسا في مبدأ الإرادة، فمن البديهي أن المذنب ينبغي أن تبرأ ساحته بمجرد تغييره لموقفه من القانون، و لسوف يكون بالفعل بريئا في نظر الحَكَم الأعظم، و لكنها لا تكفي لتخليصه من العقوبة التي كان يجب أن يتعرض لها. لأن الموقف الداخلي (و هو الإرادة لفعل الشر) الذي كان يُعتمد عليه لتجريم الفعل لا قيمة له حين يكون المطلوب إيقاف الآثار السيئة التي حدثت من قبل، إذ تتدخل هنا بالذات اعتبارات مختلفة فوق الاعتبارات الشخصية هي التي تفرض هذا الجزاء. أما الندم و التوبة و الإرادة الطيبة التي عادت مرة أخرى (للمجرم بعد توبته) فربما تكفي لتحسين حال المذنب، و تأكيد احترامه للقانون، و لكنها لا تكفي لتهدئة المشاعر الأليمة التي أثارها المذنب لدى الأشخاص الذين انتهك حقهم المقدس في الحياة، و في الأمن. سوف تضمن لنا هذه المعاني _على الأكثر_ أنه لن يعود إلى الجريمة، و لكنها لا تستطيع أن تضمن أنه لن يكون قدوة تحتذى من أولئك الذين يعملون على اتباعه، و إذن فإن هناك ضرورة مزدوجة _خارج الأمر الأخلاقي، أو مبدأ العدالة المجرد_ هذه الضرورة تفرض نفسها على أنها محتومة، و هي تنظر إلى الماضي و إلى المستقبل معا و تتطلب تطبيق العقوبة، حتى عندما يصبح جانب المبدأ الأخلاقي مستوفى راضيا بطريقة أخرى. هذه الضرورة المزدوجة هي _من ناحية_ اقتضاء شرعي من الأفراد ذوي الشأن في العمل، و هم الذين أهينت مشاعرهم نتيجة الشر الحادث، و هي من ناحية أخرى: حفاظا على النظام العام، و صيانة للمجتمع من العدوى الأخلاقية، حيث لا يعاقب الشر بمثله، و توقيا من تشجيع الشر، إذا ما بقي المذنب دون عقاب...

 

- هل خلق الإنسان من أجل القانون أو أن القانون هو الذي خلق من أجل الإنسان؟ و قد يجاب عن ذلك تارة بالرأي الأول (وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) و تارة بالرأي الثاني (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه)، (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج و لكن يريد ليطهركم و ليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)
فلنقرب ما بين هذين القولين، بحقيقتهما النسبية، و لسوف نحصل على الحقيقة المطلقة، فالإنسان وجد من أجل تنفيذ الشرع، و لما كان الشرع قد وجد من أجل الإنسان، إذن فالإنسان وجد من أجل نفسه. و الشرع غاية، و لكنه ليس الغاية الأخيرة، إنه ليس سوى حد وسط بين الإنسان، كما هو، ناشئا يتطلع إلى الحياة الأخلاقية، و مصارعا من أجل كماله، و بين الإنسان كما ينبغي أن يكون، في قبضة الفضيلة الكاملة. و الشرع أشبه بقنطرة بين شاطئين، نحن نقطة بدايته، و نقطة نهايته، أو هو أشبه بسلم درجاته مستقرة على الأرض، و لكن يعد من يريدون تسلقه أن يرفعهم إلى السماء.

 

- من الأفكار الهامة التي وردت في الكتاب كيف أن القرآن يعمل على التدرج في التربية الأخلاقية و تنوعها، ابتداء من ذكر الجزاءات، إلى جعل الالتزام بالخير نابع من ذاته بسبب قيمته... فيكفي كون الخير خيرا حتى يتوجه لفعله الإنسان السوي، و الشر شرا ليبتعد عنه...
فضلا عن أن البشر متفاوتون، و بعضهم فطرهم مشوهة، و بالتالي هناك من لا يوجد لديه ذاك الدافع السامق بفعل الخير لمجرد كونه خيرا
و لن يصلوا كلهم لهذه الدرجة، فلا بد إذن من استكمال النظرة الأخلاقية القرآنية بذكر العقاب و الثواب...
بيد أن أعلى درجات هذه التربية تتمظهر، باستخدام كلمة الحب و الكراهية من قبل الله عز و جل
إن الله يحب
إن الله لا يحب
من دون ذكر أي عقاب أو تهديد أو شي، فالقرآن يربي المؤمنين تربية أخلاقية و يرتقي بهم حتى يصير مجرد طلب محبته و الخوف من عدم محبته هو أعلى درجات محركهم...
الجميل بالكتاب حتى، أنه وضع جدولا في نسبة طرق التوجيه القرآنية نحو فعل الخير و الشر من خلال الآيات
- الحث على الواجب بسبب قيمته الداخلية
- بنتائجه الطبيعية
- بالجزاءات الإلهية سواء المجتمعية منها
أو الأخروية
المادية منها
و الروحية
و اللافت للنظر أن أعلى نسبة كانت الحث على الواجب بقيمته الداخلية
بمعنى أن ما يدعم هذا التكليف عقليا هو ارتباطه بقيمة أخلاقية إيجابية حين تدل على أمر و العمل به، أو سلبية حين النهي، فيكفي ذكر أنه خير لفعله من دون حاجة لقرنه بجزاءات...

- فالمؤمن لا يذعن للواجب (كفكرة) أو (ككائن عقلي)، و لكنه يذعن له باعتباره متصلا بحقيقة أساسية، و من حيث هو صادر عن الموجود الأسمى الذي زودنا بهذا العقل، و أودع فيه الحقائق الأولى، بما في ذلك الحقيقة الأخلاقية في المقام الأول.

 

- قد يقال إن العمل بدافع الخوف من العقاب هو أبعد شيء عن أن يكون مبدأ ذا قيمة أخلاقية، و نحن أول من يوافق على هذا الرأي. و لكن هل هو دافع يتساوى في حقارته مع الخديعة، و الصلف، و المداهنة و التباهي؟ و هل من الممكن أن نضع شعور الخوف من الله في مستوى الخوف من الناس؟ أليس من الواجب أن نعترف على الأقل بأن بين هذين الخوفين فرقا هو: أن الخوف من الناس يعلمنا النفاق و الجبن و يحملنا على خرق القانون حين يكون موضوع هذا الخوف عاجزا عن أن ينالنا؟
أما فيما يتعلق بالأمل في السعادة المقبلة: فقد تقولون: إنها قضية ارتزاق و طمع في الأجر.
نعم بداهة، نظرا إلى الحب الخالص، الذي يصد عن كل ما سوى المحبوب ذاته. و مع ذلك فمن ذا الذي لا يرى أن مجرد قبول هذه الصفقة، و التنازل هكذا عن مال ملموس مؤكد مستحق فورا نظير سعادة غير محددة غير مؤكدة على المستوى الفردي، بعيدة ساحقة البعد، لدرجة أنها تقتضي الموت و العودة إلى الحياة مرة أخرى قبل لمسها. أقول من ذا الذي لا يرى في كل هذا ارتفاعا فوق الغريزة الحيوانية المرتبطة بالحاضرـ إلى مستوى الآجلة و برهانا على الصفات العليا في الصبر، و السيطرة على النفس و سعة العقل، و في كلمة واحدة: براهانا على نوع من المثالية؟
قد يقال: إنها بصيرة مضارب. و لكن يا لها من مضاربة عجيبة! ما كان لأي حساب احتمالي أن يسوغها دون تدخل من الإيمان.

 

- إن أفظع طريقة لتخريب أية شريعة لا تتمثل في أن تواجهها مقاومة شرسة، أو أن يغفل العمل بها: فلقد يكون هذا طريقة أخرى لاحترام قداستها بألا تدنس طهارتها النظرية، و بحصر العمل بها في أكثر الأيدي نزاهة، و هو فضلا عن ذلك يتركها للزمن، ليبرهن على إحكامها عندما يسمح بتطبيقها.
و لكن أسوأ المواقف و أضرها بشريعة ما هو أن نتظاهر في مواجهتها بمظهر الورع، محترمين حروفها بكل عناية، و إن كنا نتفق على تغيير هدفها، فنجعلها ظالمة مقيتة، بعد أن كانت محسنة ذات فضل على الناس. فذلك هو ما أطلق عليه القرآن بمناسبة بعض المصالحات الزوجية التي يلفها سوء النية أنه: اتخاذ الله هزوا...

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali