الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  ألوان ما بعد الضوء الأزرق!

 

 

ألوان ما بعد الضوء الأزرق!

قراءة حول كتاب الضوء الأزرق لـ حسين البرغوثي

 

الضوء الأزرق     حسين البرغوثي

 

بالله عليكم كيف أتحدث عن كتاب يعج بأرانب لا يجمع بينها سوى ضوء أزرق!
و خاصة أني لا أدري إن كانت أرانب سمينة أم نحيفة!


"سألني أخي، فادي، و أنا أكتب هذا النص: ماذا سيربط أرنبا عند قارئة بخت شيعية، بأرنب في ذهن مصاب بعقدة العظمة في عمان، بأرنب في قصة لصوفي في سياتل، بنص عن الأرنب تكتبه الآن؟، قلت: يمكنك أن تسمي ما يربط كل هذه الأشياء معا بالضوء الأزرق."


كان حسين كسلمى يوما يتعبه عقله المتسع و يشعر بتيه و أنه خائف من الجنون في واقع مادي مريض مجنون لا تدري أسفله من أعلاه، حسين كسلمى التقى بشخص غريب جدا اسمه بري (و في رواية سلمى كان اسمه الأستاذ أبا بكر)، هذا الشخص ساعده على العثور على ذاته و جمع بقايا دماغه و تعليمه كيف يسيطر على هذه الآلة الجبارة التي يحملها فوق كتفيه... بحوارات قد تبدو فضائية و مجنونة و ظريفة لكن فيها الكثير من العمق و الدهاء...
رغم اختلاف قصة حسين عن سلمى، و تباين نصائح بري عن أبي بكر (رغم حبهما للهنود الحمر!)... فسلمى كانت أكثر انتباها من حسين و قدميها أكثر ثباتا، و أبو بكر كان أكثر حكمة و بصيرة من بري... و لكن هي القصة ذاتها... دميانك الذاتي (كما سماه أبو بكر نسبة لدميان هرمان هسه)... يرشدك لتعثر على الشخص داخلك الذي تاه... و رحلة ذاتية تعيد فيها اكتشاف ذاتك...
للأمانة ما كنت لأستمع لبري لو التقيت به و لا لأسميه أستاذا، فهو يتحدث بكثير من السخف و التيه و الهراء، و حتى لو أنه مخلوط بالحكمة... و لكن الحديث مع شخص كإياه سيكون مسليا جدا... لكن لحسن الحظ لم ألتق به لأنه لا يناسبني، و إنما التقيت بمن يفوقه... و نعم لم أستطع طوال القراءة ازاحة فكرة المقارنة بينهما... فرغم جمالهما و تفردهما، لكن شتان!
على كل ليس كل من تلتقيه قد يساعدك، لربما قد يغرقك و يزيدك رهقا... فحذار! ما يصير أن المرء يخلق حول نفسه قوقعة ليحمي ذاته من التشوه، فهي السبيل الوحيد لنجاته، و مع الوقت تصير هذه القوقعة سجنا خانقا، و هنا تبدأ المشكلة، فلا هو قادر على الخروج منها و لا البقاء فيها... و في هذه الحالة الهشة، قد يأتي أي شخص يملك بعض القدرات بالنفاذ لشخص متوحد، و هنا الخطورة، إذا أن المرء يكون غير منيع... فحين تمكث في غرفة مظلمة لفترة طويلة فإنه بمجرد فتح الباب و دخول النور القوي قد تفقد بصرك لفترة، و تضطر للارتكاء على اليد التي فتحته...و لكن ماذا لو كانت يدا مؤذية؟ هنا أذكر نصيحة لنيتشة يحذر فيها المتوحدين من اليد التي تمتد لهم و هم في عزلتهم، فليس كل يد تمتد هي يد خير...
(الضوء الأزرق) يشبه سيرة ذاتية للشاعر الفلسطيني حسين البرغوثي و إعادة اكتشافه لذاته، حين سافر لسياتل و التقى ببري الصوفي الحكيم المسطول و بقية الشلة من المشردين الفنانين الفاقدي عقولهم، معجونة بكثير من الظرف و الفضائية و الدهاء و الحكمة و التفاهة و الضلال و الجنون و الأمراض النفسية...


بيد أني و بعد كل ما كتبته لا أدري ما أقول... فأنا التي كنت عاكفة على كتابة دستور للبهاليل، يفترض بي أن أكتب بمتعة و انبهار و دهشة عن كتاب كهذا و أعتبره أحد تلك الكتب التي أسميها "ذاك الكتاب"، و أنا التي أحلم بأن أترك من بعدي كتابين أحدهما سيرة ذاتية فضائية ظريفة كهذه، (والآخر كتاب رصين مثل كتاب دستور الأخلاق في القرآن لدراز)، و لكن تفاجأت من شعوري نحو الكتاب... فما حصل أنه قد أدخلني في حالة صراع فكرية رهيبة، و جعلني أماطل في قراءته لأشهر و أنا أفكر... و لا، لم تكن هي تلك الحالة التي باتت تلازمني حين قراءتي لشيء جميل بسؤالي عن جدوى الجمال في واقع قذر و قبيح... هذه المرة الصراع كان مختلفا!
لا أدري كيف أوصّف الأمر، إذ الفكرة ما زالت عائمة و مجردة و أول مرة تخطر لي، لكن أشعر بأن هذه الشخصية المرصودة في الكتاب و التي لطالما عشقت ملاحقتها في الروايات، الشخصية المتفردة اللامنتمية قد بدت عجوزا، و هذا النوع من التفرد و الذاتية بات باهتا و مستهلكا! و مرحلة زمنية تسير نحو ركنها في الأرشيف، و بوادر ولادة مرحلة أخرى في الأفق! لا أدري كيف أشرح الأمر... فلم يحدث أن تعثرت في الروايات على ما بعد اللامنتمي... و لا، حتى كولن ولسن في كتابه (ما بعد اللامنتمي) ما استطاع فعلا أن يقدم نموذجا مقنعا و حقيقيا للخروج من أزمة المجتمعات الحديثة في خلقها هؤلاء اللامنتمين... حين أعصر ذهني، لا أجد إلا في السيرة النبوية _مع فارق الشبه طبعا_ كيف ابتعد رسول الله عن مجتمعه يتعبد في الغار لأنه لم يعد قادرا على العيش ضمن معاييرهم، ثم ليؤتى الوحي فيؤسس بعد هذا أمة بأكملها غيرت وجه التاريخ و معاييره... يعني أن شخصية اللامنتمي هذه ليست هي الغاية و النهاية كما تظهرها المجتمعات الحديثة... بل ربما تكون البداية...
لذلك فإن سبب حيرتي ما يحدث في عالمنا العربي و خاصة في سوريا، فهو أمر غير عادي و لا مسبوق... هو يعيد ولادتنا وتشكيلنا من الداخل... أفكارنا معاييرنا نظرتنا لأنفسنا و للعالم كلها تزحزحت... أصنام المسلمات الفكرية التي عهدناها تهشمت... مرحلة زمنية مختلفة في كل شيء... تتجاوز كل النظريات و التجارب السابقة... و تفتح افقا لشيء جديد... أسأل الله أن نؤول لما هو خير و لا نرتد لما هو شر مكانا...
ما زلنا في طور الولادة و اعادة التشكل، و لذلك لا زالت أفكاري غائمة، و لا أدري إلى ما ستؤول إليه هذه الشخصية اللامنتمية... فهي باتت تشعر بالانتماء، و تقلصت الذاتية في مقابل اتساع العام، و لكنها في نفس الوقت ستبقى أبدا غريبة الأطوار حالمة لأن هذا جزء من طبيعتها و تكوينها الفطري... فكيف ستصير هذه التركيبة؟ في المرحلة الأسبق حيث كان الجو موبوؤا صارت بهلولا سقيما، و لكني لا أدري ما سينتج في عالم لم يعد الضوء الأزرق حتميا للمشهد، بل بدأت بوادر احتمالية انبجاس كل الألوان من هنا و هناك...
عاجزة عن اتمام الكلام، فما زالت الرؤية ضبابية و ما زال كل شيء في طور الولادة... يوما إن أحياني الله و ملكني الكلمات قد أكمل لكم الحكاية من حيث أنهاها حسين... فلم يعد أهم حدث في حياتي هو التقائي بأبي بكر _رغم فضله علي في عقلي و ديني_ بل بات هناك حدث أحق بأن يروى...
 

بأية حال الكتاب جميل و غريب و غير مسبوق في الأدب العربي و يستحق القراءة، و عبارة حسين البرغوثي مفرطة في الرقة و الظرف:
(وكان دان أنعم من دمعة).
(أنا كاتبة مشهورة غير معروفة).
(ذهنك يشبه سعدانا ينطنط فوق أصابع بيانو)
.
و هذه القصيدة الجميلة:
(تحلق في زرقة السماوات طيرا من تنك
لا شيء ضدك أو معك
ويشدك للأرض خيط حرير فقط
والأرنب البري يقضمه لتفقد موقعك.)
 

في النهاية أختم بقول أن هذا الكتاب ذكرني جوه بأغنية الأرنب الأبيض (White Rabbit) المجنونة... جميلة وفضائية، و لكنها تبدو بعيدة و عتيقة... و سقيمة...


https://www.youtube.com/watch?v=WANNqr-vcx0

 

 

---

الضوء الأزرق

لمؤلفه الفلسطيني: حسين البرغوثي

 



 

سلمى

24 أيار 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali