الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  لسان آدم

 

 

لسان آدم

عبد الفتاح كيليطو

 

لسان آدم    عبد الفتاح كيليطو


مقدمة لا بد منها حتى لو صارت نغمة مكررة: في عام 2012 المنصرم، و على وقع أحد مجازر بلادي التي لا تنصرم و التي يشاهدها العالم بلامبالاة كأفلام الآكشن، و التي لم تكن تبعد عن منزلي سوى بضع كيلو مترات، فتحت كتابا لكيليطو، و كان يقطر جمالا... و هنا شعرت بشيء من الانفلاع و الانفصام الشعوري... و كأنك وضعت لوحا من الثلج في شمس آب... شيء ما من الداخل أحسست به يتصدع... مثل كأس ماء عذب تشربه و في الجو رائحة عفن و تفسخ... هذا ما حصل في دماغي، و لم أعد أعلم كيف أشعر... كانت الدغدغة في الرأس بسبب الشيء الجميل تتحول إلى وخزات الدبابيس... فهذا الشيء الجميل ليس الواقع، و لا يفترض بي أن أشعر هكذا، و ما الجدوى منه، و لكني أشعر به من دون إرادة... فهل الشعور بالجمال أمر غريزي مثل الجوع، يحصل للمرء رغما عن أنفه و هو رافض له؟ لا أدري...
هذا ما حصل لي حين قرأت الكتاب، و من يومها بدأت ألحظ على نفسي أني أتجنب أي شيء فيه شبهة من الجمال و المتعة... و لكن هذا أمر غير سوي، على ما أظن... أليس كذلك؟ و لهذا صرت في أحيان أجبر نفسي على أن أتجرع شيئا جميلا بين فترة و أخرى، حين أنتبه... حتى لو كان الأمر موجعا و مؤذيا... محاولة شد نفسي نحو الاعتدال، و لو بالغصب... بحجة الاعتدال... الاعتدال يا سلمى، تذكري الاعتدال، فهو مفتاح الاستواء النفسي... هكذا أقول لنفسي... و لا أدري إن كان هذا صحيحا أم لا... فالمرء يقول لنفسه أشياء كثيرة طوال الوقت... معظمها "ما بتعرف شو بدها"... ثم يغلفها بكلمات منمقة و حاذقة و ينثرها على الآخرين مدع فيها الحكمة، كما أفعل الآن...
كفاني ثرثرة، انتهت المقدمة التي أكتبها ارضاء لدماغي لكيلا يغضب مني، حتى لو كانت مكررة و مملة و لا أرى من داع لكتابتها، فعلى واحدنا أن يراعي دماغه الشرير أحيانا كما تعلمون، حتى لا يسومه سوء العذاب...

و فيما يأتي هي القراءة التي كتبتها حينها فور انتهائي من الكتاب...
---


حقيقة لا أدري كيف أصف شعوري المختلط خلال قراءتي لهذا الكتاب... إذ في غمرة غرقك في صور واقع أليم و أسود كقطع الليل المظلم فجأة تسمع نغمة عذبة... هذا هو الشعور تماما... شعور مربك بأن تستشعر شيئا من الجمال رغم أن حواسك منهكة حد التموت من القبح...
فكيليطو بأسلوبه الفريد المعتاد الذي يجمع بين الظرف و الدهاء و الكثير من المشاكسة يتطرق لموضوعات غريبة و بعيدة، بعيدة عن أي شيء له علاقة بالواقع... كتاب مثل علبة الألوان...
ما هي اللغة التي كان يتحدث بها آدم، أهي لغة محددة أم شاملة... فكيف تبلبلت ألسنة الناس بعدها... ما هي أقدم قصيدة في الدنيا، و هل حقا نظم آدم عليه السلام شعرا... و كيف مكر التاريخ فجعل الواسطي بمنمنماته يُـذهب الألباب و يُـنسي مقامات الحريري التي قامت عليها، مثل ما أذهب الحريري بمقاماته المقلدة يوما لابتكار الهمذاني... و كيف سافر كتاب ابن بطوطة لأبعد مما سافر إليه صاحبه... و ثربانتس الذي جعل في روايته الدون كيخوتة يعيب على أفيانيدا أن انتحل فروسياته، هل كانت حيلة منه ليخفي أمر سيدي حامد بن الأيلي الذي جعله الراوي على لسانه ليخفي انتحاله منه... و لماذا اختار ابن زكرياء و هو على فراش الموت قتل كتابه قبله عن طريق إغراقه بالماء؟ و كيف يحمل الكتاب بذور نقيضه لإخفاء موقف المؤلف الشخصي، فهل يمكن أن نرى في البخل مزايا كما قد يوسوس كتاب الجاحظ للبخلاء... و غيرها من المواضيع التي شاكسها كيليطو بأسلوبه الفريد... الأسلوب الذي أستطيع وسمه بأنه كيليطوي بامتياز... أسلوب يجمع بين ادعاء البراءة و الكثير من المكر المُـمَـرّر بخفة الدم... الأسلوب الزئبقي الذي لا تستطيع أن تمسك به مؤلفه... الأسلوب الذي تجعل الآخرين ينطقون بكلماتك... فمثلا في أحد المقالات يفترض أنه يتحدث فيها عن الجاحظ، و كأني شعرت به يتحدث عن كيليطو نفسه... فهل تأثر بكل تلك الخفايا التي يستخلصها من كتب الآخرين فأودع بدوره سرا في كتابه عل قارئا ذكيا ما يستخلصه... أم أنه انتقام التاريخ كما يحلو له الحديث عنه... فقد جاءته قارئة لتشاكس أحد نصوصه و تستنطقها مثلما يفعل بنصوص الآخرين، فها أنا أستنطق كلامه عن الجاحظ و أشعر به يقول هذا أنا:

"إنها لعبة خطرة، المهرج وحده هو المسموح له بممارستها. و الجاحظ رغم ميله إلى الضحك لا يمكن اعتباره مضحكا بريئا. يتحرك بحرية في نوع الهزل و في نوع الجد، في الخطاب الذي ينطق فيه باسمه و في الخطاب الذي ينحله إلى الآخرين، فعليه أن يـُغتفر له نزوعه الأساسي إلى المحاكاة و تشتت هويته. الكتابة في هذه الشروط هي حمل سلسلة من الأقنعة لاشك أن ابن قتيبة قد أحس، و هو يقرأ الجاحظ أن موقفه هو ذاته كان أيضا قناعا و من المعلوم أن لا شيء أشد إزعاجا من قناع لفرط ما يلتصق بالجلد يتمازج بالوجه." ص111
أوَكان هذا الحديث عن الجاحظ أم عن كيليطو نفسه؟ إذ أنه في النهاية لا يعرف كيف بدا الجاحظ يوما و لكنه يعرف كيف يبدو هو و ماذا يغطي وجهه... أليس كذلك؟
 

هذا الكتاب كان مثل علبة ألوان... علبة ألوان متنوعة و ملونة و مزركشة... و أنا كم أعشق الألوان حين أكون آدمية ذات حس... و لكني حقيقة كنت كلما أغلقت الكتاب جلست أفكر... أن ما الفائدة مما أقرأ؟ ما الذي تفعله علبة ألوان في ليلة ظلماء؟ لا هي تلونها و لا هي تنيرها و لا هي تعطي أملا و لا هي تواسيك و لا هي تغير شيئا و لا هي تعطي دفعا معنويا من نوع ما... حقيقة لا أدري... فعلا لا أدري... لكن كل ما تفعله أنه كلما لامستها و نظرت إليها بالضوء الشحيح الذي يلوح بين فترة و أخرى فإنها تجعلك تحلق بعيدا لوهلة و تحلم... نعم أحسب هذا ما تفعله علب الألوان في الليالي المظلمة... أنها تسرقك من الواقع لوهلة و تجعلك تحلق بعيدا... لوهلة فقط... لا أدري ما الفائدة من هذا... و لكن هذا ما تفعله على كل...
 

كتاب جميل يستحق القراءة في معظم الأحوال... ليس كلها بطبيعة الحال...


30 آب اللهاب 2012
 

--

لسان آدم

لكاتبه المغربي: عبد الفتاح كيليطو

ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي

دار توبقال

 

سلمى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali