الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> كلام عن تاج العروس

 

 
 

 

كلام عن تاج العروس

 

تاج العروس

 

حين راح السيد ممدوح يقرأ في القاموس ليتصبر به على مرضه العضال... علقت عليه زوجته الست فاتنة ساخرة بقولها: ما الذي تفعله، و هل يقرأ أحد القاموس؟ فرد عليها: إنما هذا هو أم العلوم...
حين علمت بالقصة... فكرت و ماذا لو أني أيضا مررت و لو مرورا بأم العلوم... و بدافع من فعلته _عسى الله أن يشفيه_ و برغبة في تذوق كل الكلمات التي في الدنيا و لو لمرة واحدة على الأقل، و طرق كلمات مدفونة لم تتلصص عليها العيون كثيرا و تستهلكها الألسن ربما من عشرات أو حتى مئات السنين... بحثت عن قاموس يحتوي على أكبر قدر من الكلمات العربية... فكان هو تاج العروس للزبيدي... و هو عبارة عن شرح للقاموس المحيط...
و قلت ماذا لو أنه كان أربعين جزءا؟ و هل من طريقة لينفق المرء عمره فيها أسمى من أن يلاحق به الكلمات؟ 
ابتدأت بمقدمة الزبيدي و كانت متعة خالصة عن اللغة العربية، فهي تتحدث عنها باختصار و أصلها و من أول من تحدث بها يا ترى و عن الكلمات و ما قيل في عدتها _و أول مرة أقرأ في من تحدث عن رقم ما لعدد الكلمات_ و اللهجات و ما إلى ذلك من معلومات... و قلت قد عثرت على وجهتي أخيرا، و الأربعون جزءا هيئت لي أربعين خباء من لذة قد ينقضي عمري قبل أن تنقضي... ثم بعدها أتى شرحه لمقدمة القاموس المحيط... و هنا بدأ سيري يتباطأ فقد كانت مملة جدا... و أنهيتها بشق الأنفس... و خيبة الأمل لاحت من الأسلوب المتبع في القاموس برمته... فهو قاموس شامل جامع لكل شيء... و هذا ما جعل أسلوبه جافا و جامدا... و أنا كنت راغبة بكتاب أتذوق عبره جمال الكلمة و معرفة أصلها و من أين انحدرت ثم كيف استخدمتها الألسنة شعرا و مثلا... و القاموس يحوي ذلك فعلا، و لكنه يحوي معه الكثير الكثير الكثير من الحديث عن أمور اختصاصية تتعلق بالنحو والصرف و خلافات اللغوين حول وزن كلمة ما، أو نوع جمعها أو تذكيرها و تأنيثها و ما إلى ذلك... و هذا بدا لي مملا و مثبطا حتى بدت لي الأربعون جزءا و كأنها أربعون جبلا شاهقا، قد يمضي عمري و لما تنقضي مكابدتها...
ففترت همتي... و قررت أن أعدل عن قراري هذا إلى كتاب آخر أستمتع فيه بتذوق الكلمات بسلاسة و لا أشعر بأنها مفروضة علي كالدواء أتجرعها تجرعا...

طبعا هذا الكلام كله لا يقلل من عظمة هذا القاموس و فضل الزبيدي لجمعه كل هذا العلم بين دفتيه و كونه مرجعا مهما... و إنما أتحدث فقط عن مشروعي لقرءاته كاملا...
قد كان رحمه الله رجلا حاد الذكاء بذاكرة مرعبة، و حياة مثيرة... و قد أمضى 14 عاما في تأليف قاموسه هذا، شطرها تقريبا ذهب لتأليف الجزء الأول فقط (من أصل عشرة وفق تلك النسخة الأولى)... و ابتدأ التأليف فيه و عمره 29 عاما فقط...
و من اللطيف ما قرأته أنه كان يحب زوجته حبا جما مع أنه لم يخلف منها أولادا، و حين توفت بكاها كثيرا و بنى لقبرها روضة و أنشدها:
سأبكي عليها ما حييت و إن أمت ... ستبكي عظامي و الأضالع في القبر
و لست بها مستبقيا فيض عبرة ... و لا طالبا بالصبر عاقبة الصبر
و لم يخلف ولدا أبدا و لكنه ترك من بعده ما كان خيرا له منه و أبقى و ما لم يتركه أحد مثله و جعله متفردا عن الآخرين، و كان السبب في ذكره هنا أمامكم بعد أن صارت عظامه رميما... و سيظل يذكر به حتى قيام الساعة...
ألا ليت الله يهديني لأترك من بعدي كتابا عظيما أنا الأخرى يبقى أثره من بعدي... إنه سميع مجيب...

قد استمتعت بقراءة المقدمة فعلا... و أنصح بها لكل من يحب اللغة العربية... و عسى الله أن يشفي السيد ممدوح الذي كان السبب في قراءتي لها...

--

تاج العروس من جواهر القاموس

لمؤلفه: محمد المرتضى الزبيدي

طباعة وزارة الإنشاء و الانباء بالكويت

 

سلمى الهلالي

نيسان 2012

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali