الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الرسالة التامة في كلام العامة و المناهج في أحوال الكلام الدارج

 

 

 

 

الرسالة التامة في كلام العامة و المناهج في أحوال الكلام الدارج

 

لـ ميخائيل بن نقولا صباغ

 

الرسالة التامة في كلام العامة

حين سافر ميخائيل بن نقولا الصباغ إلى باريس قبل أكثر من قرنين من الزمان، التف حوله المستشرقون يسألونه أن يؤلف لهم قانونا يوضح الفرق بين العربية المحكية و بين الفصيحة، إذ اكتشفوا أن كل ما درسوه من علوم العربية لا يفيدهم بشيء حين الذهاب لتلك الديار و الاختلاط بالعامة...
في البداية استصعب الأمر لانعدام المراجع، إذ لم يسبق لأحد الكتابة في هذا الموضوع، و لكنه انكب على هذا العمل مستعينا بصديقه أليوس بقطر الأسيوطي، فأنهى كتابة رسالة صغيرة عام 1812 سماها "الرسالة التامة في كلام العامة و المناهج في أحوال الكلام الدارج".
الرسالة مقسمة لقسمين، الأول عن القواعد النحوية التي يسير على وفقها الكلام العامي... و الثاني عن بعض الكلمات العامية و معناها...
حقيقة أني تفاجأت من القسم الأول من الرسالة، إذ لم أنتبه يوما أن هناك قواعدا تسير عليها محكياتنا في صياغة الجمل و التعبير عن الماضي و المضارع و الإشارة و التذكير و التأنيث و العدد الخ... و لكنه كان حاذقا جدا بحيث استخلص قواعدا من اللهجات و عمد إلى مقارنات بين العربية و فيما بينها أيضا... و الملاحظ أن أكثر ما اعتنى به من العاميات هي لهجات بلاد الشام (الفلسطينية و الشامية على الأغلب)، و أيضا اللهجة المصرية باختلاف مناطقها... و ربما مرة أو مرتين ذكر شيئا عن الجزيرة العربية و أهل المغرب... و لا عجب إذ قرأت في أحد المواقع أنه ولد في عكا بفلسطين ونشأ في دمشق وانتقل الى مصر و قد ترجم لنابليون، و هو من استصحبه الى باريس.
الرسالة فريدة في بابها، رغم قصورها عن أن تكون وافية فيما يتعلق بهذا الموضوع الواسع، و كثرة تشابكها بحيث تساءلت إن أصيب المستشرقون بالاحباط من قراءتها!!! 

و هاكم بعض الأمثلة:
· شين الكشكشة: هي التي تستخدم في النفي أو السؤال في كثير من اللهجات (بتشربش؟ ما بشربش...)، أحببتها كثيرا و خاصة أني أحب كلمة كشكشة لأنها تعني بالشامية التدليل و الإسعاد، و إن كنت لا أظن أن هذا مصدر الاسم الذي استقاه منه الصباغ لتسميتها، و إنما أظن من ألسنة بعض العرب التي تضع الشين بعد الكاف، كما ذكر الزبيدي في مقدمة قاموسه تاج العروس"الكشكشة في ربيعة و مضر يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا، فيقولون رأيتكِش، مررت بكِش" فسماها كذلك... لكن إن كانت تلك سميت عند العرب كشكشة لمجيء الشين بعد الكاف، فما الوجه لتسميتها كذلك هنا؟ أو أن هذا اسمها فعلا؟ ثم ما يمكن أن يكون مصدر هذه الشين أصلا؟ رحت أفكر بهذه الأفكار، ثم خطر لي أيمكن أن تكون اختصارا لكلمة شيء، فالسؤال بتشربش؟ أصله أشربت شيئا؟ ممم... كل شيء جائز... على كل هذا ما أحبه في قراءة هذه الكتب أنها تجعلني مهووسة في التساؤل عن أصل الكلمات... ثم إن هذا لا يمنع أن التسمية بـ "شين الكشكشة" أعجبتني و تشعرني بالكشكشة... و قد حاولت أن أعصر دماغي لأتذكر مثالا واحدا على هذه الشين الظريفة في لهجتي لهجة أهل دمشق لتكشكشني و لكني لم أعثر و لا على أي واحدة فنحن لا نستخدمها... اللهم إلا شين "ليش و معليش" فهل يمكن أن نتجاوز الأمر و نعتبر هذه الشين متكشكشة كتلك... أرجو ذلك...

· نون الجمع الاسكندرانية حين الحديث عن المفرد و التي باتت أمرا عتيق الطراز عند الاسكندرانيين كما قيل لي، و يا أسفا عليها لأنها جميلة: نزروكي و نشربو...

· استخدام "عمال" قبل فعل المضارع عند بعض لهجات بلاد الشام، و هو لم يذكر عند من منهم مثلا: عمال بشرب... و لكن نحن في دمشق نختصرها إلى "عم" فنقول: عم بشرب...

و هكذا غيرها من الأمور التي بت أستمتع بالتقاطها في حديثي و حديث اللهجات الأخرى... و بشكل عام أستطيع القول أن معظم عامياتنا منحولة من العربية الفصحى لميل الألسن إلى العجلة فاختصرت و أدمجت الكثير من الأمور فباتت كذلك... لذلك أكثر ما أسعدني و فاجأني هو معرفتي بالأصول العربية لبعض الكلمات التي لطالما تساءلت من أين أتت للهجتي...
أوعى: من الوعي أي عِ
اصحى: من الصحو أي اصحُ
استنى: من التأني و دخلت عليها سين الزيادة
عدّنو: أصلها عدّ أن، أي افترض
أديش أو قديش: أصلها قدر أي شيء
ليش: أصلها لأي شيء
لسه أو لسع: أصلها للساعة
إيش أو ايشو و تختصر لـ شو: أصلها أي شيء
إلي، يلي: أصلها الأسماء الموصولة (الذي التي اللواتي الخ) حيث اختصرت كلها و أبقي على أل تعريفها لتدل على كل الأسماء الموصولة
هيك: أصلها هكذا
و بناء على كل ما تقدم... فكرت بكلمة معليش التي لا أذكر أنها وردت... فقلت ربما أصلها: ما عليك أي شيء، أو ما عليك شيء...
أما بركي أو بركدن فهي ليست بذات أصل عربي، و إنما ذات أصل تركي باللام "بلكي"، بمعنى لعل...

للأسف أن النسخة المتوفرة من الرسالة رديئة جدا، فهي من المخطوطات التي أنزلتها غوغل و التصوير قد اقتص الكلمات على جانب كثير من الصفحات... و لكني مع ذلك وجدتها مفيدة رغم أن عمرها مئتي عام و العامية سريعة التغير و التأثر... و بفضل نعمة وسائل الاعلام و الاتصال التي جعلت لهجات الوطن العربي مألوفة لواحدنا وجدتها مفهومة و أنا أتذكر الأمثلة من هنا و هناك...
باختصار الرسالة لطيفة... و سأختم بالديباجة التي دبج بها ميخائيل حديثه عن دو ساسي و التي تعبر عن روح ذلك العصر و التي أضحكتني:
"حضرة مولانا المقام السامي و السودد المتسامي الشرف الباذخ و المجد الراسخ و العلم الشامخ تاج المحققين عمدة المدققين المتكلم في اللغات العربية و العجمية على اختلافها و ائتلافها أحد علماء فرانسا المكرم و قاضي قضاتها المعظم مولانا الأستاذ العلامة دساسي أطال الله بقاه و بلغه من الدارين مناه"



 

سلمى

أيار 2012

 

 

 

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali