الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الرجل في شعر المرأة

 

 
 

 

الرجل في شعر المرأة

دراسة تحليلية للشعر النسوي القديم و تمثلات الحضور الذكوري فيه

 

عمر بن عبد العزيز السيف

 

الرجل في شعر المرأة   عمر السيف

 

الكتاب كما هو واضح من عنوانه عبارة عن دراسة لصورة الرجل في الشعر النسوي القديم، و المعني بالقديم هو الحقبة التي ما قبل العصر العباسي و أحيانا تشمل العصر العباسي قليلا... بيد أن التركيز الأكبر كان على الفترة الجاهلية ثم أقل صدر الإسلام _مع أن صدر الإسلام كان قليل الشعر لاستغنائهم بالقرآن و الحديث عنه_ ثم أقل الفترة الأموية ثم شيئا مقتضبا عن الفترة العباسية...
أعجبني القسم الأول من الكتاب جدا، حيث وضعني في الجو الاجتماعي في العصر الجاهلي و وضع المرأة فيه من خلال الشاعرات و مواضيعهن... ثم كيف تطور حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر العباسي... و كيف أثر دخول الإماء على بنية المجتمع و تخلخلها، و تراجع دور الحرائر و وضعهن و ثقافتهن و اسهامهن في المجتمع حتى اختفى حضورهن و لم تبق إلا أشعار الإماء في مجالس اللهو... و هي بدت لي جزءا من الحلقة المفقودة التي أفكر فيها لتراجع حضور المرأة الفكري و دورها من البروز الذي كان ظاهرا في صدر الإسلام... و بعض التحليلات في هذا القسم وجدتها ثاقبة و أعجبتني جدا و بعضها وجدتها غير مقنعة، و خاصة تلك التي يفترض الباحث فيها صورة ما و يسقطها على الشعر مفترضا عثوره عليها، ثم يتساءل لماذا لم توجد...
"مواضيع الشعر العربي التقليدية لا تناسب طبيعة المرأة؛ فلا يوجد في الشعر العربي _عموما_ مواضيع الأمومة و الطفولة و الشؤون النسوية ... و يمكن إدانة المرأة بهذه التهمة أيضا؛ فهي لم تستطع فرض ذاتها الأنثوية من خلال استحداث مواضيع شعرية تخصها و تعبر عن ذاتها" ص127
و مثلا قوله عن شعر إحداهن: "و لكنها لم تستطع أن تقول شعرا نسويا يعبر عن ذاتها" ص 153
و السؤال الذي خطر لي و أنا أقرأ هذا التحليل، لماذا يفترض أن هذه الأمور التي ذكرها قد تهتم بها المرأة أكثر من ما ورد على لسان تيك النسوة الشواعر؟ و السؤال الآخر ما أدراه عن ماهية ذاتها حتى يعتبر أن شعرها هذا لا يعبر عن ذاتها النسوية! و ماذا لو أنها في أعماقها ليست إلا كذلك و لا تحفل بتلك الأمور التي يفترض أنه ينبغي أن تحفل بها! ثم فكرت أن السبب هو افتراضه للأنثى نموذجا معينا، و بالتالي حين لا يعبر شعرهن عن النموذج الذي رسمه للأنثى فسيكون السبب أنها لا تعبر عن ذاتها...
و لا أنكر أن هذا التحليل استفزني قليلا _أو بالأحرى كثيرا _ لأنه لا يختلف عن الكلام الذي يوجه للكثيرات في العصر الحديث حين يحفلن بمواضيع غير التي يفترض أن يحفلن بها بحسب من حولهن، أول تهمة بأنها ليست أنثى أو لا تكتب كما تشعر الأنثى... إن كنا صدقنا أن هذا المخلوق الذي يهتم و يكتب هو من جنس الإناث فهذا يعني أن ما يخرج منها هو أنثوي و هو يعبر عن ذاتها... سواء سموه أنيموس (و هو الضمير الذكوري داخل الأنثى) أو لا أدري ماذا... فهو أنثوي بحت...

أما القسم الثاني حين بدأ حديثه عن الربط الأسطوري للصور الواردة عند الشاعرات الجاهليات في وصف الرجال، و أسطورة الإله القمر و الثور الذي يرمز للقمر الذي يرمز للإله... فقد وجدته مملا و الربط لم يبد لي مقنعا في كثير من المواضع بل هو أقرب للتكلف لأنه يحمل الأبيات أكثر مما تحتمل _و باعترافه حتى_ و ربما في أماكن صار التحليل أقرب للحذلقة... و أعترف بأن أملي خاب بعد أن هيأت نفسي لأن أجد ربطا مقنعا...
و إليكم أمثلة لما أعني:
حين تحدث أن الخنساء عبرت عن صورة للثور الذي أهاجه المطر من مخبئه، و وجد فيها اختلافا عن الصورة التقليدية المستمدة من الأسطورة من أن الثور يركض للمخبأ محتميا من المطر، تساءل السؤال التالي:
"هل هذا الاختلاف نتيجة عدم معرفة بالأسطورة؟ أم أن الشاعرة أرادت أن تعيد خلق هذا الكائن الأسطوري بحسب رؤيتها هي؟ ربما تكون الرواية _و هذا هو المرجح_ وردت ناقصة و مضللة" ص222
طيب و لماذا لا يكون لم يخطر لها كل هذا الكلام أصلا... و خصوصا لاعترافه فيما بعد بأنه "لا بد من تأكيد غياب الوعي النصي في الكثير من الأشعار النسوية بالبعد الأسطوري في أشعارهن" ص233
يعني أن كل هذه الاسقاطات و الربط ربما ليس لها وجود إلا في ذهنه...
و مثال آخر حين تحدثه عن مدح الرجل في الشعر بصفة الطول "صفة الطول من أهم صفات الرجل في شعرها و أكثرها تكرارا، و ربما لطول "ود" دور في ذلك، أعني أن طول الإله جعل هذه الصفة أهم الصفات الجسدية في الرجل، و المرأة تسبغ هذه الصفة على الحبيب و الزوج و الابن و الأخ و الأب" ص252
بالله هل هذا تحليل مقنع لسبب انجذاب المرأة لطول الرجل و مدحه بها!!! ألا يبدو هذا حذلقة في التأويل... هل اعجاب المرأة سببه الإله ود الذي كان طويلا فهي تريد اسباغ صفة الألوهة على رجلها؟ طيب لماذا لم يخطر له أن الناس الذين صنعوا ودا ابتداء، ما صنعوه طويلا إلا لأن صفة الطول محببة في الرجل... يعني أن ودا هذا ما جـُعل طويلا إلا لأن صفة الطول في الرجل تعتبر صفة كمال في ذهنية الناس، و ليس أن الناس تحب الطول في الرجل لأن ودا كان طويلا...
و هذا غيض من فيض هذه الأمثلة التي رفعت ضغطي بتكلفها الشديد...
بأية حال لا أنكر أني أعتبر تناول مواضيع الأساطير و التحليل إرجاعا لها بهذا الزخم يتسم بكثير من المبالغة و الخيال الجامح الذي لا يختلف عن خيالية الأساطير نفسها بشيء... إنما هي مشكلة عقل الباحث حين يكون متخما بالصور و التحليلات و الأساطير التي قرأها فيصير مسقطا إياها على كل شيء، حتى و لو بدا الربط واهيا جدا... أشبهه بمن يعاني البرانويا، حيث يؤول الشخص البرانويد كل شيء حوله و حتى أدق التفاصيل و أكثرها عفوية إلى أمر مقصود و مدبر ضده... و كذلك أعتبر الأسطرة، حيث يتحول كل شيء إلى أمر مربوط بأسطورة ما عن إله ما في زمان ما... و من يدري ربما رفضي للأسطرة الآن قد يحلله باحث ما بأنه و من دون وعي مني، ما هو إلا انعكاس لصورة متأثرة بإله آكل للأساطير اتخذوه قبل خمسة آلاف عام حيث كانت وظيفته افتراس الأساطير و كان له طوطم عند قبائل بين النهرين على شكلٍ لا شكل له، لأن أي شكل هو اعتراف بالأسطرة و اللاشكل كان هو الرمز للقضاء على الشكل... 

على كل، لا بأس بالدراسة...


--

الرجل في شعر المرأة: دراسة تحليلية للشعر النسوي القديم و تمثلات الحضور الذكوري فيه

لمؤلفه السعودي: عمر بن عبد العزيز السيف

دار الإنتشار العربي

 

سلمى الهلالي

2 آذار 2012

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali