الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  جلطة إدراك و الرسالة القشيرية!

 

 

جلطة إدراك و الرسالة القشيرية!

 

 

 

شاهدت مرة مقطعا مؤثرا تتحدث فيه عالمة بالدماغ عن تجربتها مع جلطة بدماغها قد مرت بها... فنتيجة لجلطة في الفص الأيسر من دماغها التي عطلته، بقي فاعلا على أثر هذا فصها الأيمن المسؤول عن الخيال و التجريد، مما جعلها تمر بتجربة روحية عميقة، فشعرت بمشاعر مختلطة من بينها كونها خرجت من جسدها و تماهت مع الكون حيث تلاشت أناها فيه و اتحدت معه و شعرت بسلام مطلق بالغة مرحلة النيرفانا... و في لقاء ثان لها مع أوبرا، و حين سألتها هل رأيت الله لحظتها؟ فقالت: لقد أحسست أني أنا الإله!! و هنا أوبرا استدركت حتى لا يفزع المشاهدون من هذا الكلام، لتصيغ الجملة بطريقة أخرى، من كونها قصدت بأنها امتداد للإله... و لكن الجملة قيلت، و بعيدا عن تأويلات أوبرا للخروج مما يمكن أن يسببه مثل هذا الكلام من انتقادات، فالبرفسورة كانت تؤكد طوال الوقت على فكرة بأن شعورها بالأنا التي تميزها و الحدود التي تفصلها عن باقي المكونات كان قد تلاشى تماما _و ذلك لأن مصدره الفص الأيسر من الدماغ و الذي كان مصابا_ و استبدل بشعور تماهيها بذلك الفيض الكوني بحيث لا تستطيع تمييز أناها عنه فصارت و إياه شيئا واحدا، و الذي مصدره الفص الأيمن النشط...
المقطع استوقفني كثيرا، فهو استحضر لذهني فكرة لطالما فكرت بها و أقلقتني و هي بمثابة الهاجس الشخصي... ألا و هو الوقوع بالوهم... فالدماغ قادر على إيهام المرء بأشياء كثيرة تتجاوز حدود المنطق... مع أنه واقعيا و في العالم الخارجي غير صحيح... لكن الدماغ لديه قدرة هائلة على جعلك تعيشها حد التصديق... و بعض الناس قابليتهم للشطح و التوهم أكثر من غيرهم و من دون الوقوع بالجلطات... أنا أنموذجا... فما هو السبيل أو الحل حتى لا يشطح الذهن كثيرا...
لطالما فكرت أن السر في كلمة التوازن... و في هاجسي هذا وجدت أن تنشيط الحس المنطقي، و إجراء محاورات منطقية في رأسي حول بعض الأفكار الفضائية التي تتسكع فيه، أفضل حل لموازنة هذه القابلية...
و هذا يقودني للتفكير حين يأتي الأمر للإيمان، أن الضوابط من قبل الخالق ما وجدت عبثا... فهي وقاء من أن يشطح بذهنه كثيرا و يقع في الوهم، بحيث يبقى متوازنا... فكلما حلّق _و التحليق لا حدود له حقيقة_ حتى كاد أن يتوه أعادته الضوابط إلى حدود المنطق... مثال على هذا، قد تبين لي بالتجربة الشخصية أن المداومة على أداء الصلاة المكتوبة، و إجبار المرء نفسه على أن يقوم من مكانه إليها و يستحضرها بكل حركاتها في أوقات الذهول، تفيد في إعادة العقل الذاهل إلى الواقع خلال النهار عدة مرات، و هذا من شأنه أن لا يجعل فترات شروده متواصلة بشكل طويل بحيث يخشى أن تصير العودة غير ممكنة بعدها...

و لأن العقول في الإله تحيرت _كما يقال_ و لأن فرط الشوق إليه قد يجعل النفس تكاد تتلف، فهذا أدعى ليحار العقل في هذا الموضوع و عرضة ليتوهم أمورا أكثر... قد تصل إلى أن يضفي المرء على نفسه صفات و مزايا تتجاوز البشر الآخرين... بل ربما ليخال أنه سقط عنه التكليف و انعتق من بشريته و كاد أن يتأله... هذا إن لم يشعر بأنه بات و الإله شيئا واحدا فعلا! و كم أُتي الناس و خـُدعوا من هذا الباب... و لذلك بت لا أثمن العشق الإلهي إلا مع المعرفة بالشريعة حيث لا يستقيم أحدهما بنظري بعيدا عن الآخر، فمحبة للإله من دون التزام بما أمر هي ما يجعله عرضة للأوهام العقلية... فضلا عن أن التجاوز برأيي لا يوحي بمحبة حقيقية للخالق الذي أمره بأوامر فصار يرى نفسه أنه أعلى من أن يستجيب لها و أنه تجاوزها و تجاوز رسول الله نفسه الذي كان مأمورا بالالتزام بها مثل بقية المؤمنين...
و لذلك كنت أبحث عن كتاب عن التصوف المعتدل الخالي من الشطحات و الطلاسم التي لا أستسيغها فتجعلني غير قادرة على أن أعيش تجربة روحية أحلق معها و أشعر بها... فقادني مترجم منطق الطير في دراسته القيمة في مقدمة الكتاب إلى الرسالة القشيرية كمرجع مهم للتصوف المعتدل... و هذا من الأمور التي أحبها في الكتب، حين يقودك كتاب لكتاب آخر...
الإمام القشيري على ما يبدو قد كان يسكنه ما يشبه هذا الهاجس مما دفعه عام 1046م لكتابة الرسالة القشيرية، و ذلك نتيجة للتيارات الصوفية التي انتشرت في عصره، حيث بدأ الشيوخ الذين يتبعون طريق التصوف مع العلم الشرعي بالاندراس و بدأ الجهل و الاستخفاف بأوامر الشريعة و قلة المبالاة بالمحرمات يظهر على متبعي هذا الطريق: "ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق و الأحوال، و ادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال، و تحققوا بحقائق الوصال، و أنهم قائمون بالحق، تجري عليهم أحكامه، و ليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب أو لوم، و أنهم لو كوشفوا بأسرار الأحدية، و اختطفوا عنهم بالكلية، و زالت عنهم أحكام البشرية، و بقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية، و القائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، و النائي عنهم سواهم فيما تصرفوا بل صُرفوا"
و بسبب ذلك كله و خوفا من إنكار هذه الطريقة برمتها لأجل ما يقترفه هؤلاء المخالفون، و خوفا من ازدياد التمادي و الاغترار و الشطط و اشفاقه "على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده، و على هذا النحو سار سلفه"، انبرى صاحبنا القشيري إلى تأليف هذا الكتاب، يجمع فيه أقوال شيوخ هذه الطريقة الأوائل و الثقات منهم و تعاريفهم و مصطلحاتهم و أحوالهم. فكانت هذه الرسالة القشيرية من أشهر أمهات الكتب في علم التصوف.
تفاءلت بالرسالة كثيرا، و قلت في نفسي يبدو أن هذا هو الكتاب الذي تبحثين عنه يا بنت يا سلمى، و خصوصا أنه في مقدمة المحققين ذكرت أبيات رائعة من نظم القشيري أخذت بلبي كثيرا و جدا، فهي تمس الموضوع الذي أريد القراءة فيه تماما:
يا من تقاصر شكري عن أياديه ... و كلَّ كل لسان عن معاليه
وجوده لم يزل فردا بلا شبه ... علا عن الوقت ماضيه و آتيه
لا دهر يخلفه لا قهر يلحقه ... لا كشف يظهره لا ستر يخفيه
لا عد يجمعه لا ضد يمنعه ... لا حد يقطعه لا قطر يحويه
لا كون يحصره لا عين تبصره ... و ليس في الوهم معلوم يضاهيه
جلاله أزلي لا زوال له ... و ملكه دائم لا شيء يغنيه

لكن حين ابتدأت بالكتاب صار الحماس يخف شيئا فشيئا... فالكتاب كما قلت هو عبارة عن جمع لتعاريف القوم و أقوالهم حول بعض المصطلحات و المعاني و الأحوال كالصحو و السكر و الحال و التجلي و المكاشفة و الوقت و الصحبة الخ... يعني هو أقرب ليكون حديثا عن علم التصوف، و إن كان لا يمكن أن يطلق عليه كونه علميا بالمعنى الدقيق فالتعاريف ليست منضبطة أو جامعة مانعة، إنما هي مجرد جمع لأقوال و تجارب هؤلاء الشيوخ حول هذه التعابير و الأحوال... و أنا لم أكن أبحث عن مسميات و تعاريف، و إنما كنت أبحث عن شيء آخر، شيئا ملهما، شيئا خارقا، شيئا لا أدري ما هو، شيئا يشبه تلك الأبيات التي تفاءلت بافتتاحيتها... لأني لو كنت أدري ما هو لما كنت أبحث عنه و لكنت قرأته...
و كعادة كل الكتب التي لا تذهل بها و أيضا لا تكرهها، فقد أعجبتني بعض الأقوال و لم أتفق مع بعضها الآخر و لم أفهم بعضا ثالثا و لم أملك أدنى شعور أو رأي تجاه البعض الرابع و قد كان هذا هو البعض الأكثر... بمعنى أن الكتاب تحول في داخلي من كتاب كنت أود أن أعيش معه شعورا ما، إلى كتاب عادي أتمه لأني ابتدأت به مع بعض اللمحات الجميلة التي تمر بين فترة و أخرى... و إليكم بعض ما أعجبني...
- سئل أحمد الجريري عن التصوف، فقال: الدخول في كل خلق سني، و الخروج من كل خلق دني.
- يقول سمنون أيضا قولا جميلا جدا: ذهب المحبون لله تعالى بشرف الدنيا و الآخرة لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "المرء مع من أحب" فهم مع الله تعالى.
- يروى عن السري أنه قال: المتصوف اسم لثلاث معان: هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، و لا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة، و لا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله تعالى.
- و قال رجل للجنيد: من أهل المعرفة أقوام يقولون: إن ترك الحركات من باب البر و التقوى، فقال الجنيد: إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال و هو عندي عظيم، و الذي يسرق و يزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، و إلى الله تعالى رجعوا فيها، و لو بقيت ألف عام لم أنقض من أعمال البر ذرة.
- قيل لذي النون المصري: بماذا عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، و لولا ربي لما عرفت ربي.
- أحمد النوري قال: من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه.
- يقول ابن مسروق: تعظيم حرمات المؤمنين من تعظيم حرمات الله تعالى، و به يصل العبد إلى محل حقيقة التقوى.

- و أخيرا أختم الاقتباسات بهذه الأبيات الآسرة:
عجبت لمن يقول ذكرت إلفي ... و هل أنسى فأذكر ما نسيت
أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... و لولا حسن ظني ما حييت
فأحيا بالمنى و أموت شوقا ... فكم أحيا عليك و كم أموت
شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشراب و ما رويت


بأية حال لا بأس بالكتاب لمن يحب الإطلاع على تعاريف المتصوفة الأوائل لبعض المعاني... و أختم بعبارة مشهورة تختصر لسان حال القشيري في رسالته:
كان التصوف في صدر الإسلام مسمى لا اسم له، ثم صار اسما لا مسمى له...
 

---

و هذا هو المقطع: Stroke of insight - Jill Bolte Taylor

 

--

الرسالة القشيرية

لمؤلفها: عبد الكريم القشيري

تحقيق: علي عبد الحميد بلطه جي _ معروف زريق

دار الخير



 

سلمى

قرئ في تموز 2011

كتب في تموز 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali