الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الدر المنثور في التفسير بالمأثور

 

 
 

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

للسيوطي

 

 

مقدمة عامة

 

كتاب الدر المنثور للتفسير بالمأثور، من تأليف السيوطي رحمه الله، حيث عمد إلى جمع ما ورد من أحاديث و أقوال للصحابة و التابعين في تفسير الآيات، من دون أن يكتب أي كلمة تنم عن رأي له أو شرح... فهو مجرد موسوعة جامعة...
و بما أن الكتاب عبارة عن جمع، فقد التزم السيوطي بهذه الكلمة بدقة متناهية، فكان أن عمد لجمع كل شيء عثر عليه في الكتب بغض النظر عن مدى موثوقيته، فبدا التفسير محشوا بأحاديث ضعيفة و منكرة و موضوعة و آثار منقولة من الإسرائيليات الخ... ثم إنه قد حذف أسانيدها _التي كان قد أثبتها في تفسير قبله و هو ترجمان القرآن _ تسهيلا للقارئ، ذاكرا في كثير من الأحيان اسم الكتاب الذي نقلها عنه...
و بسبب منهجه الجمعي هذا فإنه لا يمكن اعتبار تفسيره هذا مرجعا جيدا لمن يريد القراءة بالتفسير ابتداء و ليس لديه خلفية عن الموضوع... و لا حتى أنه المرجع الأفضل بالنسبة للتفسير بالمأثور لأنه سيجد الفائدة قليلة، إذ قليلا ما تجد فيه شرحا لكلمة، و بسبب كثرة النقول المختلطة وعدم وجود ترجيح أو ترتيب زمني أو تصنيف أو تبيان للمنسوخ و ما هو مدني و ما هو مكي أو حتى أي رأي أو صوت للمؤلف _فالكتاب مجرد موسوعة جامعة كما قلت_ فإن المرء سيتشتت... لذلك فإنه في هذا السياق يُـنصح بتفسير الطبري لمن أراد مرجعا طويلا مفيدا بالمأثور...


تفسير السيوطي يفيد الباحثين والمتخصصين... و إنما اخترت قراءته ليكون كتفسير رديف وثانوي لتفسير الرازي الذي أقرأ فيه... و رغم أن تفسير الرازي يصنف على أنه تفسير بالرأي إلا أنه شامل للمأثور أيضا، فهو يعتني يذكر أشهر ما ورد من أقوال عن الصحابة و التابعين مع الترجيح، ثم أي من الفقهاء أخذ بقول هذا الفريق أو ذاك، ثم دليل كل و كيفية استنباطهم من الآيات، كما يهتم بدرجة كبيرة بالمعاني اللغوية و القراءات وما ينبني عليها من معان و أحكام، و أيضا بالمسائل الأصولية لكون الرازي أصوليا شافعيا، ثم أشهر ما ورد من أسباب النزول، طبعا كل هذا مع مجادلاته الكلامية مع المعتزلة و أهل الدعوات في عصره، فهو من أئمة الأشاعرة المتأخرين...
و لذلك فإن مهمة تفسير السيوطي بالنسبة لي، هي الاطلاع الموسع على ما كان قد رتبه و صنفه و اختزله الرازي في تفسيره...

تحقيق كتاب الدر المنثور جيد، فالمحقق عمد إلى تخريج معظم الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم _و ليس كلها_ مع الحكم عليها... و لكنه لم يتطرق أبدا إلى البحث في الآثار من أقوال الصحابة أو التابعين نظرا لصعوبة تتبع مدى موثوقية كثير منها، إذ كثير من المراجع التي اعتمد عليها السيوطي قد اندرست و ليس إلا تفسيره هذا يحفظها. و لكن بما أنها ليست مرفوعة إلى رسول الله فتبقى قراءتها للاستئناس... كما عني أيضا بشرح كثير من غريب الألفاظ، و توضيح للقراءات الشاذة...

غرضي من قراءة هذا النوع من التفسير هو أن أعيش الجو العام الذي كانوا يعيشونه و تذوقه بكل ما ورد فيه، أكثر من التدقيق والدخول في التفاصيل ودراسته والتحقق مما فيه... و بما أنه كتبه بمنهج جارف سيل وحاطب ليل _و هذا تعبير اقتبسته من أحد أسماء كتبه_ لذلك فإني أقرؤه بطريقة تتناسب مع المنهج المكتوب فيه و هي طريقة المسح السريع...


و بالتالي فإني لن أتحدث عن كل جزء إلا بكليمات عن بعض مما استوقفني فيها..
.

 

·······

 لسان آدم و الجزء الأول
 

من الفاتحة إلى الآية 141 من البقرة

من الأمور التي استوقفتني في هذا الجزء هو قول ورد عن ابن عباس...
في ص 309 أخرج ابن عساكر عن ابن عباس، أن آدم كان لغته في الجنة العربية، فلما عصى سلبه الله العربية فتكلم بالسريانية، فلما تاب رد الله عليه العربية.
 

مسألة لغة آدم و أصل اللغة من المسائل التي أحب لو أتعمق فيها، _ويحضرني هنا كتاب لذيذ و هو لسان آدم لـعبد الفتاح كيليطو الذي تطرق إليها عند علماء المسلمين_، و طبعا ليس في هذا الموضوع كله شيء ثابت أصلا، و لا هذا القول المنسوب لابن عباس يعتمد عليه. و مسألة لغة آدم و ما كان أصل اللغة و ما هي لغة الجنة و ما هي أفضل اللغات أشبه بليلى التي يدعي كلٌ وصلا بها، فهي من المسائل التي نوقشت كثيرا و اختلف فيها، و ربما أجمل ما مر معي حتى الآن _و لا أدعي قراءة موسعة في هذا المجال_ كلام لابن حزم أجدني أميل إليه كثيرا، حيث أن له رأي ينم عن سعة في الفهم و عمق في التحليل...
 

يقول ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام عن أصل اللغات:
وقد قال قوم: هي السريانية وقال قوم: هي اليونانية: وقال قوم: هي العبرانية. وقال قوم: هي العربية. والله أعلم.
إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حِمْيَر، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها ...
فممن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم.
وأنها لغة واحدة في الأصل. وإذ تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معاً، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل عليه السلام فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده.
والسريانية بلا شك هي لغة إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم.
فالسريانية أصل لهما ...
ولسنا نقطع على أنها اللغة التي وقف الله تعالى عليها أولاً، ولا ندري لعل قائلاً يقول: لعل تلك اللغة قد درست البتة وذهبت بالجملة أو لعلها إحدى اللغات الباقية لا نعلمها بعينها، وهذا هو الذي توجبه الضرورة ولا بد مما لا يمكن سواه أصلاً، وقد يمكن أن يكون الله تعالى وقف آدم عليه السلام على جميع اللغات التي ينطق بها الناس كلهم الآن .
ولعلها كانت حينئذ لغة واحدة مترادفة الأسماء على المسميات ثم صارت لغات كثيرة، إذ توزعها بنوه بعد ذلك، وهذا هو الأظهر عندنا والأقرب، إلا أننا لا نقطع على هذا كما نقطع على أنه لا بد من لغة واحدة وقف الله تعالى عليها، ولكن هذا هو الأغلب عندنا، نعني أن الله تعالى وقف على جميع هذه اللغات المنطوق بها، وإنما ظننا هذا لأننا لا ندري أي سبب دعا الناس ولهم لغة يتكلمون بها ويتفاهمون بها إلى إحداث لغة أخرى، وعظيم التعب في ذلك لغير معنى ...
 

وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات.
وهذا لا معنى له لأن وجوه الفضل معروفة ، وإنما هي بعمل أو اختصاص ولا عمل للغة؛ ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة، وقد قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وقال تعالى : {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
فأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه صلى الله عليه وآله وسلم لا لغير ذلك.

وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع.
قال أبو محمد: وهذا جهل شديد لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها، فهي عنده في النصاب الذي ذكره جالينوس ولا فرق.
وقد قال قوم: العربية أفضل اللغات لأنه بها كلام الله تعالى.
قال أبو محمد: وهذا لا معنى له، لأن الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه.
وقال تعالى: {إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وقال تعالى : {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه.
وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور، وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.

وأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم عندنا إلا ما جاء في النص والإجماع، ولا نص ولا إجماع في ذلك، إلا أنه لا بد لهم من لغة يتكلمون بها، ولا يخلو ذلك من أحد ثلاثة أوجه ولا رابع لها: إما أن تكون لهم لغة واحدة من اللغات القائمة بيننا الآن، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذا اللغات، وإما أن تكون لهم لغات شتى: لكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع بأنهم يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة في القرآن عنهم، أو بغيرها مما الله تعالى أعلم به.
وقد ادعى بعضهم أن اللغة العربية هي لغتهم، واحتج بقول الله عز وجل: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
فقلت له: فقل إنها لغة أهل النار لقوله تعالى عنهم أنهم ... قالوا : {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فقال لي: نعم، فقلت له: فاقض أن موسى وجميع الأنبياء عليهم السلام كانت لغتهم العربية، لأن كلامهم محكي في القرآن عنهم بالعربية، فإن قلت هذا كذبت ربك، وكذبك ربك في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
فصح أن الله تعالى إنما يحكي لنا معاني كلام كل قائل في لغته باللغة التي بها نتفاهم، ليبين لنا عز وجل فقط، وحروف الهجاء واحدة لا تفاضل بينها ولا قبح، ولا حسن في بعضها دون بعض، وهي تلك بأعيانها في كل لغة، فبطلت هذه الدعاوى الزائغة الهجينة، وبالله تعالى التوفيق .

 

قرئ في كانون الأول 2011

كتب في أيلول 2013

 

·······

الجزء الثاني
 

الكلام عنه مؤجل لوقت آخر إن شاء الله

 

·······

 الجزء الثالث
 

الكلام عنه مؤجل لوقت آخر إن شاء الله

 

·······

الجزء الرابع
 

الكلام عنه مؤجل لوقت آخر إن شاء الله

 

·······

الجزء الخامس
 

الكلام عنه مؤجل لوقت آخر إن شاء الله

 

·······

دماثة الأنبياء و الجزء السادس
 

سورة الأنعام و الأعراف:
- في هذا الجزء كان هناك سرد متتال لقصص الأنبياء... و لاحظت أن الجامع المشترك بينهم هو حسن الخلق و التواضع و التلطف و الحلم و الصبر على الناس بطريقة أذهلتني، فنحن في عصر متوحش كل ما فيه قاس و ظالم و متكبر بالكاد نشعر بهذه الأمور، مما جعلني تأثرت بالقصص كثيرا و دهشت، لأن هذه الرحمة و اللطف هو أمر أكبر من قدرة استيعاب شخصية ضيقة الصدر انعزالية مثلي: من بينها هذا الحديث العظيم الذي روي عن رسول الله و أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه و سلم يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه و يقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
و أيضا قول ورد عن وهب بن منبه في وصف ورد عن رسول الله في الكتب القديمة: لا يجزي بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح و يغفر، رحيما بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة و يبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق و لا متزين بالفحش و لا قوّال للخنا، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته...
لذلك واحدة من أحب الكلمات في العربية لقلبي هي الدماثة و دمث، و هي كلمة قليلة الاستخدام في حياتنا لسوء الحظ... حقيقة ما عرف صدق الأنبياء بين أقوامهم إلا بحسن أخلاقهم... و لذلك لا كمال لامرئ إلا بحسن خلقه... عفى الله عني و عساه لا يجمعني إلا بأحاسن الناس أخلاقا...
 

- استوقفني أيضا مطولا هذا القول:
عن عبد الله بن عمرو الذي أخرجه الحاكم و صححه: يأتي على الناس زمان لا يبقى مؤمن إلا لحق بالشام.
يعني محاولة للتفاؤل أنها إن شاء الله لن تخرب و ستفرج و ستكون ملاذا للناس يوما... لكن الله أعلم متى...
 

- و أيضا هذين القولين أضحكاني قليلا و شعرت أن الجماعة معهم حق:
عن نافع أن ابن عمر كان إذا سافر أخرج معه سفيها يرد عنه سفاهة السفهاء.
و روي أنه جاء رجل استطال على سليمان بن موسى و سليمان ساكت، فجاء أخ لسليمان فرد عليه، فقال مكحول: لقد ذل من لا سفيه له.


- و أخيرا أذكر ملاحظة بشكل عام في هذا التفسير و ليس في هذا الجزء خاصة، أن المتقدمين في تفاسيرهم كانوا يحبون تناقل الاسرائليات و القصص ذات النفس الأسطوري من الأمم السابقة، أكثر من محاولة البحث في معاني الكلمات أو استخلاص منهج ما أو مسألة ما... و هذه القصص تقل في التفاسير المتأخرة...
و قد قرأت أيضا لأحدهم نفس الملاحظة حيث ذكر أنه كان لديهم حب للتفاصيل و القصص والجزئيات و الأمثلة، و ابتعاد عن الكليات و المجردات...
لا أدري لماذا، أو ما تفسير هذا الأمر بعد... هل السبب أن الناس صارت أكثر تعقيدا و رغبة في التجريد و أكثر تشكيكا، فصارت تبتعد عن تلك القصص _حيث أنها ليست بذات جدوى من الناحية العلمية، و إن كانت مسلية_ و تهتم باستنباط المناهج و المسائل و البحث في المواضيع الأكثر عمقا؟

مدري ليه على كل...
 

نيسان 2014

·······

الجزء السابع
 

الكلام عنه مؤجل لوقت آخر إن شاء الله

 

·······

نوح في القرآن و الإسرائيليات و السينما (ج8)
 

من سورة هود إلى الحجر:

في هذا الجزء قد عشت مع الأنبياء تارة أخرى، الدماثة و الرحمة و الاحتواء و محاورة الناس مرات و مرات بصبر و تحمل أذاهم و قلة أدبهم دون كلل... باختصار إنما هم الأخلاق متجسدة بأكمل صورها... ما جذبوا الناس ابتداء إليهم إلا بكرم أخلاقهم و نبلهم و تواضعهم...
و لاحظت أن السخرية و الاحتقار دائما يبادر بها الطرف المقابل لهم من الكافرين أو الجاهلين أو الجاحدين، فجعلني هذا أعيد النظر في سخريتي، و أخفضها لحدودها الدنيا... فإن هذا الأسلوب على ما يبدو لم يكن منهجا نبويا...
و كيف للقلب أن يقرأ عنهم و لا يحبهم و يتعلق بهم، و نحن في عصر حرمنا فيه من حضورهم النبيل و ابتلينا بالقسوة و تشبعت حواسنا منها حتى جعلت قلوبنا متفحمة و صدورنا ضيقة...
و في هذا الجزء تأثرت بقصة سيدنا نوح عليه السلام كثيرا و انتبهت لأمور كنت عنها من الغافلات...
قالَ يا قَومِ أَرَأَيتُم إِن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي وَآتاني رَحمَةً مِن عِندِهِ فَعُمِّيَت عَلَيكُم أَنُلزِمُكُموها وَأَنتُم لَها كارِهونَ ﴿٢٨﴾ وَيا قَومِ لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ مالًا إِن أَجرِيَ إِلّا عَلَى اللَّـهِ وَما أَنا بِطارِدِ الَّذينَ آمَنوا إِنَّهُم مُلاقو رَبِّهِم وَلـكِنّي أَراكُم قَومًا تَجهَلونَ ﴿٢٩﴾ وَيا قَومِ مَن يَنصُرُني مِنَ اللَّـهِ إِن طَرَدتُهُم أَفَلا تَذَكَّرونَ ﴿٣٠﴾ وَلا أَقولُ لَكُم عِندي خَزائِنُ اللَّـهِ وَلا أَعلَمُ الغَيبَ وَلا أَقولُ إِنّي مَلَكٌ وَلا أَقولُ لِلَّذينَ تَزدَري أَعيُنُكُم لَن يُؤتِيَهُمُ اللَّـهُ خَيرًا اللَّـهُ أَعلَمُ بِما في أَنفُسِهِم إِنّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمينَ ﴿٣١﴾ قالوا يا نوحُ قَد جادَلتَنا فَأَكثَرتَ جِدالَنا فَأتِنا بِما تَعِدُنا إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقينَ
لم أستطع تخيل مقدار الصبر و التحمل و طول البال، حتى استطاع أن يدعوهم و يحاورهم و يجادلهم طويلا و بنفس النبرة المشفقة عليهم و هو الذي عاش قرونا مع هؤلاء، و واحدنا بالكاد يتحمل نفسه و خاصة في هذه الأوقات العسيرة ما يلبث أن يبدأ بالشتم و القرف من الجميع و البصاق على البشرية، بينما هو لم يخرج عن طوره أو يكل... كيف استطاع تحملهم كل هذا الوقت؟


و قد كنت قلت سابقا أن الإسرائيليات تكثر في هذا التفسير لأنه ناقل عن ما أثر عن الصحابة و التابعين، و أنه يلاحظ حب المتقدمين للتفاصيل و الجزئيات فيما يتعلق بالقصص القرآنية و ابتعادهم عن الكليات و المجردات، و لذلك أحبوا الإسرائيليات و تناقلوها و سألوا عنها و أكثروا منها، و التي تراجع ذكرها في التفاسير المتأخرة مشككين بها حتى كادت أن تختفي...

ففي هذا الجزء قد جادت القريحة في هذه الإسرائيليات في معرض الحديث عن قصة سيدنا نوح و سفينته و أنواع الحيوانات و ما حصل بينها الخ... و لا ينكر المرء أنها مسلية، طالما أنه واع لكونها مجرد إسرائيليات... و لكن قراءتها جعلتني أنتبه لفكرة جديدة... فبالنظر إليها تستشعر مدى الفرق الشاسع بين طريقة القص القرآنية و بينها... و ليس الأمر بسبب اللغة فقط حتى يقال أن تلك مترجمة و هذه عربية مبينة، و لكن الأمر عائد للأسلوب بشكل أكبر، فالقرآن في قصه يركز على العبر الأخلاقية، و على ربط كل فكرة بالخالق و بالدرس الذي يمكن أن يستخلص منها و بالتذكير بمقام الإنسان الوجودي كمخلوق، بحيث تكون القصة واسطة لنقل الفكرة، و لذلك لا تكثر التفاصيل في القص القرآني إلا بقدر ما يوضح الفكرة، مازجا بين التجريد و التمثيل في كل آية تقريبا بحيث تتعلم منها كيف تستخرج التجريد من التجسيد، و الكلي من الجزئي، و الحكمة من الحدث... بينما الإسرائيليات تجعل الفكرة و المقصد هي القصة بجزئياتها و تفاصيلها الكثيرة... و كأنك تعيش أسطورة... فتنسى أنها قصص أنبياء مذكورة للعبرة... و لا تكاد تدرك حكمة منها سوى أنها مسلية...
و لو كان هذا القرآن قد ألفه رسول الله من نفسه أو علمه إياه أحد من ذاك الزمان، لكان أسلوبه في القص سيشبه الإسرائيليات التي تناقلها الصحابة و التابعون، فعنايتهم بها دلالة على ما يعكسه الجو الثقافي و طريقة التفكير تجاه الحدث حينها... إذ كلما كان الناس أقرب للبساطة و الفطرة كلما كانت الجزئيات أكثر عنايتهم... و كلما صار الناس أكثر تعقيدا كلما طلبوا التجريد أكثر... لكنما طريقة القص القرآنية أتت متجاوزة في أسلوبها للزمان و المكان... لأنها من لدن الخالق الحكيم...
 

و لهذا أيضا حين يروي قصة سيدنا نوح رجل ملحد معاصر متشبع بمادية عصره و أرضية المنطلقات و عنجهية القوة و بهرجة الاختراعات فإن النتيجة ستكون مثل فيلم نوح لـ دارين أرنوفسكي... فيلم مبهر بصريا و ثقيل نفسيا و متوحش حسيا و منزوع الروح... فهو يصور نوح على شكل رجل عصابي مهووس أشبه بقائد في المارينز ينفذ أوامر قيادته التي تبدو بلا معنى، و بكل قسوة و حرفية في ترك أهل الأرض يفنون من دون سبب حتى، و ليس من معيار للنجاة سوى كونه من أسرته غير الممتنة... ثم و بعد أن ينتهي من مهمته الفظيعة، يصاب بانهيار عصبي لأنه لم يحتمل قسوة إله لا يعرف الرحمة و وكله بفعل ما فعل، حتى صار مدمنا للكحول عله ينسى ما اقترفت يداه...
فهل كانت هذه قصة نبي مرسل لقومه ليهدي الناس و صبر عليهم قرونا حتى ملوا منه و من هدايته، و هو يجادلهم و يؤذونه، و مبعوث من قبل خالق معيار التفاضل عنده الإيمان و العمل الصالح و ليس النسب لفلان من الناس؟ أم أنها كانت قصة جندي أمريكي عائد من إحدى حروبها في العالم؟
و لكن أنى لشخص لا يعرف من نشر القيم إلا على الطريقة الغربية المتوحشة، أن يتصور معنى رحمة الأنبياء و طاقتهم الربانية بالحب و الاحتواء و نشر الهداية... يظنهم مثل جنرالات الحروب...

و هكذا يتجسد مفهوم المصلح في عصر عبادة المادة إلى جبار في الأرض...


صحيح أن سيدنا نوح قد دعا على قومه في نهاية المطاف، و لكن بعد ماذا؟ بعد كم عقد أو قرن؟
ورد في التفسير تحت آيات سيدنا نوح، ما رواه عبد الله بن مسعود و أخرجه البخاري قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه و سلم يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه و يقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون...
قال ابن حجر يحتمل أنه نوح، فقد ورد من طريق آخر: أن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
 

إذن حين يرويها القرآن يتضح بجلاء كيف يريد لنا أن نتعلم من القصة كيف نتسامى، رابطا دائما عالم الشهود بالغيب، حتى لا ننسى العبرة من كل ما يحدث، دافعا إيانا للتطور الأخلاقي نحو الأعلى...
و حين يرويها الخلق فإنهم يغوصون في الجزئيات، و يثقلونك للأرض، فلا يبقى من مقصد سوى التفاصيل، حتى تنسيك أو تغرقك...
 

على نوح السلام و على بقية رسل الله، و جمعني بهم جميعا و جعلني بصحبتهم عند المليك المقتدر...

 

3 حزيران 2015

 

·······

 

 

----

الدر بالمنثور في التفسير بالمأثور

لمؤلفه: جلال الدين السيوطي

تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي

مركز هجر للدراسات والبحوث
 

 

سلمى

 

 

· مقدمة عامة

· لسان آدم والجزء الأول

· ج2

· ج3

· ج4

· ج5

· دماثة الأنبياء والجزء السادس

· ج7

· نوح في القرآن والإسرائيليات والسينما (ج8)
 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali