الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> فكرة متوحشة!

 

 

فكرة متوحشة!


 

منذ فترة و فكرة متوحشة تراودني عن نفسها و أنا أقاومها جاهدة. تريد أن أكتبها و أنا أدافعها... تلح لأخرجها و أنا أبعدها... تقتلني لألفظها و أنا أحاربها... تلاحقني لأظهرها و أنا أهرب.. و لكن بلغ السيل الزبى... فقد استشرست و لم أعد قادرة على اخمادها و لا ردها بعد أن مد بول أوستر يده و عصف بها... أعلم أنها متوحشة، و ربما أخاطر ببرستيجي الظريف أمامكم... و لكن عذرا منكم... فالتوحش لا يولد إلا توحشا... و لا يمكن لمن يعايش مجتمعا سقيما بأفكاره ألا يطاله على الأقل رذاذه...
ابتدأت الحكاية مع فيلم اسمه Funny Games

 

ألعاب مسلية


شابين قاتلين يقتحمان حياة أسرة صغيرة مكونة من زوجين و طفلهما تمكث في بيت صيفي ناء... يحتجزان الأسرة و يبدآن بتعذيب أفرادها أمام بعضهم بعضا، وفقا لقوانين لعبة معينة يلعبانها... ثم يقتلونهم جميعا... و ينتهي الفيلم بذهاب الشابين لأسرة جديدة ليتسليا بها...
قد كان من الممكن أن يكون مجرد فيلم رعب تافه و لا معنى له... و رغم أنه بهذا السيناريو فقط قبيح جدا... إلا أنه ما كان سيولد لدي فكرتي المتوحشة بمثل الشراسة التي ولدتها إحدى اللقطات... حيث أن الأم استطاعت أن تمسك ببندقية و تطلق النار على أحد الشابين فترديه... و هنا و في هذه اللحظة، أتعلمون ما كانت ردة فعل الشاب الآخر؟
إذ به يخرج من جيبه جهازا للتحكم عن بعد و يعيد المشهد من أوله... و يمسك البندقية قبل أن تأخذها... ثم يستمر الفيلم كما قلنا...
لبثت أفكر طويلا بعد الفيلم... أن ما المعنى من هذا الأمر؟ و كأن هذه الشخصيات متوهمة أو هو عالم افتراضي... و الشابين هم من خلق أفراده ليلعبا و يتسليا بهم... هل كان من غرض يمكن فهمه جراء هذا السيناريو سوى التسلية الهمجية؟ خلق شخصيات لأجل التلذذ بتعذيبها... هل هناك من حكمة من كل هذا الفيلم سوى التسلية المتوحشة؟ هذا التوحش الذي لا يثير فيك إلا أخس المشاعر فيثار توحشك؟ بل لم أستطع التفكير بأن العائلة ستقتص من ظالميها في الدار الآخرة... لأن الفيلم لا يقدمهم على أنهم أفراد قد حصل لهم ما حصل حتى أستأنس بفكرتي تلك، و إنما هم مجرد لعبة متخيلة...
حتى أن الفيلم لم يرق للعبثية، فحتى العبثية هناك معنى تحمله في طيات الفوضى المفتعلة فيها... ألا و هو نزع المعنى من الكون أو عدم القدرة على فهمه... أعني ممارسة فعل واع من قبل المؤلف للتشكك بوعي مؤلف الكون... و رغم سخرية الفكرة و تناقضها مع ذاتها... إذ يبدو العبث الوجودي قد ولّد أفرادا عاقلة تأبى على نفسها العبث و تبحث عن معنى، و تتقصد من وراء فعالها الحكمة حتى لو كانت هي الحديث عن العبث الوجودي... و اللامعنى قد ولد المعنى... و رغم تعسف معتنقيها بإضفاء الحكمة على أفعالهم و سلبه عن أفعال منشئ الكون... أقول الفيلم لم يرتق لهذا المستوى حتى. و إنما غرضه فقط هو التسلية... التسلية الحيوانية المحضة.
فإن كان مؤلفهم قد فعل هذا بهم، فمنذا الذي ينتقم لهم؟
و إذ بي أشعر بأني أمتلئ كراهية تجاه الشابين بل تجاه المؤلف و راحت تلك الفكرة المتوحشة ينعق صداها داخلي...
و الحقيقة أني في البداية أنكرتها... و كدت أنجح بوأدها... لولا أنها ظهرت ثانية و بقوة بعد أن قرأت رواية بول أوستر
Paul Auster رجل في الظلام Man in the Dark:

 

رجل في الظلام        بول أوستر


رجل مسن مستلق في غرفته ليلا... و حتى يبدد شعور الأرق الذي ينتابه اعتاد أن يحكي لنفسه حكاية... الحكاية هذه المرة عن شاب وجد نفسه فجأة في عالم مواز آخر، تسوده الحرب... هذا الشاب توكل إليه مهمة قتل مؤلفه _أعني العجوز المستلق في غرفته ليلا الذي يفكر فيه و يقص على نفسه قصته_ لأن الناس في حكاياه قد ضجوا من تعسفه، فهو قتل الملايين لأجل فقط أن يسلي نفسه ليلا، و العجوز يفكر بهذا السيناريو كنوع من التلاعب بفكرة الانتحار بطريقة مسلية... و بعد أن ندخل عالم الشاب و نعايش تحطم حياته لدخوله هذا العالم الموازي و نعاين تردده و حيرته... و مراوحته بين عالمه الأول و هذا الثاني... و إذ فجأة تخترق رصاصة عينه و يموت و تنتهي الحكاية... و يتحول الرجل في الظلام لحديث تافه عن ذكرياته مع حفيدته...
كدت أنفجر غضبا... أن ما هذه الهمجية... قد خلق شخصية و عذبها و أكدحها و ظلمها، ليقتلها كما قتل قبلها الملايين فقط ليزجي وقته ليلا... ليس هناك من فصل آخر... ليس هناك من استدارك... ليس هناك من وعد بجزء آخر... إنما مجرد شخص أنشأه من العدم ليتلذذ بتعذيبه ثم يعيده للفناء...
و حينها شعرت بأن فكرتي المتوحشة انفجرت منتصرة لذاك الشاب، لكل الملايين التي قتلها ذاك العجوز، لتلك الأسرة، بل لكل الشخصيات المخلوقة التي تشوهت و عُبث بوجودها... تمنيت من يؤلف شيئا كهذا أن يتأبد في عذابه في الجحيم بمثل ما أبد به عذاب شخصياته و أفناها و جعلها تتكرر إلى المالانهاية كلما قرأ أو شاهد أحد... نعم تمنيت ذلك من كل قلبي...
و رحت أفكر أنه في حدود القدرة التي أوتيها قد خلق ليتسلى و يلعب بلا هدف سوى العبث بمصنوعاته... فماذا لو أنه كان يملك نفخ الروح فيها...  بل ماذا لو كنت في ذاك العالم... و هنا كاد قلبي ينخلع رعبا
ألا بعدا له من صانع!

و حينها حمدت الله أنه هو خالقي و أني صنعه... فشتان بين من يعبث و بين الذي قال: {و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين.}  الأنبياء 16-18
 

لست من ابتدأ التوحش... إنما هم من ولدوه فيّ... صدقوني... فأنا كثيرا ما أكون لطيفة عادة... حسنا ليس كثيرا، أعترف... و لكن يعني اعتدت على إخراس هذه الأفكار داخلي... و لكنهم هم لم يخرسوا فكرتهم الشاذة داخلهم، فلِمَ أخرس فكرتي المجنونة؟

فلا تنظروا إلي هكذا... فأنا حانقة منهم كثيرا و جدا...

 

و إن كنتم تظنوني جننت، لأن كل ما قد جرى إنما هو في عالم الأفكار، فسأخبركم أني إنما اقتصصت منهم بفكرتي التي هي في عالم الأفكار أيضا...

 

بأية حال رواية أوستر رواية جميلة و عميقة و فيها حوارات ذكية، و أوستر بارع في التنقل بين العوالم المختلفة... و تستحق القراءة، بغض النظر عن امتعاضي من العجوز، و لكن الفيلم لا يستحق المشاهدة...

 

و تبارك الصانع الذي صنعني!

 

أنا صنعني صانع لمنير طرودي

 

 

 

سلمى الهلالي

9/12/2010

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali