|
|
|
الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الطبيب
|
|||||
|
The Physician الطبيب لمؤلفها الأمريكي: نوح غوردون Noah Gordon
رواية... بل هي حيوات مفعمة بالألوان و الأحداث و التشويق و المعلومات... هي قصة الفتى روب.ج البريطاني الذي نشأ يتيما في بيئة القرن الحادي عشر حيث تدرب ليصير حلاقا-جراحا... و لكن حلمه كان أن يسافر لأصفهان ليدرس الطب على يد ابن سينا، و لأن ذلك كان أمرا بدعا و مستنكرا و جرما يستوجب الموت _على زمن حرق الهراطقة_ يتنكر على شكل يهودي حتى يستطيع أن يتدبر أمره...
كل شيء في الرواية يجعلك تعيشه معه لأول مرة... كل شيء يبدو صعبا و غريبا... مخيفا و قاسيا... فجا و مقززا... فاتنا و مدهشا...
حتى أنك لتتساءل كيف لمثل هؤلاء القوم أن يصنعوا حضارة و طبا و ماريستنا؟ روب.ج يكتشف أنه بعد انفتاح اليونانيين الطبي و ما قدموه للدنيا، وقع العالم في الظلمة. ص(504) إذن أين ذهبت انجازات المسلمين بل حتى ابن سينا الذي قاتل الدنيا ليصل إليه؟
كل ذلك لم يبد له أكثر
من تكرار
لليونانيين...
كانون الثاني 2010
إضافة
أود أن أضيف
معلومة، و هو أن النقطة التي ركزت عليها
الرواية و دارت حولها كثيرا من حيث كون
التشريح محرما في الثقافة الإسلامية و كانت
ممارسته جرما، و الأطباء المسلمون لم يعرفوا
تشريح الجسد البشري و إنما اكتفوا بنقل
معلوماتهم فيما يتعلق بهذا المجال ممن سبقوهم
من الإغريق و الرومان، و لكن هذا الكلام كله
غير صحيح بناء على جواب الدكتور سهيل زكار
(المؤرخ السوري) حين سألته عن الأمر...
أيار 2010
----
إضافة جديدة: و الآن بعد مرور أربعة أعوام على قراءة الرواية أحب أن أضيف أمرين: - الأول أني اقتنيت كتابا قيما باسم: التشريح و الجراحة و دورهما في الحضارة الإسلامية لـ محمد كامل جاد، و من طباعة مركز جمعة الماجد للثقافة و التراث... في أحد فصول الكتاب يعرض مسألة التشريح و حكمها و هل كانت موجودة في الحضارة الإسلامية حقا أم كانت ممتنعة... و من الواضح أنه كان هناك خلاف من الناحية النظرية بين أقوال الأطباء أنفسهم الذين تضاربت أقوالهم في أكثر من موضع، مثل ابن النفيس الذي ذكر في مقدمة كتابه "و قد صدنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة و ما في أخلاقنا من الرحمة" ثم في كتابه نفسه ذكر في مواضع كثيرة مزاولته للتشريح: "التشريح يكذب ما قالوه... فإن المرارة شاهدناها مرارا... فكثيرا ما رأيت الأمر على خلاف ما ادعوه أنه صادفوه بالتشريح الذي يدعون أنه تكرر لهم جميعا..." و أما المستشرقون فقد اختار معظمهم أنه كان أمرا ممنوعا في الحضارة الإسلامية، بينما لم يتفق بعض المستشرقين و كثير من الباحثين العرب مع هذا، و اعتبروا أنه كان أمرا متاحا و موجودا ... و الباحث يرجح أنه لم يكن ممتنعا، فليس هناك من فتوى دينية صريحة بالمنع و التحريم و لا ورد عن العلماء الكبار شيء من هذا، بل كان ينظر للتشريح نظر موعظة و إجلال وذكر اقتباسات لبعض العلماء كالغزالي و الفخر الرازي الذي له كتاب التشريح من الرأس إلى الحلق و حديثهم عن عظمة الخلق في تشريح الإنسان، و بالتالي فليس هناك ما يخشاه الطبيب من مواجهة مع الشريعة في هذا السياق، فضلا عن أن الأطباء أنفسهم في تلك الفترة كانوا علماء بالشريعة و بالتالي هم يفتون لأنفسهم بأنفسهم... و إنما سبب تضارب أقوال الأطباء كما يحلل الباحث أن جزءا من الامتناع كان تقليدا متبعا لأطباء اليونان الذين يحرمونه و استمر التقليد لكل من أتى بعدهم، و الآخر هو خوف من سوقة الناس و العامة... بمعنى أنه كان علما عمليا يمارسونه كجزء من المهنة و يوردونه في كتب الاختصاص، و لكنه ليس شيئا يتبسطون به أمام العامة... و ها هو نص صريح بالتشريح من موفق الدين البغدادي: "و من عجيب ما شاهدنا أن جماعة ممن ينتابني في الطب وصلوا إلى كتاب التشريح، فكان يعسر على أفهامهم، فأخبرنا أن بالمقس _اسم مكان بالقاهرة_ تلا فيه رمم كثيرة، فخرجنا إليه فرأينا تلا من رمم له مسافة طويلة يكاد يكون ترابه أقل من الموتى، به نحدس ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفا فصاعدا، و هم على طبقات في قرب العهد و بعده."
الثاني: أني شاهدت الفيلم المقتبس من الرواية الذي أنتج عام 2013
و هو فيلم ممتع، و الصورة فيه قوية بحيث تضعك في جو تلك الأزمنة حقا... و لكن الرواية كانت ممتعة أكثر بكثير، كما أنه يختلف في كثير من أحداثه عنها، و ليس له منها إلا الخطوط العامة، و كأنه إعادة كتابة للحبكة... و لكنه مع الاختلاف في تفاصيل الأحداث، يتشابه مع روايته بذلك النفس الاستشراقي العنصري المسفه الاستعلائي، و نفس الصورة النمطية عن الشرق و الشرقيين... حتى ليبدو و كأن ابن سينا و المدرسة و العلم و كل تلك الانجازات التي قدمها المسلمون ما هي إلا طفرة ظهرت في وسط متشدد و جاهل و فاسق... و الشاه المستبد بدا محقا في قسوته و دمويته بسحق أولئك المتدينين، لأنهم إن تولوا الأمر فسيحرقون كل تلك الحضارة و سيهدمون كل تلك العلوم، فما هذا إلا دين تخلف و عنف و أتباعه يقتلون الحياة أينما تولوا، و الشاه الدموي هو وحده من يحمي الحضارة من عنفهم... هؤلاء هم الشرقيون و هذا هو ديدنهم و دينهم، و لا يفترض إلا أن يعاملوا هكذا... و ما ظهر من نبذة و إشراقات و أفذاذ فيهم ذات مرة، ما هو إلا طفرة بسبب تأثير اليونان عليهم... و هذه النظرة تجدها عند كثير من "مثقفينا" العرب، الذين تجدهم متشرقنين أكثر من شرقنة المستشرقين لهم في كثير من الأحيان... علما بأنه منطقيا لا يمكن أن يظهر علماء و أفذاذ في جو ما و لفترة طويلة، إن لم تكن البيئة هي التي هيئت لهذا الظهور بأفكارها العامة و دينها العام... فهؤلاء العلماء لم يأتوا من المريخ، و إنما هم من وسط أولئك الذين يزدرونهم... و ازدهار العلوم و على مدى قرون هو نتيجة لنظرة معينة تجاه الحياة و ليس طفرة كوردة نبتت فجأة في صحراء جرداء قاحلة... إنما هذا كتاب و فيلم نمطي و تطبيقي لـ ما قصده إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق... و يبدو أمرا مضحكا ما قرأته أن يعتبر فيلم كهذا مصحح و مقرب للعلاقات بين الثقافات المختلفة... و رغم كل الكتابات و الانتقادات و التصحيحيات التي ظهرت في الدراسات الاستشراقية من داخلها... و ظهور كثير من الأبحاث التي تنتقد الاستشراق الكلاسيكي و تعيد دراسة التراث الإسلامي بطريقة أكثر موضوعية و حيادية من قبل كثير من العلماء الغربيين... و من هذه الدراسات حقا ما هو رائع... إلا أن الأفلام و الروايات ما زالت تتحدث بنفس النغمة الاستشراقية السابقة، و كأن شيئا لم يتغير... أحيانا صار يخطر لي شبح سؤال يائس، أحاول جاهدة إبعاده عن ذهني... أن ما جدوى الدراسات الرصينة و الأبحاث و الأفلام الوثائقية إن كانت تخيلات الروايات و حبكات الأفلام و فبركات الإعلام هي ما يؤثر في النهاية و يحرك الناس... على كل لا أحب التشاؤم حاليا... من يبحث يجد و يتعلم... و ربما تكون مثل هذه الأفلام بابا للبحث و الاستزادة من المعرفة، كما حصل معي... --
أيار 2014
سلمى |
|
||||
|
|
|||||
|
|