الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> لا تلتفت إلى الوراء!

 

 
 

 

لا تلتفت إلى الوراء!

 

حين انطفأت الكهرباء ليلا لم أعرف ماذا أفعل، ففكرت بأن أقرأ كتابا سلسلا من اللابتوب قبل أن تفرغ مدخرته. و لأن أحد أصدقاء أخي الذي يعرفون الكثير من الكتب كان نصحني بالطبل الصفيح لغونتر غراس حين قرأ ما كتبته عن رواية القزم ، و كما تعلمون فإن أكثر ما أحبه في الحديث عن الكتب أن الكتاب يجر الكتاب، حتى لتبدو لك أن اللذة التي عشتها مع كتاب لن تنتهي لأن هناك كتاب آخر يعدك بمثلها. و لكن بما أني لا أملكها حال انقطاع الكهرباء، _على كل حتى لو ملكتها فالكهرباء كانت مطفأة و لا فائدة منها_ و لم أستطع أن أملكها في المعرض لعدم اشتراك دار الجمل في هذا العام، أو بالأصح لأنه لم يـُتح لها أن تشترك، و طبعا حتى لو كانت شاركت دار الجمل في المعرض، ما كان ذلك ليفيدني في موقفي هنا حين انقطعت الكهرباء. فقررت أن أقرأ مجموعة قصصية من اللابتوب كان ما جذبني إليها أنه قد كتب عليها بالخط العريض غونتر غراس...
الطيور الخمسة و قصص أخرىـ ترجمة غانم محمود.

 


لأكتشف فيما بعد طبعا أن ليس لـ غراس سوى قصة واحدة من بينهن، و أكون كاذبة إن قلت أني فهمت منها شيئا... و لا أدري ألسبب من الترجمة البئيسة أم من غراس أم من عقلي 
القصص لمجموعة من الكتاب الألمان، معظمهم من أواسط القرن الماضي... و بشكل عام فالكتاب أقل من عادي و الترجمة زادته افتقارا... و لم أجد في القصص ما يلفت، و فكرت أن لولا الكهرباء المطفأة لما قرأت كتابا كهذا، إنما بعضها فقط، اثنتين أو ثلاثة استوقفتني... بل ما كنت لأحدثكم عنه أصلا... فما الذي دعاني لأقص لكم حكايتي معه؟

هي قصة اسمها "من هو الرجل" لـ كورت كوزينبرغ Kurt Kusenberg

كورت كوزينبرغ Kurt Kusenberg
 

رجل استيقظ ذات يوم فلم تميزه زوجته و لا ولده و لا كلبه في الحديقة و لا أصدقاءه، و فيما هو يسير يائسا بعد أن طرد من كل وسطه لا يدري ما حل به أو أين يذهب إذ تناديه امرأة من أحد البيوت بأن ها قد أتيت أخيرا فالطعام جاهز، فيدخل و إذ يناديه الصغير هناك بأبي! و هنا يجلس و يفكر و هو يأكل الحساء أن ها هي أسرة جيدة  و اشعر بالأمان و لا تختلف عن أسرتي السابقة فهل مهم الشخوص؟ و هل اخترت تلك السابقة أصلا؟ بل ربما لم أكن إلا متوهما تلك و لطالما عشت مع هذه!

ثم يقرع الباب رجل فتطرده الزوجة لأنه ادعى أنه زوجها. فيلحقه الرجل و يخبره ألا أدلك على منزل يؤويك؟ و هكذا يدله على بيته القديم... و بعد فترة يمر فيجد أسرته القديمة سعيدة بالرجل الجديد كما هو سعيد مع الأسرة الجديدة... فشعر بالطمأنينة، و انتهت القصة.

استوقفتني الفكرة... إذ كثيرا ما أفكر عن مدى ارتباطنا بآبائنا و أهلينا و كل شيء وجدنا فيه... كان من الممكن أن يوجد واحدنا في مكان آخر و لأهل أخر و في زمن آخر... و لكنه اختير هنا... أشعر أحيانا و كأني شخصية قد وضعت في سياق افتراضي و ربطت بما حولها بعلاقات ما... الأستاذ أبو بكر شبهها لي ذات مرة و كأن واحدنا في لعبة كمبيوتر متعددة المستويات، توضع في افتراض ترسل إليك عقبات، كلما تغلبت عليها ترتقي للمستوى الذي يليه أو تهزم و تنتهي اللعبة...

و هكذا حتى يُرى عملي و كيف أتصرف بناء على الخيارات التي أعطيتها و المواقف التي أتعرض لها...
 

و هنا في هذا المقام أتخيل نوحا و هو ينادي ربه حين ارتفعت المياه و حالت بينه و بين ابنه " فقال رب إن ابني من أهلي و إن وعدك الحق و أنت أحكم الحاكمين"، و لكن الإله صحح له كلامه "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين"
يا نوح  هو ليس من أهلك حقيقة، إنما هو عمل غير صالح، إياك أن تكون من الجاهلين...

قد سمى له ابنه له بأنه عمل... و لطالما فكرت في الكلمة هنا... ابنك هذا هو عمل و ليس أهلك... إنما هو عمل غير صالح...
فمن أهله إذن؟ بل من هو؟ لطالما فكرت...
هل الفكرة قاسية و موحشة؟

ربما للوهلة الأولى تبدو كذلك، و لكن بعد تفكير تجدها مريحة جدا، إذ إن كان المكان و الزمان و من حولك قد كسروك أو تسببوا بانفطار في القلب أو لم تشعر بأنك جزء منهم أو حتى إن فقدتهم، فلا يجزعن المرء كثيرا، فإنما وضعت و اخترت هنا لأن الله أرادك هنا...

و لا يفهمن أني أقصد جحد الأهل بهذه الفكرة، و إنما فقط هو مجرد تفكير فيما هو الشيء الحقيقي... فيما هو الثابت الذي يمكن أن يتكل عليه المرء... حينها سيجد المرء أن الله الذي سواه بيديه و اختاره لذاته هو أهله حقيقة و هو الضمان الوحيد... و حين يعلم المرء ذلك يتخفف من المرارة التي قد يولدها الواقع فيتوقف عن الحقد و يسامح و ينسى و لا يلتفت إلى الوراء... كما أيضا يتوقف عن العنجهية القبلية و العرقية و الشوفينية التي قد ينفخها فيه الواقع بلا معنى... كما يخفف أيضا من الندبة و التفجع على من رحلوا...


بأية حال المرء لا يستطيع أن يشعر بمثل هذا التجرد و الهدوء كثيرا _للأسف أو لحسن الحظ لا أدري_ إنما هي لمحات تأتي و تذهب، فيجلس أحيانا و يتناول الحساء أو ربما الفشار، حسنا لا يهم ما يتناوله حينها صدقوني، لأن المهم أنه و هو في هذه الحالة قد يشعر بالانفصال عما حوله فجأة و يقول: من أنا و من هم؟ و هل مهم الشخوص؟ ثم فجأة ينسى و يعود لحسائه أو فشاره أو ربما الآيس كريم الذي كان بيده، و يعود جزءا من الواقع، و يكمل الحياة...

طبعا الكتاب لم يقلل من رغبتي في القراءة لـ غونتر غراس Gunter Grass

غونتر غراس Gunter Grass

إذا ما زلت راغبة بذلك، و السبب أني قد تعرفت عليه قبلا من خلال قصيدته التي  لحنتها و غنتها له جاهدة وهبة، و مع أني لا أخفيكم سرا أني لا أتذوق كثيرا أغاني جاهدة وهبة، و خصوصا تلك المفعمة بالشاعرية و ذاك النضوج الجياش الذي تعبر عنه أحلام مستغانمي في كتبها و الذي لا افهمه كثيرا و لا أستسيغه، و لكن هذه القصيدة كانت شيئا مختلفا، شعرت بها و كأنها تخاطبني... و كأنها تنطق بلساني...

حين بحثت أكثر وجدت أن غونتر غراس يعتبر الشعراء بهاليل يتقنون الكتابة، بهاليل مهمتهم نقل الحقائق للناس... و ما قصيدته هذه إلا مثال عما يذهب إليه... و اللحن الذي صاغته جاهدة جاء لذيذا جدا و متسقا مع المعنى و روح القصيدة، و كأنه يتقافز أمامنا تقافز حركات البهلول، ليشي لنا بما لا ينبغي الإيشاء به... فجاءت الأغنية كاملة بكل ما فيها... و حينها عرفت سر طربي الشديد بالأغنية...

فمن يقدر البهاليل أكثر من بهلولة كإياهم

 

استمعوا و احكموا بأنفسكم

 

لا تلتفت إلى الوراء

 

لا تمضِ إلى الغابة

ففي الغابة غابة

و من يمضِ إلى الغابة بحثا عن الأشجار

لن يـُبحث عنه بعدها في الغابة

 

دع الخوف

الخوف يعبق بخوف

و من يعبق بخوف يـُشم

أبطال من يعبقون برائحة أبطال
 

لا تشرب من البحر

فمذاق البحر يصبو إلى المزيد

و من يشرب من البحر

سيكون ظمآنا إلى المحطيات وحدها

 

لا تبن لك بيتا

و إلا صرت بيتا

و من يقبع في البيت

يكن بانتظارالزائر المتأخر

ليفتح له

 

لا تكتب رسالة

ستؤول الرسالة إلى الأرشيف

و من يكتب الرسالة

يوقع على بقاياه

 

لا تمض إلى الغابة

لا تشرب من البحر

لا تبن لك بيتا

لا تكتب رسالة

لا تلتفت إلى الوراء

 

على فكرة أحب رؤية صور المؤلفين و المفكرين و الكتاب، و أحب إضافتها في معرض الحديث عنهم... أليس جميلا رؤية شكل من تصدر عنهم هذه الأفكار... مثلا غونتر غراس في صورته تلك ألا يبدو بهلولا غريب الأطوار حقا؟

 

و الله وحده من يعلم إن كان هناك صلة بين أفكاري و شكلي... فلا أحد يستطيع الحكم على نفسه بتجرد تام... و خصوصا أني قد كنت أعرف شكلي منذ وعيت، حتى قبل أن تتشكل أفكاري...

 

سلمى الهلالي

23/09/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali