كتاب البهاليل

                          

 

 

 

                                        

 

    

 

الفصل الثاني

 

أغنية أم فتك؟

كنت محتارة بم أبدا فصلي الثاني، إذ ما أكثر الأفكار المتزاحمة عند التفكير و ما أقلها عند الرغبة بالتدوين... فلم أجد أفضل من أغنية روسية أهديتها و أعادتني إلى أيام قديمة... أيام لا أحب تذكرها و لا الحديث عنها... اللهم إلا بقايا أحلام عتيقة... أحلام عن الأميرات ذوات العيون البندقية و الأمراء الشجعان و الساحرات الشريرات... و غابات بعيدة و مكسوة بالثلوج... بيوت خشبية و متواضعة... جدات سمينات و ظريفات يحكن الصوف و يغطين شعورهن بأوشحة ملونة... أغان و موسيقى تفتن الروح...

قد كنت مدمنة على الأفلام الروسية لليافعين... عاشقة... حتى كدت أحسبني أميرة روسية >> (حسنا أعترف كان أخواي يسخران مني كثيرا لعشقي لهذه الأفلام _التي لا يشاهدها أحد على حد تعبيرهما_، إذ لدى مقارنتها بالأفلام الأمريكية التي كانت تعرض لليافعين أيضا تبدو هذه الروسية رومانسية بزيادة و حالمة، أي مضحكة و ساذجة للصبية في عمرهم)
قد كانت أساطير و حكايا... هل ذلك الركن من العالم كان منسوجا من الحكايا؟ أكانت الرياح لا تحمل إلا أصوات غناء الملائكة؟ أكان الناس هناك لا يحيون إلا حلما؟
هذا ما كان يدور في عقل الفتاة التي كنتها في تلك الفترة...
و أتت هذه الأغنية لتعيدني هناك ثانية... لأتنشق ثانية عبق السحر البعيد...
ذاك البعيد الذي لم يوجد يوما إلا صورة و خيال... و حتى الصورة اليوم قد مزقها الواقع البئيس...
 

فهل لأغنية أن تشلك؟ تأتي على ما قد بقي منك... تدخل و لا تعود بقادر على الخروج... تسرق منك روحك... حتى تفقد قدرتك على النهوض من مكانك... و الرغبة في أن تأكل أو تشرب... تنام أو تصحو... ترى أو تسمع... تشعر أو تفكر... أو حتى تكمل ما بقي من الحياة... لم تعد بقادر أن تكون خارجها... تفقدك رغبتك بكل شيء... بكل شيء... إلا أن تحلق معها و لا تعود أبدا... و ليتك تذهب معها و لا تعود... ليتها تأخذك من الوجود إلى الأبد... قد قبضت روحك و أبقت على جسدك معلقا وحده خاويا هنا...
 

أغنية كانت أم خنجر، لست أدري...

سامح الله من دلني عليها... فقد فتكت بي...

 

Ochi Chernye (Dark Eyes) by Ivan Rebroff

 

أيتها العينان الداكنتان أيتها الشغوفتان

أيتها المتوهجتان أيتها الرائعتان

كم أعشقكما، كم أهابكما

حقا ما رأيتكما إلا في ساعة شؤم

 

العينان الداكنتان، العينان المضطرمتان

تشداني إلى الأراضي البعيدة

حيث يسود الحب، حيث يسود السلام

حيث لا عناء، حيث الحرب محرمة

 

أيتها العينان الداكنتان أيتها الشغوفتان

أيتها المتوهجتان أيتها الرائعتان

كم أعشقكما، كم أهابكما

حقا ما رأيتكما إلا في ساعة شؤم

 

لو أني لم ألتق بكما، لما كنت تجرعت الألم

لكنت عشت حياتي مبتسما

قد حطمتماني يا أيتها العينان الداكنتان

قد سرقتما سعادتي إلى الأبد

 

أيتها العينان الداكنتان أيتها الشغوفتان

أيتها المتوهجتان أيتها الرائعتان

كم أعشقكما، كم أهابكما

حقا ما رأيتكما إلا في ساعة شؤم

 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

حياة الجوكر صعبة*

نعم أنا مختبئة... نعم و متقوقعة... و نعم أهرب من الواقع... و نعم لم أستطع التعايش مع الناس... و نعم أعلنت فشلي في مواصلة الحياة في هذا المجتمع... و نعم أعيش في عزلة مطبقة لا أخرج من بيتي إلا لماما... و نعم أفرض حولي حصنا منيعا لا أدع أحدا يقترب منه... و نعم لم أعد بقادرة على احتمال أن أسمع أو أرى أكثر ما يحدث... و نعم أنا لا أشاهد نشرات الأخبار و لا أعلم قصص المجتمع و لا أحاديث المجالس و لا أريد أن أعلم... و نعم أنا مثالية زيادة عن اللزوم... و نعم تركت فرصا كثيرا لأنها تضاد ما أراه مبدأ لي، أو لأني ببساطة زاهدة بها... و نعم لا أعلم كيف تؤكل الكتف... و نعم لا أتقن كسب النقود... و نعم أنا أتشرط و لن أتزوج أيا كان... و نعم إن لم ألتق برجل مميز يعجبني فبالناقص من الزواج كلو... و نعم لا أعرف كيف أتقافز كالقرود بين السيارات لأعبر شارعا فوضويا ليس فيه إشارة مرور... و نعم لا أعرف كيف ألكز الناس و أدفعهم لأحصل على دوري... و نعم لا أعرف كيف أكاسر بائعا... و نعم لا أعرف أن ألعب بالبيضة و الحجر... و نعم أنا أجفل من الأصوات العالية و الحركات المفاجئة و كثرة الازدحام... و نعم ما زلت أختنق من التلوث في المدينة... و نعم وجهي يحمر لأتفه سبب... و نعم أخجل كثيرا... و نعم أكره وضع مساحيق التجميل ليبهر الناس بقناع جميل لست إياه... و نعم لا أتقن الحديث في الهاتف... و نعم أتلبك كثيرا في المناسبات الاجتماعية... و نعم أكره الحفلات... و نعم لا أحب أن أستعرض نفسي و تتجه الأنظار إلي...  و نعم أفضل لو أصير لامرئية... و نعم أعصابي لا تحتمل كثرة الصراخ و المجادلة و القيل و القال و المشاجرات و المشاحنات... و نعم ما زلت أتأذى من عبارات الشتم و الكلام المؤذي و الجلف في الشارع... و نعم لا أعرف كيف أصرف عني الشحاذ إن التصق بي... و نعم رغم بلوغي الثانية و الثلاثين إلا أن الأمر لم يتحسن كما كانوا يقولون لي... و بقيت حساسة زيادة عن اللزوم كما كنت أبدا... و نعم أعترف أني لم أعد أملك القدرة على المقاتلة في هذه الغابة و لا حتى الرغبة في أن أكون فيها... و نعم لا أحب أن ألتقي بأحد قد قرأ ما كتبت هنا ثم يخبرني عنه...

أم أن علي أن أعيش غصبا وفق معايير هذا العالم المجنون لأفقد عقلي أو رؤياي أو جوهري أو صحتي... أو رغم أنفي علي أن أشغف بدنياهم... أو جبرا عني علي أن أغير طبيعتي لأنها لا تماثل طبائعهم... ثم أصير أكتب أشعارا أندب و أتفجع فيها طوال الوقت... و لا أتحدث إلا عن الكمد و التعاسة... و لا أعدكم إلا فقرا كالشياطين، و ليس عندي إلا الويل و الثبور و البؤس و الشرور... و أعيش مقصوما ظهري بحملي... هذا إن تدبرت أمري و استطعت أن أبقى سوية و لم يصبني العته أو التشوه ككثير من المعتوهين و المشوهين حولنا... و هكذا أصير غير متخفية و ظاهرة و عملية و... ميتة...

ما الفائدة من كل هذا؟ إن كنت أستطيع أن أبني عالما جميلا أستفيء فيه من قيظ هذا الواقع و أجعل الآخرين يتبردون فيه معي، فلم لا أفعل ذلك؟ إن كنت أستطيع أن أطير لمأمن أعلى و أسمى و أشد معي ممن يريد، فلم لا أفعل؟ إن كنت أستطيع أن أبتعد مختبئة فما الذي يضيركم؟

 

 ---

* العبارة من أغنية هلأ تفهمت اللعبة لـ رشا رزق

 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

هل من مشتر؟

أحيانا تصطرع في رأسي أفكار غاية في التطرف و الغرابة... عفوا، هل قلت أحيانا؟... حقيقة أنه معظم الوقت تتقافز هذه الأفكار... و كنت أحسبها طبيعية و تراود الجميع و لكن اكتشفت أني فقط التي اختارتني لتلتصق في رأسي و تصدعني... فماذا لو كان المناخ النكد يسيطر علي حينها، كيف سيكون طعم نبع الأفكار المجنون الذي يستوطن رأسي!

كنت جالسة و الحزن قد ألم بي، و الأفكار تتلاطم يمنة و يسرة... و إذ يخطر لي شايلوك اليهودي في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير، حين حكم عليه القاضي بأن يأخذ رطلا من لحم من استدان منه و لكن من دون نقطة دم واحدة... و لاستحالة الأمر أسدل شكسبير الستارة و انتهت المسرحية... و هنا ثار امتعاضي و كأنها المرة الأولى التي ارى فيها الحكاية... فما كان يضيره لو أخبرنا بطريقة ليأخذ الرطل دون أن يتأذى المدين...

شعرت بأن الأمر يعنيني شخصيا... و لا بد لي من إيجاد الحل... و أعياني التفكير. فكيف السبيل لجعل شايلوك يأخذ هذا الرطل دون أن يؤذي المدين... كيف السبيل... و لكن عبثا حاولت...

قد يتساءل واحدكم لِمَ عناني الأمر فجأة... الحقيقة أني لم أخبركم أنها فكرة أخرى تلك التي قادتني لشكسبير و شايلوكه... حيث كنت اشعر بالتبرم مني كعادتي، و أود لو أرتاح مني... فخطر لي أن أبيعني... نعم أبيعني... إذ لو بعتني فسأتخلص من هذه المخلوقة المزعجة التي تستوطنني... هذه البغضية الممتلئة سوداوية و ثقلا و جبنا... هذه النائية الزاهدة السائمة أبدا... هذه المتعبة دائما... هذه المستوحشة التي لا تستأنس إطلاقا... سأتحرر منها... سأشعر بالخفة أخيرا... بالارتياح... و سينزاح عني ذاك الشعور بالغثيان و الرغبة بإقيائي... و أبقى أنا وحدي كلي سلمى الظريفة أستمتع بي... و أنطلق... و لكني لم أعلم كيف أبيعني منفصلة عني من دون أن أتأذى و أبقي على سلماي الظريفة؟ كيف أفعلها؟ هل من سبيل لذلك؟ هل من سبيل لفصلي عني من دون تعريضي للأذى؟ و هنا خطرت لي معضلة مسرحية تاجر البندقية التي ذكرتها لكم، فلو كان شكسبير قد ذكر حلا لكان من الممكن أن أبيعني أنا أيضا من دون أن أبيعني...

حسنا لا تسالوا عن منطق إن لم تفهموا ما أعنيه... و منذ متى كان للأفكار المتخبطة منطق أو تعليل... فكل ما يمكن أن نعلل به سبب وجودها هو خبطك و التنكيد عليك... و قد أدت غرضها...

و لكن لماذا أتعب نفسي... قررت أن أدع الأمر للمشتري هو ليجد الحل... إن استطاع نزعي من إياي... فسأبيعني و أدفع له فوقي حبة مسك...

و إذ بفكرة سوداء أخرى قدحت لتلطم أختها و ترديها... أن يعني يا سلمى من هذا الغبي الذي سيشتري... يشتري أنت التي أنت زاهدة بها و توشكي على لفظها لو استطعت... حد أن تدفعي لآخذها إن شاء، علّ ثقلها يوضع عنك... منذا الذي يرغب بقيد يكبله و عقدة تعثر به و وزر ينقض ظهره... لك حدا بيجيب الدب لكرمو...

يا لسخفك يا فتاة حين تصطرع في رأسك الأفكار...

فهل أتاكم لماذا أريد بيعي؟ لأني ممتلئة بأفكار تافهة مثل الرغبة ببيعي و التخلص مني دون إياي...

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

أحب

أنا أحب الخضر و الفواكه و الفقمات و القطط و الأشياء الملونة و المدورة...  أنا أحبها لأنها ليست معقدة، لأنها بسيطة، لأنه يمكن فهمها بسهولة، لأن التعايش معها سهل جدا و لا يحتاج لمهارات، لا يحتاج لأن تكون شخصا آخر، لا يحتاج لأن تمثل و تفتعل، لأنك تستطيع أن تحبها و تبقى على طبيعتك... أنا أحبها لأنها لا تشعرني بالفشل، و لا تشعرني بأني مخلوق فضائي... أنا أحبها لأنها تبادلني الحب و تقبلني كما أنا تماما... من دون أن تطلب فهما أو تبريرا، من دون أن تسخر، من دون أن تحاول كسرك لأجل تغييرك لأنك لم تعجبها...

أنا أحبها لأنك تستطيع الوثوق بها و لن تؤذيك أو تخذلك...

فإن كنت حبة خضار أو قطعة فاكهة أو فقمة حلوة أو قطة سمينة أو شيئا ملونا أو مدورا تبحث عمن يحبك و تشعر بالوحشة و تستطيع استخدام الكمبيوتر، فبإمكانك مراسلتي و سيسعدني التعرف عليك و مبادلتك ودا بود...

مع تحيات سلمى محبة الخضر و الفواكه و الفقمات و القطط و الأشياء الملونة و المدورة...

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

النهاية

أود أن أنهي هذا الكتاب إذيانا بفتح جزء ثان باسم (السلماوية)، على شكل مدونة حتى تسهل علي الكتابة... و سأنهي هذا الكتاب بخبرين لامعتادين عني الأول أني لتوي بلغت الثالثة و الثلاثين... و الثاني أني أشعر بأمل لم أعهده قبلا... عسى الله أن لا يخيب أملي...

و شكرا لكل من تابعني
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

هكذا ثرثرت سلمى! كتاب البهاليل

الفصل الثاني:

 

- النهاية

- أحب

- هل من مشتر؟

- حياة الجوكر صعبة

- أغنية أم فتك؟

 

 

 

 

 

الفصل الأول