|

الفصل الأول
1
فكرت
بتأليف كتاب عظيم، كتاب كامل، كتاب
لا تشوبه شائبة، كتاب يشل القارئ و يفقده حضوره، يقلب كيانه و وجوده، كتاب يجعل
حياته لا تستقيم بعده كما كانت أبدا... انتظرت أن تتنزل علي الأفكار... أن يوحى إلي
بتلك العظمة الفنية التي لا تضارعها عظمة... توقفت عن الكتابة و احتكرت الكلمات و
صمتُّ مدخرة أفكاري الخلاقة لكتابي العظيم هذا... انتظرت و انتظرت و انتظرت و لكن
دون جدوى... ما كان ذلك الكتاب العظيم يأتيني...
حتى تبدى لي أخيراً أني سأنتظر طويلا و
ربما أبدا... إذ اكتشفت أني لست بإنسانة عظيمة و أن قارئي العزيز _الذي هو أنت_ ليس
بعظيم أيضا _و إلا لما كنت الآن عالقا تهدر وقتك مع ثرثرتي_ و أن الكلمات التي
تنساب مني لا تبدو عظيمة...
و بما أني لست عظيمة و لا تسكنني الأفكار
العظيمة و أعيش في مجتمع ليس بعظيم قراؤه ليسوا بعظماء لذلك فحري بي أن أكتب كتابا
ليس عظيما... و ريثما أصبح عظيمة و تصبح أيها القارئ عظيما مثلي... فإننا سنمضي
وقتنا بشيء عادي، كاتبة عادية تخاطب قارئا عاديا بكلام عادي... ككل شيء حولنا
تماما... عادي جدا...
سمنضيه بالثرثرة... و هو الشيء الوحيد
الذي يتقنه العاديون مثلي و يفهمه العاديون مثلك...
لا تتوقع تصنيفا و لا تبويبا و لا عنوانا
و لا تاريخا... فقط مجرد ثرثرة... فـ هكذا ثرثرت سلمى!
سلمى الهلالي
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
2
أعاني
من هوس الكمال في انتقاء الكلمات الأنسب... أمحو و أكتب بحثا عنها... و في كثير من
الأحيان أتخلى عن الكتابة نهائيا حتى لا أواجه بحثي المضني... دائما الكلمات أقل و
أبهت مما أردت قوله... دائما ناقصة و غير معبرة... دائما و أبدا...
منذ طفولتي المبكرة و أنا أعاني من هذا
المرض... مرض البحث عن الكمال... أمي دائما تذكرني بحادثة جرت في سني طفولتي الأولى
حين بدأتُ تعلم الحروف... أمي اللطيفة جلست لتساعدني في تأديتي واجبي المدرسي الأول
و الذي هو عبارة عن تكرار عدد من الحروف الأبجدية... كتبت الحرف ثم محوته... ثم
كتبته ثم محوته، ثم كتبته ثم محوته... و في كل مرة أمي كانت تقول جميل... ثم جميل
ثم صار أجمل من كتابتها هي، ثم غضبت و قالت توقفي و أخذت الدفتر مني _أو ربما لم
تأخذه لا أدري فهي التي روت القصة و أنا لا أذكر شيئا كمعظم سني طفولتي و شبابي
الأولي و ذكرياتي_ ... لكني بدأت أبكي _كعادتي_ فأعادت الدفتر غاضبة و قالت: أنت
حرة و تركتني و أنا غارقة بالمحو و إعادة الكتابة... و لا زلت حتى يومي هذا أمحو و
أعيد الكتابة حتى أسأم مني...
في هذه الثرثرة سأخرج عن قاعدتي و أكتب و أثرثر و أجعل الأفكار تتداعى... قالت لي
السيدة نوجا ذات مرة_طبعا هذا حين كنت أودها و أدعوها بنوجا (أو التركيش ديلايت كما
يدعوها المستشرقون turkish delight) و أعتبرها و زوجها المسيو المحترم أبوان آخران
لي_ بلا طول سيرة قالت لي أن كان هناك حركة في الأدب تقوم على تداعي الأفكار: حيث
يسجل الكاتب أفكاره مباشرة دون علامات ترقيم أو عناوين أو شكل أدبي معين... لكن هذا
النوع من الأدب لم يلق رواجا و اندثر...
طبعا لم أخبركم أن كتاب المسيو و الذي ساعدته في كتابته زوجته نوجا مكتوب بهذه
الطريقة إلى حد ما، فخلال مئتي صفحة ليس هناك من عنوان يفصل بين الأفكار... كتاب
فكري يقوم على تداعي أفكار مؤلفها... لم أجده مزعجا بل غريبا... و الغرابة هي ما
يكسر الروتين و ملله... تكسر القوالب الجامدة...
و أنا هنا سيسعدني أن أكسر كل قوالبكم
المتحجرة... فإن لم تشاؤوا أن تكملوا القراءة لتروا ألوانا أخرى و كان الرمادي
يعجبكم... فلا تكملوها... و ابقوا على رماديكم العادي...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
3
بعد
اكتشافي أني مؤلفة فاشلة و طبعا كل الفضل يعود لأستاذي عبودة في إيقاظي... فكتابتي
ليست واقعية و لا تمت للواقع بصلة، كما أن الناس حين تقرأ قصة قصيرة فهي لا تريد
التفكير (و لم أعرف ماذا تريد إذن، الأكل مثلا!) و حياتي ليست جذابة... كان هو مثلي
على حد تعبيره، لكنه تزوج و أنجب أولادا و أعاد أولاده تربيته... طبعا هو قال لي
ذلك حتى آخذ العبرة من حياته و أتعلم على حد تعبيره... و أنا فهمت من يومها أن علي
أن أبحث عن عريس، عن عريس من خيطان على عيون بيت الجيران، علني أصير مؤلفة ماهرة...
أسوأ ما قاله أنه يريد إعادة صياغة بعض القصص لو سمحت له، فكثير من الجمل زائدة لا
معنى لها؟؟؟ لا معنى لها؟؟؟ أنا يقول لي عن جمل لا معنى لها؟؟؟ أجلس أياما و أسابيع
و أشهر و أنا أنقح و أعيد تركيب الجملة عشرات المرات... ثم يأتي أستاذ و بكل بساطة
و يخبرك لا معنى لها... حسنا هل استفدتي مما قلته سألني. أجبته: يعني ما قلته كلام
واقعي...
صحيح كلامه واقعي... لكني لم أكمل الجملة و أخبره بأني أكره الواقعية و أكفر بها و
أحتقرها و أبصق عليها و أشمئز منها و لو كانت الواقعية رجلا لضربته بوكسا على عينه
حتى تزرق...
بالمناسبة هل حولكم من عريس يجعل حياتي جذابة و يجعلني مؤلفة مشهورة و عظيمة؟
كما تقول صديقتي السويدية بربورة أن أستاذي معه حق و أن الزواج سيؤثر بكتابتي... و
هي تحب الزواج... بالله يا بربورة أنك تحبين الزواج؟ و لذلك هي تزوجت بعد الأربعين
حين أسلمت...
في كل عام تأتي مرة لزيارتي... و في كل
عام تسألني مستغربة ألم تتزوجي بعد... أهز برأسي أن لا...
حاولت سؤالي ما المشكلة؟ ماذا أخبر بربورة
يا جماعة؟ كيف ستفهم التخلف الذي في بلادنا... حتى بربورة أذكى امرأة قابلتها
لن تستطيع استيعاب تخلفنا... فالتخلف يحتاج لعقل متخلف ليفهمه و لذلك لا يفهمه أحد
سوانا... أخبرتها أن في بلادنا لا يبحثون إلا عن الجميلات... و أعني بالجميلات
الشقراوات الطويلات... طبعا هي لم تفهم أين وجه الجمال في الشقراوات الطويلات
فالنساء عندهن يكرهن طولهن، فضلا عن أنها سألتني و ماذا يفعل ذلك الشاب لو لم يجد
شقراء... و لكني لم أجد جوابا... و هل من جواب للتخلف؟
حاولت إخبارها أن في بلادنا يتجنبون
المثقفات القارئات المفكرات الكاتبات... طبعا هذه النقطة لن تفهمها أبدا...
حاولت إخبارها أن في بلادنا لا ينظرون
لأبعد من أن يأكلوا و يشربوا و يناموا و يتناسلوا كالأنعام فكيف تقترن بأناس كهؤلاء...
و لكني لم أفلح في إيصال الفكرة...
و أعترف بأني لم أحاول إخبارها عن العمر
الذي تقيّم به نساؤنا، فالثلاثينية عانس يائس و لا تسأل عما بعدها فهي ينبغي أن
تكون في المقبرة أكيد... إذ ما كانت لتفهم علي... فهي تظن أني صبية جميلة و مثقفة...
قالت لي يا سلمى الأمير ليس له وجود...
طيب تنازلت منذ زمن ليس بالبعيد أن يكون أميرا سويديا و الفضل يعود لبربورة في
الواقعية التي أضفتها على السويد و أهلها بحيث جعلتني لو أتى الأمير السويدي إلي
الآن لضربته بوكسا على عينه حتى تزرق... و بت أرفض الذهاب للسويد اللهم إلا إذا
ترجتني الملكة شخصيا بالذهاب إليها... حينها سأنظر في طلبها لأني فتاة لطيفة و
أمورة... و ما بحب خيب حدا...
في النهاية أحسبها فهمت شيئا ما، قالت يا
سلمى إن شاء الله سيأتي... حينها شعرت بالخزي أمام أهل السويد برمتهم... خزي التخلف
و السطحية التي يرفل بها مجتمعنا... ألا سود الله وجهك من مجتمع كما سودت وجهي أمام
أهل السويد؟
على كل قد غيرت فكرة الزواج من الأمير و قررت الزواج من رجل يشبه النبي يحيى فقط...
و لا أظن شخصا أقل من ذلك يستحق مجرد الالتفات له...
لكن ظهرت مشكلة جديدة أني لا أعرف كيف يبدو النبي يحيى...
هل فيكم من يعرف؟
لا تتعبوا أنفسكم بالإجابة... لأنكم لا تعرفون أنتم أيضا...
سيدي الله بيعرف و هذا المهم... يلا خلصنا...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
4
طوال
عمري أتمنى كتابة قصة حياتي... و رغم أنها شبه خالية من الأحداث و لكنها غنية لدرجة
نسياني في المساء ما حدث في الصباح و كأن قرنا من الزمن مر مذ طلوع الشمس حتى
غروبها... لكني أجد الأمر صعبا... كيف أكتبها و أنا ما زلت أعيش أحداثها... ثم
الأمر يحتاج إلى جلد و تعب و أنا كسولة... على فكرة المسيو محظوظ بنوجته فهو مؤلف
كسول _مثل طالبته النجيبة أو التي كانت طالبته النجيبة_ و كان يملي كل شيء على
زوجته بالإسبانية و هي تترجم له للانكليزية... و هنا خطرت لي فكرة للعالمية... و هي
أن أجعل ذاك العريس الذي سيجعلني مؤلفة مشهورة يكتب ما أمليه عليه و يترجمه فورا
للانكليزية... و هكذا مباشرة لا أصير مؤلفة عظيمة فحسب بل ربما أحصل على نوبل...
نعم نوبل... فأول امرأة حصلت على نوبل كان اسمها سلمى (Selma Lagerlöf)
و لكنها كانت من السويد... صاحبة قصة نيلز (The Wonderful Adventures of
Nils) أتذكرون فيلم الكرتون نيلز و سفره
مع البطة مورتون؟
أما أنا... فوا حسرتي! و رغم أني أكتب
أشياء أجمل بكثير من نيلز الممل... لكني مبتلاة بمجتمع سفيه لا يقرأ... و حين ينعدم
المستمع تفقد شهرزاد الرغبة في قص الحكايا...
وداعا نوبل... وداعا!!! إن كانت إلا شعرة
بيني و بينك لتحظي بي... لولا أن...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
5
سُئلت
ذات مرة إن كنت جربت الثرثرة مع الأشياء؟
الحق يُقال أني حاولت تجريب الفكرة و لكني
لم أفلح.. فأنا لا أحدث الأشياء التي أحبها... و إنما أكتفي بتأمل جمالها و
الابتسام لها و مداعبتها... القط طبوش العضاض المتشرد الذي يزورني بين فينة و أخرى
و أستغل فرصة نهمه و شغله عن الدنيا بالطعام لمداعبته... أي هناك من يحبك رغم
قذارتك و تشردك... الشجرة الكبيرة الجميلة التي تقف وحيدة منسية قرب قلعة دمشق أربت
عليها مسلمة و أن الله يحفظك شو حلوة و شدي حيلك...
من يرغب بالكلمات المزعجة إن كان هناك
طريقة أخرى للتعبير عما في القلب... إذ اكتشفت أني أنا التي تسمع صوتي... صوت
الكلمات المزعج في أذني... فإن كنتم مثلي تودون لو تجدوا وسيلة لتعبروا بها غير
الكلمات... فجربوا تلمّس الأشياء و التربيت عليها و تقبيلها مثلي... في فيلم
Equilibrium و حين يبدأ البطل بالإحساس...
يتلمس درابزين الدرج _أو لا أدري ماذا يسمى بالفصحى_ اللقطة جدا مؤثرة... حيث يتوقف
ضجيج العالم كله حوله و يبقى فقط إحساسه بدرابزين الدرج لأول مرة بعد أن يخلع
قفازيه...
لكن حاذروا أن يُدخل عليكم و أنتم تقومون
بتقبيل أقلامكم أو التربيت على رأس اللابتوب مداعبين أو مسح خدودكم بزجاج الكأس
بحنان حينها لن يُشك بسلامة عقولكم فقط بل سيسحبوكم إلى أقرب مشفى للأمراض العقلية...
و إياكم و طلبي حينها لأشهد بسلامة عقولكم و أني أنا من ذكرت الفكرة... لأني اخاف
بعد أن يروني أن تضاعف العقوبة عليكم فلا تخرجوا أبدا...
في ثمانينات القرن الماضي في فترة الروسنة
حيث كان كل شيء في سوريا مطلياً بالطابع الروسي الشيوعي، عُرض فيلم روسي للأطفال في
التلفاز _كنت أحب الأفلام الروسية مع أن أخواي كانا لا يشاطرانني هذا الحب و بأية
حال سواء أحباها أم لا، لم يكن هناك من خيارات أخرى أمامهما و ليس كأطفال الستلايات
هذه الأيام المرفهين_ في الفيلم اكتُشف جهاز اسمه الميرافون و هذا الجهاز يقرأ
الأفكار. كان الأعداء يريدون استغلاله، لكن الأطفال الروس الشجعان أنقذوه.
هذا الجهاز هو حلم كل حكومة أكيد... لكنه
حلمي أنا الأخرى و ربما حلم الكثيرين من الشعراء و الكتاب الذين يعانون من اختيار
الكلمة الأكمل... تخيل جهازا كهذا تركبه على رأسك و موصول بجهاز الحاسب... حينها
ستنسال المعاني منك بسهولة و سلاسة و لن تضطر إلى أن تعركها و تعصرها و تهلك ذاتك و
أنت تصبها في كلمات... أي اختراع شيطاني و ملائكي هذا!!!
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
6
اليوم
أشعر برغبة في الثرثرة... أو مشاركة الآخرين أفكاري... في العادة لا أشعر كذلك إذ
معظم الوقت أفكر لماذا أشرك الآخرين... و هذه المعضلة لم أجد لها حلا حتى الآن؟
المسيو وسمني ذات مرة بأني بخيلة، أضن بأفكاري و كلماتي... معه حق... لكن لو نظرنا
للموضوع من زاوية أخرى، يعني و من أنا حتى يكون لكلامي تلك الأهمية؟
فمثلا ما يعنيكم أن تعرفوا أن بطلة فيلم
Amelie ما زالت تؤثر بي منذ يومين... الفيلم يحكي عن إيميلي الانطوائية و الخجولة و
الحالمة التي تقوم بأشياء صغيرة و لطيفة لإسعاد الآخرين و حل مشاكلهم ثم أن كان
اعجبت بذاك الشاب نينو الذي لا يختلف عنها غرابة و تخيلا و حلما... و الطريقة
الغريبة و البريئة التي نقلت إليه إعجابها رغم إنطوائيتها... و أخيرا التقيا...
كعادة كل الأفلام طبعا...
من حسن حظ هذا الإيملي أن نينو يعيش
وحده... و هو يقرر نعم أريدك أو لا... أما هنا فليس هناك من نينو يعيش وحده أو يقرر
لوحده... إذ لابد لأحد أركان العائلة أن يتدخل و يعترض.. و لا بد لأحد أن يفسد
الموضوع... و كأنهم حالفين يمين "أتواصوا به بل هم قوم ضالون"... ربما لو تُرك
الشاب و الشابة لوحدهما لكان اختارا بعضيهما... لكن الأم تتدخل و الأب يتدخل و حتى
الجيران يتدخلون و كلٌ لديه رأي و دلو ليدلي به... اللهم إلا طرفي العلاقة صاحبي
الموضوع حقيقة...
فحدث في سورية ذات مرة أن إيملي ما خجولة
و غريبة الأطوار حاولت لفت نظر أحد النينوات الانطوائيين الذين لا يقلون غرابة عنها
بطريقة مهذبة و بريئة و غريبة مثل كليهما، و لكن أهل هذا النينو لم تعجبهم هذه
الإيميلي _لأنها لا تتوافق و المعايير السطحية التي يريدونها لزوجة ابنهم_ و بذلك
قتلوا الموضوع في مهده و حتى قبل أن تتاح لإيملي فرصة الحديث مع نينو و إخباره
بأنها هنا...
ثم تجد هؤلاء الأشخاص أنفسهم يتحدثون كم كان فيلم كـ Amelie خلاقا و مبدعا و القصة
رومانسية لطيفة...
حلو النفاق يا جماعة مهيك؟
الآن و قد أخبرتكم بجزء من أفكاري ما الذي
استفدتموه يا ترى؟ أو ما الذي استفدته؟ هل سيساعد ذلك إيميلي في إيصال الرسالة
لنينوها؟ أو هل توقف المنافقون عن كونهم منافقين؟ أو هل صرت أكثر كرما بحسب نظرية
المسيو؟ أو هل المسيو نفسه كان سيدع نينو يتحدث مع إيميلي لو كانت القصة تمسه؟
بماذا تراهنون؟ أنا أراهن أني لا أظن...
حكي حكي حكي... و لا شيء يتغير في
الواقع... على كل إن كان الحكي لا يجدي سوى بإزعاج البعض فسيكون مبررا كافيا
بالنسبة لي لوجوده و سيسعدني أن أستمر في إزعاجهم...
و عسى أن يتيغر شيء يوما...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
7
ما
الذي يريده الواقعيون منا نحن الحالمون؟ ما الذي يزعجهم في أن نعيش قصصا و أحداثا و
حيوات و آلاف من الشخصيات لا يستطيعون أن يعيشوها... أربت على رأس فقمة في غرين
لاند مثلا أو أشتري حذاء من سكان المريخ أو أتحول لذرة من غبار و أعيش التجربة
الغبارية أو أدعو خصما للمبارزة لأتخلص منه أو أقتل سالومي قبل أن تمد يدها على
النبي يحيى أو أصفع ذاك الدوق و أركله و أبصق في وجهه زوج الدوقة في فيلم
The Duchess أو اكتشف أن الاثنين
أصغر من الواحد مثلا...
و ما الذي يزعجهم في
أن أكون مثالية أو أعيش في مدينتي الفاضلة أو أكون باحثة عن الكمال أو أكره المادة
و أفضل عليها المعنى؟ ما الذي يضيرهم أن لا نشاطرهم ما يسمونه واقعا؟ لماذا عليّ أن
أكون واقعية؟ رغم الثلاثين سنة التي وضعت حملها عني لا زلت أحلم بأني أميرة شرقية
أعيش في عالم بعيد ستلتقي بأمير غريب آت من البعيد أيضا... الحلم ليس هو أني أميرة
و أعيش في عالم بعيد فهذا حقيقة كما ترون... فأنا أميرة أمورة طبعا إحم إحم... و
أنا دائما في عالم بعيد و منعزل لدرجة حتى أني أنا نفسي أجدني بعيدة عني في
أحيان... و لكن الحلم هو الأمير... حسنا لا تفهموني خطأ فذوقي لم ينحدر لدرجة أن
أحلم بأمير ذاك الوسيم الثري أعني ذاك المتحذلق و المتصنع و المتأنق حد الغثيان،
فهؤلاء الجواكر يصلحون لعروض السيرك _ بأية حال هل الإمارة إلا سيرك آخر؟_ و لا
أدري لماذا يفسدون ذوقنا منذ الصغر بقصص هؤلاء المهرجين: أمير سقطت نقطة من دمه في
صحن القشطة فصار حلم حياته أن يتزوج من فتاة لون بشرتها وردي كذاك المزيج... أو
مثلا قدمها تناسب الحذاء... و هي لمجرد قولهم أنه أمير _يعني بالمشرمحي عضمو دهب مع
أنه لا أحد يدري من أين له هذا؟_ صارت فجأة تتدله في حبه... لماذا؟ ماذا لو أنه زير
نساء أو أنه شخص تافه و رعديد... ماذا لو أنها هي سطحية و ثقيلة الدم أو امرأة
سليطة اللسان سعلاة _السعلاة هي أكثر خبثا من الغول و تسمى المرأة الصخابة سعلاة
(حسنا أعترف أقحمت هذه الكلمة في النص لأني قرأت عنها قبل عدة أيام و أعجبتني...
أليست كلمة طريفة؟)_... بأية حال هذا اختيارهم... و لتوكي أياديهم و لتنفخ
أفواههم...
عودة لموضوعنا _مع أني
لا أخفيكم أني لا أعرف ما هو موضوعنا_ أن الحلم هو الأمير، إذ حين أقول أمير فإني
أقصد أمراء حقيقيين كالأمير مشكين _أبله دوستويفسكي_... ذاك المثالي البسيط طيب
القلب... هل عرفتموه؟ إن لم تعرفوه فهناك ألف من الصفحات يعيش فيها... أقصد رواية
الأبله لدوستويفسكي... و حاولوا اقتناء ترجمة سامي الدروبي لأنها الأفضل... مع أني
أعلم أنك لن تقتنوها و لن تقرأوها...
على كل ما كنت أقوله
لكم أنه من العسير أن تعثروا على أمير كهذا لأنه لو تصادف و وجد شخص كإياه
فسينعتونه بالأبله و سيظلون يسحقونه حتى يقضوا عليه... لأنه لم يكن واقعيا و لا
ماديا... لأنه كان بسيطا و لم يكن خبيثا... لأنه لم يكن يحفل بكل المظاهر الفارغة
التي تقوم حياتهم عليها برمتها... تماما كما حصل مع مشكين الطيب...
و لئن سألتموني عن
رأيي _طبعا أنتم لم تسألوني و لكن بما أنكم تقرأون ماذا ثرثرت سلمى فهذا ضمنيا
يعتبر اقرارا منكم بالتشوق لمعرفة رأيي، لأنه إن افترضنا أن شخصا لا يريد أن يعرفه
فلماذا يقرأ ما أكتبه الآن، و لئن كنت ارتكبت خطأ سيدي الكريم في دخولك هنا
فبإمكانك المغادرة فورا و بعد هذه الجملة و لا تزعج نفسك بمعرفة رأيي مع أنه سيفوتك
الكثير إن لم تعرفه، طيب أعترف ليس كثيرا جدا ما سيفوتك و لكنه سيفوتك بأية حال_
حسنا ما كنت أقوله أنكم لو سألتموني عن رأيي فإني أظن أن الواقعيين و الماديين هم
البلهاء و لئن كانت معاييرهم عن الحصافة هي الواقعية فعندئذ من الشرف أن يكون المرء
أبلها... و الله يكتر من أمثال البلهاء و البسطاء كأمثال الأمير مشكين...
و لئن سألتموني أيضا
لماذا أظن كذلك _و هنا أعيد جملتي الاعتراضية السابقة الطويلة_ فالجواب هو لأن ما
لا يراه هؤلاء الواقعيون أن الواقع الذين يخنقون أنفسهم به ليس أكثر من مجرد وهم هو
الآخر... قيد خلقوه حول رقابهم... قمقم سجنوا أنفسهم به... فقاعة صابون فارغة
تتلألأ بالضوء... إنما هو ظاهر من الحياة الدنيا... و هناك دائما شيء حقيقي تحت
السطح و وراء الظاهر... شيء أجمل و أكثر حقيقية... لا يراه إلا من يسعى لرؤيته...
لكن منذا الذي يسعى؟
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
8
يقولون
أن الإنسان حيوان إجتماعي بطبعه... هذه الجملة أصادق على نصفها فقط... فالإنسان هو
حيوان حقيقة، و هذا أمر يعجبني جدا... و أجده وصفا يلائمه تماما... طبعا لا تسيئوا
ظنكم و تحسبوني شاتمته _و إن كنت أفضل أن تسيئوا ظنكم_ و لكني أعني أنه حيوان... من
الحياة طبعا أكيد... و لكن أن يقال أنه اجتماعي و يصبح هذا الوصف أشبه بمسلمة
رياضية ككون الاثنين أكبر من الواحد _مع أني شخصيا لا زلت أشك بأن الاثنين أكبر من
الواحد_ فهذا ما لا يعجبني... لأنه حينها أن تكون مفضلا للوحدة و تنأى عن
الاجتماعات... أن تكون ولدت بانحراف مزاج كونك متوحدا في وسط اجتماعي يأله
الاجتماعية فهذا هو العذاب بعينه... دائما عليك أن تبرر أن تتهرب أن تختلق شيئا ما
أن تشرح ما لا يمكن شرحه... فمثلا كيف تشرح للحصان عن أنك لا تستطيع إلا أن تمشِ
على قدمين إن كان هو لا يعرف إلا أن ماهية المشي هي استخدام الأربع...
أن يقرؤوا عن المبدعين عن الفلاسفة عن
الفنانين عن الكتاب عن العباقرة عن حيواتهم العجيبة و الغريبة... فهذا أمر رائع و
واااو كم كانوا مبدعين و مختلفين و عظماء... و لكن طبعا هؤلاء هم الآخرون... أولئك
الذين لا نعرفهم... الذين لا يتواجدون إلا في الكتب أو الذين بعد أن نفقوا منبوذين
مستهزأً بهم قد عرفناهم و قرأنا عن حيواتهم الفريدة المميزة... لكن أن يكون حظك أن
تكون أنت هذا المتوحد المختلف... ذاك الذي يحتاج فسحة من اللااعتيادية و اللاتنظيم
و التفرد... شيئا من الفوضى الخلاقة، من القرارات التي لا تبدو منطقية للمنطقيين
_بحسب ما يتوهمونه منطقا_ حتى تتنفس، فهذا ما يعد أمرا مستنكرا و مستهجنا... أو
بالأحرى فشلا و غباء مستفحلا... شو مين مفكر حالك، شي فنان أو مبدع أو عبقري من
هالعباقرة؟
آه عفوا صحيح تذكرت... علي أن أفطس أولا
ثم بعدها يُكتشف أن كان هناك فتاة اسمها سلمى تحمل لمسة من ابداع مختلف...
أتساءل فقط كيف يعيش الإنسان كالآخرين
بنفس النظام و الحياة و المعايير و الهوايات كأي شخص آخر ثم يفترض به أن يبدع شيئا
مختلفا... شخصيا لا أدري... و أكون كاذبة إن قلت أني أريد أن أدري...
هكذا أنا... طفرة في نظام هذا الحيوان
الاجتماعي... كبصقة في وجه تعريفاته الاجتماعية المزعجة... و سأظل هكذا... رضي من
رضي و سخط من سخط...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
9
هل
هناك من طريقة يأخذ المرء فيها إجازة من
نفسه... يوما أو حتى ساعة... يختبر شيئا آخر غيره... أي شيء إلاه...
لا أرى إلا ما تريني إياه عيناي و لا أسمع
إلا ما تسمعنيه أذناي و لا أفكر إلا بما يفكر به عقلي و أكابد كوابيسي في الليل و
تهيؤاتي في النهار... و روحي التي تريد أن تخرج و جسدي الذي يريد أن يرتاح...
مطالبي أحلامي مزاجي أفكاري آلامي هواجسي....
كل شيء يدور حولي... كل لون هو لوني... كل
ما في العالم هو امتدادي... كل إحساس هو إحساسي... كل شيء ملصق به يائي ي ي... كل
الدنيا أنا... أنا أنا أنا... و تكرار لا ينتهي لهذه الأنا... و أظل أدور أدور أدور
حولي أنا...
لكم أملني... أملني جدا...
يا رب متى الخروج مني أنا!
2010/1
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
10
كنت
مطرقة بحزن أفكر فيّ و أتأمل في حالي و مآلي و أتساءل
كما تساءلت آلاف المرات... أن ما العيب بي؟ لماذا لا أستطيع إيجاد رجل يعجبني و
أعجبه؟ لماذا يبدو الأمر مستحيلا؟ أعلم أني مزعجة و فايتة بالحيط، و لكن هناك فتيات
أغبى و أسخف و أثقل دما بآلاف المرات مني، بحيث لم يكن لأتخيل أن أحدا من الممكن أن
يجالسهن لدقيقة، قد وجد أخرق يحملهن بثقلهن و طلباتهن السخيفة اللامنتهية التي تقصم
ظهر أي بغل حُمّلت عليه؟!
فكرت و دبرت كثيرا لكني أبدا لم أعثر... ثم فكرت و دبرت كثيرا و إذا بي أكشف السر
العظيم و المستتر... السر هو أني بهلولة... نعم بهلولة...
تخيلوا أني كنت أظن أن العريس ليس مهمته أن يعمل كثور الطاحون ليجلب الذهب و
الملابس و حفلة العرس و أثاث المنزل و قائمة ينهار منها مارد المصباح و كل هذه
المظاهر ما هي إلا سخف و هراء! بل كنت أظن أن وردة ما، أو حتى أسورة ملونة
بلاسيتكية من يده خير من ألف أسورة من ماس... بل بكونه هو كما هو بتصرفاته و أخلاقه
أثمن من أي شيء آخر...
تخيلوا أني كنت أظن أن الزواج أن يتذوقا الشعر معا، يسمعا لحنا، يقرآ كتابا. يتحدثا
حديثا حول كل شيء من سفاسف الأمور و حتى أعمقها، يتشاطران العلم معا، يتعبدان معا،
يحمدان الله معا، يتبادلان لحظات الإدراك و الشهود، يعيشان لهدف سام، يتلذذان
الجمال معا في كل ما في الكون حولهما، و يصبّرا بعضهما
على كبد القبح فيه، ثم يتهامسان و يأتمران ضد مصاعب الدنيا بطريقتهما الخاصة...
تخيلوا أني كنت أعتقد أن الحنان و الرحمة و الحب و حتى العلم هو أهم من أي شيء آخر
في حياتهما...
تخيلوا كنت أحسب أن الطعام وجد ليعيننا على الحياة، لا وجدنا لأجله،
و أنه لا ينبغي الاستغراق في الطعام وقتا
طوبلا... و أن الذي طريق
قلبه معدته هو الخروف و ليس الرجل...
تخيلوا أني صدقت فعلا أن شخصا أختاره لذاته لأنه هو بكل شيء فيه بعجره و بجره و
حلوه و مره، ليس لماله، ليس لشكله، ليس لعمله، ليس لأنه عريس و السلام... بل لأنه
هو تلك التوليفة التي ركبت فيه كما هو، و ليس في العالمين خلق كإياه... لأنه هو و
ليس أي أحد آخر...
لكن الأغبى و الأنكى أني كنت معتقدة بأنه يختارني أنا... لأني أنا... و فقط أنا بكل
شيء في، بحلوي و مري بعجري و بجري... ليس لشكلي أو عمري أو أني امرأة و السلام
لتطبخ و تنفخ و تفرخ و إنما لأني أنا.... هذه الأنا التي لم يخلق الله غيرها و
اختصها لتسكنني...
تخيلوا أني كنت مؤمنة فعلا أن الخلق الكريم و البساطة و التقى و محبة العلم هي أعلى
و أغنى ما يمكن أن يحمله أي شخص... و كل شخص هكذا أكيد يبحث عن من هي مثله...
بالله ألست بهلولة أني تخيلت كل هذا في زمن كزماننا...
في زمان أناسه لا يعرفون وين الله حاططهم، لا هدف لهم...
و لا يعيشون لأجل قيمة عليا... و متثاقلون للأرض حتى
النخاع... و ليس لهم أصلا من ذوات لتُختار... أجسادهم خاوية من
أرواحها... كلماتهم مفرغة من معانيها... أبعادهم مسطحة لا عمق لها... ثم آتي و أتحدث عن القيم و الجمال و
الشعر و السكينة و العلم و الخلق و اختيار الذات و
الأنا و كل هذا الكلام الكبير الذي لا يفهم رأسه من
قدميه... هذا الهراء الذي لا يهذر به إلا بهلول...
صدقا قد استحققت و بجدارة لقب أبهلل البهاليل...
و حين عرفت سري الذي كشفت... ضحكت... و انزاحت الغمة عني... إذ ليس من داع بعد
اليوم لأتساءل و أتألم و ألوم نفسي... فالقلم مرفوع عني... و لا تفكير و نصب و تعب...
إذ ليس على البهاليل حرج و عتب...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
11
جنون
سلماوي ليوم واحد بمناسبة 8 آذار:
تحذير هام: ما سيأتي
كلام غير ثقافي بتاتا البتة
اليوم و لأنه الثامن من آذار، سيفتح صندوق العجائب، صندوق الغرائب، صندوق البهاليل...
لماذا الثامن من آذار، لا ليس لأنه ثورة العامل و الفلاح، لأني لست عاملة، و لست
فلاحة أيضا، و الحمد لله و الشكر أني لست فلاحة، لأن الفلاحة مهنة شاقة وأيم الله ،
ثم بعد ذلك لا ينال الفلاح المسكين حمدا أو شكورا، ثم يأتي تافه أو سخيفة و يستخدم
لفظ الفلاحين كأنها شتيمة أو انتقاص: (أولالالالا شوفو هي شو لابسة متل الفلاحين)
لك تضرب الغلاظة و المياعة ، و الله الفلاحين بيسو راس كل هالبايخين السطحيين و شرف
لأي واحد إنو يتشبه بالفلاحين...
كما قلت أن اليوم هو الثامن من آذار و لا ليس لأنه يوم الفلاح مع أني لا أخفيكم أني
مارست الفلاحة مؤخرا، و صار عندي بعض الخبرة بقطاف الأشجار المثمرة، قطفت التفاح (الأحمر
و الأصفر، مع أني أفضل الأحمر فهو أسهل و ثماره أقل في الشجرة و أنا أحب التفاح
الأحمر و الله، و هو لذيذ جدا بنكهة قشرته السميكة، و أحبه لأنه أحمر و لأنه مدور،
و أتساءل دائما إن كان هو يحبني أيضا؟ ) و المشمش (أما قطاف المشمش فهو المشقة
بعينها، شجره خشن، و يخدش، و غصونه قاسية غليظة تأبى أن تتحرك لتهزها بل عليك أن
تتعب نفسك و تصل لعندها، و أنا لا أحبه كثيرا مع أنه مدور و
مشمشي، ولا يهمني إن كان يحبني)، و الكرز (قطافه سهل، إذ غصونها لينة
كالمطاط و هو لذيذ و هو أيضا مدور و أحمر و أنا أحبه و أشعر بأنه يحبني
أيضا) و حتى الجوز و اللوز (اللوز الضفدعي لو سمحتم، و ليس أي لوز،
حتى لا ينصرف ذهنكم لبعيد و تظنوا أني أقطف أي لوز)، و ذلك حين قرر والدي أن يصير
فلاحا و اشترى قطعة أرض صغيرة وزرعها، طبعا لم يستطع أن يفعلها
بيده كما كان يحلم، إذ هنا يتبدى لكم الفرق بين الأفلام و الروايات و الواقع...
إذ كل هذا العذاب و القطاف الذي حدثتكم عنه ليس أكثر من عدة شجيرات قصيرة جدا بعلية،
و كانت هي شجرة مشمش واحدة و فعلت كل ذلك بي، قد أعيتني، و لم أستطع إلا قطف
جزء منها لأني استسلمت... و رحت و أنا أقطف أشتم من كان يغني (ما احلاها عيشة
الفلاح متهني عايش و مرتاح) واحسرة عليه كم هو متهن!
حتى بابا توقف عن غناء هذه الأغنية و خصوصا حين التقى بمجموعة من الجيران و صار
يستمع لمتاعبهم...
صدقا صدقا صدقا بعد هذه التجربة، صرت أنظر باحترام عميق من كل قلبي و تقدير و حب
لكل فلاح أو فلاحة، و أحيانا أشعر بأني أريد أن أنحني لأقبل يديه الخشنتين. و الله.
و قليل في حقه... لك لحظة شوي... شو جابنا لكل هالحكي...
عودة للأول أقول اليوم في الثامن من آذار قررت أن أكتب موضوعا لهذا اليوم فقط، ليس
لأنه يوم العامل و الفلاح و لا لأنه يوم المرأة العالمي، لأن آخر اهتماماتي الحركات
النسوية و نضالاتها التي لا أدري ما تريد...بعدين يوم واحد للمرأة، و لمن بقية
العام ... يعني عن جد أحيانا أفكر أنه على الأرض لا يوجد إلا هذين الجنسين، اثنان و
لم ننتهي من مشاكلهما و مساجلاتهما، اثنان و ما زالا يصدعان رؤوسنا كل يوم بكيل
التهم لبعضهما و اختراع النظريات و تأليف الكتب و استهلاك الورق و الكلمات... الأرض
كبيرة و متسعة و لكنها ضاقت عليهما بما رحبت... يعني أحيانا أشعر أن البشري لو لم
يجد أحدا ليقتتل و إياه لوقف على المرآة و بدأ بضرب انعكاس صورته... لك لحظة يا
جماعة شوي...
ارجعوا، الله يرضى عليكم ارجعوا للأول... أقول اليوم في
الثامن من آذار قررت أن أكتب موضوعا لهذا اليوم فقط، ليس لأنه يوم العامل و الفلاح
و ليس لأنه يوم المرأة العالمي و إنما لأنه يوم ميلادي اليوم هو يوم ميلادي المجيد
رضي الله عني، نعم يا جماعة هو هذا اليوم المنشود و الموعود و الذي المولود فيه
مفقود موجود ... و قد بلغت الثانية و الثلاثين... نعم
أعلم أنه رقم مضحك و ليس فيه أي تميز، و لا داعي لتلك الضحكة التي علت وجوهكم ،
أعلم أنه ليس رقما مميزا مثل 33 أو مثلا 35 أو حتى 39 و إنما هكذا و بكل بساطة
32...
هل هناك أحد فعل شيئا عظيما و هو في 32، هل هناك من توفي و هو في 32، هل هناك من
قام بشيء مختلف تماما و هو في الـ 32؟ أعلم أنه يبدو رقما خاليا من التميز... مجرد
32 كأي رقم غير مميز آخر مثل 74 أو 23 أو حتى 58 كلها أرقام غير مميزة... بس شو
بدنا نساوي قدر الله... و الله جعل الـ 32 تأتي بعد 31 و قبل 33 المميزة... شو بدي
ساوي، بدي اصبر هالسنة لحد ما يجي الرقم المميز...
طيب هذا الموضوع ليس لتقولوا لي كل عام و أنت بخير، يعني يا رب كون دائما بخير و
أبقى حلوة و أمورة سواء أقلتم لي أما لا ... أصلا أتعلمون و لا تقولوا لأحد نادرا
ما أذكر ميلاد أحد... و لا أحب هذه المعايدات كثيرا...
ثم إني أخاف أن تختفي هذه السلمى التي تكتب هذا الموضوع حاليا، و بالتالي أجدني في
مأزق للرد على موضوع ليس لي و لا أدري عن ماذا يتحدث...
- لحظة شوي... عفوا، لماذا كان هذا الموضوع؟ لماذا أحضرتني يا خانم لهنا؟
- لمجرد موضوع... لمجرد الثرثرة... هل ينبغي أن يكون هناك سبب... لماذا دائما ينبغي
عليكي أن تسأليني لماذا؟
- طيب لماذا؟
- لأني أريد...
اليوم سأمارس هذه السلمى... فقط ليوم واحد... حسنا لا أضمن أن تبقى طوال اليوم...
بس يعني شو بيعرفني... لك خلص يا بنت ابدي الموضوع و خلصينا:
# وضع أحد الزملاء في
أحد المواقع الثقافية التي أكتب بها قائمة بالكتب التي اشتراها في المعرض
لفت نظري اسم كتاب غريب جدا (البراكسيماتيكية) لبثت ساعة و أنا أحاول فكفكته و
محاولة قراءته... بدا لي أشبه بالتعويذة أو الطلسم السحري... الفضول قتلني لأعرف عن
هذه الغرابة أكثر... فأخذت أبحث و إذ أجده عبارة عن كتاب صغير يتحدث عن شيء له
علاقة بالدلالة و أنها نظرية جديدة... و هو موضوع أحبه... و لحسن حظي أنه موجود
أونلاين، حسنا ليس جميلا جدا فناشروه لم يضعوه للتحميل لسواد عيون القراء (أو
زرقتهم أو خضرتهم أو عسليتهم حسب عيون القارئين طبعا) و إنما وضعوه أونلاين... يعني
رغما عن أنفك ستضطر لتفتح موقعهم لساعات حتى تقرأه...
على كل و أنا مالي... ليضعوه أونلاين أو أوفلاين أو حتى أندرلاين، المهم أن
أقرأه... أن أقرأ عن هذا الطلسم العجيب. شعرت و كأنه سيخبرني بسر يفك علي استغلاق
اللغة، سيشي لي بسر الكلمات... سأمتلك اللغة... سأمتلك ناصية العالم... البيان.
استمعوا لهذه الكلمة العجيبة، و كرروها ثلاث مرات: البراكسيماتيكية البراكسيماتيكية
البراكسيماتيكية، بت أكررها أنا أيضا، ألا تشعرون بأن وراءها سر عجيب يجب أن يهتك؟
سر مقدس يجب أن يكشف؟
المهم يا جماعة بدأت بقراءة الكتاب... و إذ بي أكتشف أمرا، أن هذه البراكسيماتيكية
هي قريبة مما يلفظ أيضا بالبراغماتية أو شيء كهذا، يعني ربما، عل كل هل عرفتموها،
إنها الذرائعية أو الذرائع أو لا أدري ما يسمونها... و لكنها هنا في علم
اللسانيات... يا لطيف كم شعرت بالخيبة! يعني أعرفها هذه الكلمة، قد سمعتها قبلا،
منذا الذي لا يعرفها يعني أنها ليست طلسما عجيبا و غريبا
الأنكى أن هذه النظرية العجيبة، النظرية الجديدة، النظرية الغريبة، النظرية التي لم
يسبق الحديث عنها، ما فهمته أنها تعني تفسير الخطاب حسب السياق... يعني شو؟ يعني
تفسير الكلام للمتكلم حسب البيئة و الظروف و العوامل المحيطة و ظروفه الخاصة و هيك
شي يعني... بس هيك معقول؟
طيب مو كل العالم بتعرف هالشي... يا لطيف شو أصبت بخيبة أمل... (حسنا أعترف خيبة
أمل بسيطة لأن الكتاب ممتع و مفيد جدا، لكن خيبة أملي كانت أني كنت احسبه سيخبرني
بسر الأسرار، سيخبرني بما لا يعرفه الأولون و الآخرون و لم يخطر على قلب بشر، هذه
البراكسيماتيكية يا عالم، هي ليست فستق حلبي، هي ليست مكدوس، هي ليست لوبياء
بالزيت، هي براكسيماتيكية على سن و رمح، أترون كم الكلمة فخمة و مهيبة، حسنا ما زلت
في منتصفه و من يدري لربما هذا السر المبهم سيكشف لي بعد صفحات، أو لا أخفيكم أني
ربما لم أفهم عن ماذا الكتاب أصلا)
يعني لا أدري هؤلاء الباحثون يخترعون تسميات صعبة و مخيفة لأشياء كثيرة و يعتبرونها
فتحا عجيبا، و نحن البسطاء و الغلابة و يلي على باب الله دائما نفكر بها، أنتم ألا
تفكرون كذلك بهذه الأمور بشكل طبيعي؟
حتى أنا سلمى الفايتة بالحيط كنت أفكر بأنه ينبغي اعتبار السياق حين النظر في
الكلام، هل علي أن أكون براكسيماتيكية حتى أفكر كذلك؟
دلوني فقط، دلوني على هيئة اختراع التسميات و الفلسفات حتى أذهب و اسجل أفكاري
العظيمة أنا أيضا قبل أن يسبقني أحد ما، و أستخدم مصطلحات عظيمة ما رأيكم
بالمستكرزوفية أو البنطقراظية أو ربما السلماوية، تبدو لي أجمل تسمية... لكن لحظة
إن كان هناك صف طويل علي أن أقف به حتى يأتي دوري، فلا أريد، يكفي الطوابير في
الدوائر الحكومية .
(
للتنويه:
البراكسيماتيكية تيار مختلف عن البراغماتية، و إن كانت استفادت منها، و للاطلاع على
الموضوع بشكل جدي أكثر
هنا
)
## انضم صديق جديد
لقائمة أصدقائي و الله، أتصدقون! أنا سلمى المتوحدة زاد مجموع أصدقائي صديقا... لا
ليس جديدا، هو قديم و عتيق، عتق الأرواح قبل الأجساد، أعني أنه فعلا صديق، انضم
لقائمة أصدقائي عن جد و الله. قائمتي من الأصدقاء التي لا تتجاوز أصابع الكف الواحد
أو ربما الكفين بمن فيهم ضفدوعي الأخضر و طبوش القط المشرد الذي حدثتكم عنه ذات مرة
أو ربما لم أحدثكم، لا أدري، أعني ذاك القط النفعي الذي تشده كرشته الجميلة لزيارتي
و يسارع بالهرب كعادته حين يملأها.
إن كنتم تتساءلون كيف صادقت هذا الصديق، فأنا أتساءل مثلكم، جملتين اثنتين تحدث
بهما كانتا كافيتين لاعتباره شخصا مريحا و ظريفا، جملتين أخريين، صار صديقا مقربا
برتبة صفاء و وفاء و أخواي و بقية القائمة التي تعرفونها، أو لا تعرفونها... أنى
لكم أن تعرفوها؟ و لماذا تعرفوها؟
نعم جملتان؟ أتستغربون أن جملتين تجعلني أصادق شخصا، لا لا تستغربوا، إذ أنهما
جملتان لا كالكلام العادي، و لا لا لم تكونا بأسلوب بليغ، لم تكونا شعريتين باذختين
عظيمتين، لا لم تكونا غراما و لوعة و اشتياقا حتى لا يذهب ذهنكم للبعيد (حسنا أعترف
ليس عندي مانع أن يذهب ذهنكم للبعيد قليلا و تظنوني أميرة أمورة تُكتب لأجلها قصائد
الغزل و الغرام و الهيام، لأنو متل ما بقول المتل صيت غنى و لا صيت فقر ) بس يعني
هذا يفسد كلامي عن الجملتين، إذ أنهما أعمق من ذلك و تستحقان كلاما يليق أكثر...
كانتا جملتين بسيطتين عفويتين حتى هو لم ينتبه لذكرهما، فقد خرجتا منه عفو
الخاطر... و لكنهما تشيان بالكثير، تشيان بأن وراءهما شخص متطور، أعني جوهره متطور،
قد عاش حياته يغوص في العمق، قد صقل ذاته بطريقة عجيبة، قد درب حواسه لالتقاط لمحات
الجمال، فانعكس ذلك على جملتيه الأولين ثم الأخريين فصرنا صديقين (يا ترى هل
استخدمت المثنى بشكل صحيح، يا رب المثنى كم هو صعب! إذ يكشف الفقر النحوي لكاتبه،
فغضوا نظر، الله يرضى عليكم)
هذا الشخص يذكرني بحنين قديم، أنا التي لا تملك مشاعرا و لا ذكريات، شعرت بحنين،
بشعور قد علاه الغبار حتى بهت و اختفى، بتلك الفتاة و والدها، بتلك الطالبة و
أستاذها، بتلك القارئة و مؤلفها، و الآن بهذه الراوية و مستمعها. فكيف لا أعتبره
صديقي!
حسنا مشكلة هذا الصديق أنه يشبهني جدا، يعني أشعر بأني إن كتبت له فكأني أتحدث أمام
المرآة، و صراحة ما زلت لست متأكدة إن كنت بذلك أشتمه. إذ لا أدري حين أسم شخصا
بأنه يشبهني أءكون شاتمته أم مادحته؟ أو ربما الأمرين معا. حسنا أنتم لن تخبروه أني
قلت ذلك عنه، أليس كذلك؟ حتى لو أخبرتموه لا يهم، فهو كالمرآة يعني لن يستغرب ذلك.
و حتى لو استغرب شو اعملو يعني، هذا الحاضر، و ذنبو على جنبو. لكن للأمانة فقط و مع
أني لا أحب الاعتراف فهو نسخة أفضل مني و أرقى و أعلى أخلاقا
المهم أنه برزت لدي من صداقتي معه معضلة أخلاقية عويصة (حسنا لا يذهبن ذهنكم للبعيد
ثانية و تظنوا الظنون على هواكم إذ مع احترامي لمخيلتكم، فإنها لا تستطيع أن تحيط
بماهية المشكلة الأخلاقية العويصة التي من شأنها أن تواجه بهلولة مثلي مع صديق جديد
عتيق ) المعضلة الأخلاقية هو أن وجوده يحرضني على كتابة أفكاري بطريقة جميلة و سلسة
من دون تجشم ألم الكتابة. يعني وجدت فيه الدافع لأكتب، الدافع الذي يجعلني أخرج كل
هذه الأفكار التي كانت تطحن رأسي من دون أن أستطيع إخراجها، و بطريقة جميلة و لذيذة
و غير متعبة، حتى أنا التي لا أحب كتاباتي قد أحببت ما أكتب و الله، حتى أني اكشتفت
أني أستخدم علامات الترقيم، يعني كتابة متل العالم و الناس... عن جد. حسنا قد
تتساءلون و أين المعضلة الأخلاقية العويصة في ذلك؟ ممم سؤال ذكي، من سأله، أنتَ أو
أنتِ؟ حسنا لا يهم... المشكلة الأخلاقية العويصة هو أن أفكاري (كعادتي القبيحة التي
لا تغادرني أبدا و التي هي سبب عدم تأقلمي مع هذا العالم ) أنها صارت تسبح في
البعيد و تهيم و تتخيل أني ماذا لو كتبت رسائل عظيمة تعتبر فتحا في التاريخ البشري،
قبضت على فيوض الجمال في هذا الكون و شكلته بطريقة لم يسبقني إليها إنسي، و حين
ستنشر يوما، مممممم سيذوب الناس و يذهلون من سحرها و ستصعقهم لذتها، و هنا ستنشر
بكل لغات العالم و ستباع ملايين النسخ وستتهافت البشرية برمتها على... (حسنا قد
وصلتني ضحكتم الساخرة، يعني مجرد خيالات، ألا يحق لي أن أتخيل )
طيب عودوا يا جماعة لمعضلتي الأخلاقية العويصة، المعضلة هي؟ هل ينبغي أن يكون له
نصيب في الريع المادي لهذه الرسائل؟ أصلا هل هي لي أم له؟ أنا أكتبها له، لأن مجرد
قراءته تلهمني بالكتابة، لكن هل هي ملكي أو ملكه؟ أنا كتبتها، لكن للأمانة لولا
وجوده لما كانت خرجت؟ شغلتني هذه المعضلة الأخلاقية العويصة حتى أتعبتني؟ ثم فكرت
أن أفضل حل أن اسأله. على كل ما زال هناك وقت طويل لأفكر، إذ ريثما أكتب رسائل
عظيمة و ملهمة و تتهافت عليها البشرية، تكونوا قد ألفتم مكتبات في حل هذه المعضلة
الأخلاقية العويصة...
حسنا لحظة، لم أنته بعد من الحديث عن صديقي، إذ مع صداقتي معه، ظهرت مشكلة أشد و
أنكى من معضلتي الأخلاقية العويصة تلك... هي مشكلة قائمة لمّا تنتهي، و هي تهدد
وجودي برمته. أتصدقون؟ هي معضلة وجودية؟ لا ليس أنه قاتل مأجور أو سفاح متسلسل و
ينوي قتلي (حسنا ربما و ما أدراني لكني حتى الآن لم أشعر أنه كذلك) و إنما أعني
شيئا آخر.
هل شاهدتم فيلم Fight Club هل شاهدتم كيف أن صديق البطل الصدوق و الذي فهمه تماما و
استوعبه و ألهمه و ساعده لتغيير حياته و كان أشبه بتوأم روحه قد تبين أنه أنه أنه
أنه إحدى شخصياته الفصامية التي قد خرجت عن سيطرته، شخصية متوهمة قد شكلها دماغه
المنهك...
يا إلهي يا سلمى! ماذا لو أن هذا الصديق أنا اخترعته أيضا لأراسله، ماذا لو أنه
إحدى شخصياتي الفصامية، قد كونتها لأكتب لها و تشجعني، إذ لا يعقل أنه يشبهني لهذه
الدرجة و لكن بطريقة أفضل مني... و حتى لو قابلته أو حادثته فهذا لن يحل المشكلة...
لأن البطل في الفيلم كان يتعارك و صديقه حتى أدميا بعضيهما، بينما في الواقع كان
يضرب نفسه و يدميها و يكسر أنف نفسه بنفسه...
طيب ما الحل إذن لهذه المعضلة الوجودية الشائكة؟ الفيلم قدم لنا حلا مخيفا، و هو أن
البطل أطلق النار على رأسه فمات صديقه المتوهم من فوره، و لكنه بقي حيا رغم إطلاق
النار (يعني فيلم بهولييود معقول يموت البطل )...
يعني شو؟ يعني لازم أعمل هيك لاتأكد؟ لا لا لا أريد... إذ ماذا لو أنه حقيقي؟ أكون
وقعت بمعضلة صحية، هذا إن لم تكن أخروية _لأنه انتحار_ لا فكاك منها
في النهاية قررت أن أبقي الوضع على ما هو عليه، و ذلك لأنانية مفرطة مني إذ خطر لي
أنه إن اعتبرته شخصية من تخيلي أكون بذلك قد حللت معضلتي الأخلاقية السابقة، إذ أني
أكتب لنفسي، يعني من دهنو سئيلو، و هكذا كل ريع رسائلي العظيمة التي ستتهافت عليها
البشرية ستكون ملكي لي وحدي...
### ربما لم يتبين لكم
غرضي من كتابة الموضوع بعد... هذا على افتراض أن له غرض ، سوى إخراج كل هذه الكلمات
من رأسي... أكيد له غرض، لا شيء بلا غرض، حتى التيار العبثي في الكتابة له غرض...
كل شي له غرض... يعني معقول موضوعي من بين كل مواضيع الدنيا الذي ليس له غرض؟
الحق يقال أني كنت جالسة أفكر اليوم، و لطالما جلست و فكرت و يبدو أنه الشيء الوحيد
الذي أتقنه في حياتي هو أن أجلس و أفكر، و الله أعلم وحده ما الفائدة من كل هذا
الجلوس و التفكير (على فكرة هذه اللازمة دائما أستخدمها، طيب شو بدي ساوي، الشخص لا
يستطيع إلا أن يكرر ذاته، هل من حواس و نفس أخرى يملكها فتبصـّره بشيء مختلف؟) أقول
أني كنت جالسة أفكر بحالي و مآلي، فوجدت أن عمري اليوم صار 32 عاما، و لكني لا أدري
كيف علي أن أتصرف كامرأة ناضجة و ظريفة و عين الله حولها في 32 من عمرها... و الله
لا أدري كيف...
كل محاولاتي السابقة و محاولات من حولي لتحويلي إلى امرأة عاقلة و ناضجة (حسب تعريف
المجتمع العربي الغبي للعقل و النضج عند المرأة )، إلى تحويلي إلى شخصية عملية و
واقعية، كلها باءت بالفشل... و هم أعلنوا استسلامهم و تركوني و شأني، و أنا تنفست
الصعداء أخيرا... من الجيد و الله أن تبلغ الثانية و الثلاثين، لأن من حولك يكونون
قد يئسوا من محاولة قولبتك لشكل يألفوه... إذ اكتشفوا أن البقع التي عليك هي أصلية
و لن تزول و لا بأفضل مسحوق للغسيل...
طيب شو ساوي إن كنت فضائية و عايشة بكوكب تاني... شو ساوي إن كنت أعيش في بُعد
آخر... شو ساوي إن كان دماغي مركب بطريقة مقلوبة... شو ساوي إن كنت أحب الأيقونات
لدرجة تفتنني ، شو ساوي إن كنت أحب الجوارب المخططة، شو ساوي إن كنت أكره الحفلات،
شو ساوي إن كنت أحب الأساور الملونة، شو ساوي إن كنت أثير الفوضى أينما ذهبت، شو
ساوي إن و إن و إن...؟ طيب هناك ست مليارات أخر يعيشون على الأرض و نصفهم من
النساء، يعني إن نقص العدد واحدا لصالح الكواكب الأخرى فليست مشكلة، أليس كذلك؟
و لو افترضنا أنه لا بأس علي أن أكون كذلك و أنا في هذا العمر، المشكلة التي أقضت
مضجعي و لم أجد لها حلا، هو ماذا لو أني بلغت السبعين و بقيت على هذه الحال؟ يا رب،
لا أعرف كيف أتصرف حين أبلغ السبعين... (على فكرة لدي صديقة خمسينية و كان لدي صديق
خمسيني آخر كلاهما غريبا الأطوار مثلي، و عين الله حولهم... يعني يمكن للمرء أن
يكون خمسينيا و يبقى كما هو ) حسنا لماذا أقض مضجعي برقم قد لا أبلغه... من حسن
الحظ أن المرء لا يفعل شيئا ليكبر في السن، مجرد أن يجلس هكذا، و فجأة يجد نفسه كبر
في السن. تخيلوا تخيلو تخيلوا لو أن على واحدكم أن يفعل شيئا ليكبر أو ليموت، يا
إلهي! ألا يكفي تعب اختيار الحياة فيأتي فوقه تعب اختيار الموت... يا رب لك الحمد
أن جعلت هذه الأمور لا إرادية... يا رب لك الحمد و الشكر و النعمة و الرضى. و الله
العظيم نعمة كبيرة.
على كل دعوني أحل معضلتي الآن بالتصرف كما ينبغي لمن هي في 32 و بعدها أفكر في رقم
آخر؟
يا ترى كيف يتصرفن من قد بلغن الـ 32
حسنا لا أريد أن تخبروني، فأنا مرجع بحد ذاتي، إذ قد بلغت الثانية و الثلاثين لتوي،
و كل ما أفعله هو اثنين و ثلاثيني أصيل و الله، فخذوا مني و لا تجزعوا، يا رعاكم
الله!
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
12
كم
يحتمل البالون بعد قبل أن ينفجر؟
كم بقي له؟
من أين يأتي الناس بكل
هذا الصبر و القدرة العجيبة على تجرع التفاهات و سماع الهراء؟
الغريب أن مرارتهم لم تنفقع بعد و الله... و الله لا أفهم كيف.
من أين تأتي الناس
بالمشاعر، أعني من أين يأتي الشعور بالحب و الانتماء و الحنين و الذكريات و الشوق و
الود و كل هذا الكلام الذي لا أفهمه، و عجزت عن فهمه؟
هل حقا أنهم يشعرون كذلك أو أنهم يكذبون، و لكني وحدي التي تعترف؟
طيب ما سر كل هذا البرود الذي يحيط بعالمنا إن كان كلامهم حقا؟
على الأقل أنا أعترف، أنا شخص بارد بلا مشاعر... للأسف
و أحيانا أفكر أن أكون بلا مشاعر خير من مشاعر كهذه المشاعر المعروضة بوفرة و التي
لا تزيدنا إلا برودا و رهقا و تحطيما للكلمات و اللغة...
ثم لماذا اخترعوا
الجنسيات؟
تخيلوا لو كانت الحياة
بلا جنسيات على ماذا كنا سنصرف وقتنا و كلماتنا و ورق جرائدنا و طاقتنا؟
سيكون لا بد من اختراع تسلية أخرى حتى تستقيم حياتنا بنفس الطريقة الجميلة التي هي
مستقيمة الآن عليها.
و الحق يقال أن
الطريقة الوحيدة التي وجدتها للعيش بأن لا أعيش، و حين توقفت عن الحياة شعرت بأني
عدت للحياة... فتلك التي لم أعد أحياها لم تكن حياة... و لا أدري ما هي الحياة، لكن
لا تخبروني أن ما يقولونه لنا أنه حياة هو الحياة، لأني لن أصدق... أتسمعوني لن
أصدق... و لو كان آخر يوم في حياتي فلن أصدق لن أصدق لن أصدق....
هل هناك عمليات تشيل
الأرواح من أجسادها فنرتاح؟
سؤال في نفسي أن أعرف
جوابا له:
هل حقا و فعلا أنهم يصدقون ما يقولونه، هل حقا أن الناس تعيش بهذه الطريقة؟
أصدقوني القول هل فعلا أن الناس يعيشون كذلك و يختارون و يحبون هذه الشكليات فعلا،
هل فعلا يجرون هذه الحوارات و هذه الجدالات و المخاصمات فعلا، هل فعلا يهدرون
نقودهم و عمرهم و حياتهم و دماغهم على هذه السخافات و المظاهر و اللاشيء، و كلماتهم
و حياتهم على اللاشيء... لا شيء لاشيء لا شي... بالله عن جد يعني عن جد هم يفعلون
ذلك فعلا؟
يعني فعلا فعلا و الله أم أنهم يمازحوني
هل إعلانات التلفاز تمازحني
هل استقبالات النسوة و مجالس الرجال و ما يدور في أحاديثهم يمازحوني
هل تفاهات الجرائد و الأخبار تمازحني
هل المجتمع يمازحني
هل البشرية تمازحني
هل الدنيا تمازحني
هل كل شيء يمازحني
أم فعلا هم كذلك
هل فعلا فعلا؟
يعني عن جد لا أصدق
يا جماعة و الله لا أصدق....
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
13
إن
الزبدة شيء غريب و الله... شيء غريب لا أفهمه
الناس تجاهد و تناضل و ترهق نفسها و تنشر المنشورات بحماسة حتى تجاهد و لا تأكل
زبدة دنماركية لمشاعرها الغيورة جدا جدا على رسول الله اللهم صلي عليه الذي لا
يذكرون شيئا مما قاله إلا حين الزواج من ثانية طبعا... ثم هناك أزواج يقتتلون مع
بعضهم من أجل الزبدة و نوعها و ماركتها... و أسامي كثيرة و أعجمية لا يستطيع دماغي
المحدود استيعابها، و إعلانات و أضواء و تفاخر و حكي كتير كتير أكتر من أن تستوعبه
مخلوقة بسيطة مثلي... و هرمونات مضافة و علف ملوث و بقر مصابة بالحمى و الجنون... و
أمراض غريبة عجيبة... و حب الشباب و الشعرانية و ارتفاع التستسرون عند النساء و
العقم و العجز عند الرجال و السرطانات... و الكوليسترول و أمراض القلب و الشحوم
الثلاثية... و الطبيب يقول لا تأكل الزبدة كلها هرمونات، لا تأكل الزبدة كلها دهون
قاتلة، و الطباخ يقول ضعوا الزبدة اللذيذة، و الإعلان في التلفاز حيث الرجل أبو
شنبات يضحك و يغازل زوجته الثانية الجميلة و الصغيرة و يجاكر زوجته الأولى القبيحة
لأن الغنوجة قد طبخت له بالزبدة... و أقرب طريق لقلب العريس الزبدة...
يعني أليست هذه الزبدة هي نفسها التي كانوا يخضون الحليب فتخرج، ذلك الحليب الأبيض
المستخرج من البقرة العادية، تلك البقرة التي عليها بقع سوداء و أنفها كثيرا ما
يسيل، و أحيانا تكون متسخة، و تقول بصوتها الجميل موووو... أليست هي؟
البقرة نفسها و
الحليب نفسه أم هذه زبدة أخرى مصنوعة من اليورانيوم... أم من السم... أم من روح
الإحياء أم من ماذا؟ كل هذا و هناك المزيد في قالب زبدة واحد... حياة كاملة في قالب
زبدة... حياتنا كلها قالب زبدة...
و إن شاء الله عمرو ما حدا أكل زبدة...
لم أسمع بأن أحدا مات و لا حتى مرض من قلة الزبدة...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
14
قرأت
بيتا صغيرا للوركا في أحد المواضيع بالنت
(أريد أن أنام نوم
التفاح)
و الحق يقال أني لا
أميل كثير للشعر المترجم أو أجدني أفهمه و خصوصا المليء بالتشبيهات، و لكن هذا
الوصف بالذات أحسست بي فهمته جدا جدا و بوضوح
إذ جعلني أفكر بالتفاح صديقي...
هل شاهدتم شجر التفاح؟ كيف ينام على الشجرة، و خاصة التفاح الأحمر، لأنه عادة يكون
أقل على الشجرة؟
هل شاهدتموه كيف ينام في المخازن لوقت طويل؟
التفاح ثمر صموت و هادئ. هكذا أراه... ثمر مطواع سهل ناعم جميل مدور و لذيذ، يستكين
بسهولة باليد... و لكنه أيضا قد يخدش بسهولة، و قد يرتض بسهولة، فحذار...
و من النادر أن تمر بكم تفاحة مشاغبة و صاخبة...
ثم يشيخ و يذوي ببطء و سكون... فهو عادة لا يتعفن و إنما يبدأ بالهشاشة و التجعد
بهدوء...
أنا لا أهذي و لكن فعلا هذا هو شعوري تجاه التفاح. لا أدري ألتجربتي معه أم ماذا؟
الأنه مرتبط بذهني بهدوء المزرعة و سكينتها و صمتها المطبق إلا من حفيف شجر خفيف،
ألأنه يقطف في آخر شهر أيلول حين الخريف، و الخريف إيذان بالهدوء و التأمل بعد شغب
الصيف و توهجه؟ ألأنه مرتبط بالسحب و أول نزول المطر، حيث أنك إن انتظرت نزول أول
مطرة عليه في ذاك العام فإنه يصير حلو المذاق...
لا أدري...
حالة من العشق تلك التي تتلبسني تجاهه... فهو يوحي لي بالجمال و الدف و الهدوء و
السكينة و اللذة و المطر...
أشعر بأني أستطيع أن أكتب قصائد غزل في التفاح الأحمر و لا تنتهي كليماتي عنه
أبدا... لست أحبه لآكله فقط... بل الأكل هو الشكل الذي يجعلك تتماهى مع كيان جميل
كإياه ليصير جزءا منك... أحب التفاح الأحمر كوجود يعبق بالجمال... و لذلك أستمتع
بلمسه و تقبيله ثم أكله...
بالفعل حالة وله تفاحي تلبستني حين قرأت الموضوع...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
15
مجرد
هكذا:
هل علي في كل مرة أن
أكتب تبريرا للكتابة أو اعتذارا عن عدم الاتقان أو تحذيرا من النقصان أو محاولة
إيجاد رابط منطقي للكلام لجمعه تحت عنوان أو التنبيه الدائم و المستمر أن الأمر قد
أتركه مفتوحا و أن الإبداع قد يطير أو أن الكاتبة قد تختفي أو أن الكلام غير مكتمل
أو أنه غير مفهوم أو أنه لمجرد التنفيس أو لمجرد الثرثرة أو لإضافته لكتابي كتاب
البهاليل أو أو أو...
التبرير و الاعتذار و التنبيه و التحذير ليس لكم بطبيعة الحال و إنما لها... فأنا
لا أعرفكم و حاجز مصمت و صلد يفصل بيني و بينكم... ليس من منفذ سوى هاتين
النافذتين، حين أغلقهما أنفصل عنكم و أنسى من تكونوا لأعود إليها و أغرق فيها، و
حين أفتحهما أطل عليكم و كأني بكم أتذكركم... و ليتني أتذكركم... بل أنا فعلا
أتذكركم: كيف حالكم؟ قد اشتقت لكم!
لكن مع غباشة تحط على هاتين النافذتين حاليا، حتى تذكركم و الإحساس بكم صار يتضاءل
شيئا فشيئا... فأنتم ما عدتم أنتم... أو بالأحرى نافذتاي ما عادتا هما... فلا هما
عادتا تسمحان لكم بالعبور جيدا، و لا عادتا تسمحان لي بالتحليق خارجا بشكل متقن...
إنما الاعتذار و التبرير لها دائما و أبدا حتى تصمت و ترتاح... فهي التي تساكنني و
هي التي تصرخ في رأسي و هي التي هنا في عمقي...
و هل كان الاعتذار و التبرير يوما على أي شيء إلا لإخراس الأصوات التي تسكن
داخلنا...
لكن لطالما تسآلت هل لصوت أن يكون أعلى من صوتها... و وجود أقرب من وجودها... و
راحة بمعرفة آخر أكثر من معرفتها؟
لمحات قليلة نعم... لمحات قليلة فقط... قد يغلب دفء روح على برودها، و صوت رخيم على
صياحها... و عذوبة كلمات على كلماتها... و يفضل الآخر على الأنا... لمحات قليلة...
لتغالبه ثانية و تنتصر... فيعود و يشد و يجذب و ينتصر... فتعود و تغالبه و
تننتصر... ثم يعود ليشد و يجذب و ينتصر...
و أنا الحبل الذي يُشد بينهما... الحبل الذي يرقب و يشاهد... الحبل الذي يمضي مع كل
الأطراف و لا يمضي مع أي طرف...
ليس الأمر سيئا على فكرة... فأيهما كان الجاذب أو الغالب... فأنا الحبل... أنا التي
أعطيتهما كلا طرفي ليشداه... أنا سمحت لأناي و سمحت للآخر بأن يتجاذبا... و أنا
المنتصرة في النهاية... لأني أنا المستفيدة من هذه اللعبة... الأمر بهذه البساطة...
-----
حكى لي يوما الأستاذ
أبو بكر حكاية، فقال لي: يروى أن معلما يعيش بعيدا كان يعلم نوعا سريا من
الرقص، نوعا يحمل الجسد مع الروح إلى حيث لم يشهدانه قبلا... كان كل من أتاه مريدا
و طالبا يسأله نفس السؤال: أن لماذا تريد تعلم هذا الرقص؟ و لكن لم يكن أحد يفلح
بجواب يجعل الرجل يفصح عن سر رقصه...
حتى أتاه يوما طالب فسأله السؤال المعتاد: لماذا تريد تعلمه؟
فأجابه: لأني أريد...
فأشرقت اسارير الرجل و رد عليه: لو أجبتني أي جواب آخر لما قبلتك... أما جوابك فكاف...
و أشرقت أساريري لأول مرة أنا أيضا، أن سمعت من يقدر هذا الجواب مثلي...
لطالما لطالما كان هذا هو الجواب عندي... لطالما لطالما كان يسكنني في أعمق أعماقي...
و لطالما لطالما لم أجد جوابا أو تبريرا أو علة مقنعة لأقولها أكثر منه... لأني
أريد... لأني أرغب... لأني أنا...
و حتى السر يـُفصح من دون إرادتك و ينكسر الحاجز المصمت
الصلد بينك و بين الآخر حين يأتيك من يجيب على سؤالك بلماذا، قائلا بـ لأني أريد...
على فكرة أنا لا أغششكم الإجابة... و
الأمر ليس بهذه البساطة... و لا ليس بإمكانكم أن تخدعوا بها أساتذة الرقص العميقين
و لا حتى تستطيعوا أن تقتنصوا من خلالها أسرار المتقوقعين و تخترقوا جدرانهم... فهي
ليست مجرد كلمة تقال، و إنما حياة تعاش، و هي تظهر في الكلمات من قبل أن تقال
و خذوها قاعدة من القرآن الكريم:
{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}
فلا أحد لا يمكن معرفته من قوله... لأن لا أحد لا يلحن
بقي أن توجد العينان اللتان تريان...
و ليس دائما العيون ناعسة فيسرح و يمرح المرء على هواه... قد تصادفك عيون يقظة
فانتبه... و خصوصا إن كنت تملك قبحا و مخاتلة تخشى أن تنكشف أو حتى جمالا فتـّانا
تخاف أن يُسفر عنه و يُرى...
-----
عن ماذا أحدثكم يا ترى؟ عن لا شيء... و
ربما عن كل شيء... الأمر دائما و أبدا يتوقف على العينين اللتين تبصران... قد
تبصران شيئا من اللاشيء و قد لا تبصران شيئا من كل شيء... و قد تبصران اللاشيء في
اللاشيء و الشيء في الشيء...
لكن يعني ليس دائما عينا المرء على ما يتمناه... فكثيرا ما تحرنان و ترفضان أن تريا
أي شيء... أو تصيران مذهولتين و تريان كل شيء و زيادة... أو تصيران بليدتين باردتين
عاديتين و تريان فقط بالقدر المتاح لهما أن تريا... تريان ما يراه الآخرون فقط و
كالعادة...
أي العيون تفضلون؟
العيون التي تبصر كل شيء في أي شيء حتى اللاشيء، تبدو لي أشبه بعيني ساحر...
فاللاشيء هو شيء بالنهاية، طالما أن الكلمة قد احتوته فهو شيء... و يا للكلمات كم
تحتوي و تحتوي... دعوني من الكلمات إذ لا نهاية للكلام عنها...
بأية حال بهللة كانت أو سحرا أو ربما غباشة فيزيائية تلك التي غطت عيني، فإنهما و
ما يغشاهما هما ما جعلتني أكتب كل ما أكتب ابتداء...
لماذا أكتب ما أكتب.. لأني أريد
-----
كنت أفكر فيم أملأ هذه المساحة البيضاء...
أستطيع أن أكتب مجلدات و لا أنتهي... نظرت لرقعة السماء الصغيرة التي تبدو من
النافذة و هي الفسحة الوحيدة من بين الأبنية الرمادية المحيطة الخانقة و هي الطبيعة
الوحيدة التي نعرفها هنا في هذه المدينة الكئيبة مع صوت السنونو في الربيع عند
الغروب الآن و بعض قطط الشوارع اللطيفة... و لكني لم أرغب أن أكتب عنها... فهي أجمل
من أن أفسدها و أخنقها بكلمات إنما أكتبها لمجرد هيك...
هل أكتب عن الزكام و السعال الذي ينتابني... ممم لا أحب أحاديث المرض... إذ يكفي
أنه يلم بي فلماذا ألوث الكلمات به و أضعه أمام ناظري...
هل أكتب عن غرفتي المبعثرة حيث لا شيء في مكانه... لا داعي... يكفي بعثرتها، هل علي
أن أبعثر الكلمات بها؟
السؤال هو، هل علي أن أكتب... لا أدري... ماذا أفعل إذن... حاليا لا شيء أفعله سوى
أن أكتب و ها أنا أكتب... ها أنا أستهلك الكلمات هكذا بكل لا مبالاة... بكل صفاقة...
هكذا أجعلها تنسال مني دون أن أفكر...
و لم لا أفعل... لا أدري لم لا أفعل طالما أني أريد... أشعر بأني أريد... فخلاص...
بأية حال... ها قد امتلأت الصفحة البيضاء و مشي الحال... و وجدت ما أكتبه... أليس
كذلك؟
نعم هو كذلك
-----
أتعلمون ذاك الشعور... حين و في غمرة
الحياة تنفصل فجأة عن المشهد و تراه من الخارج كمتفرج و لست كأنك إياه... ترى نفسك
و أنت تمثل الحياة... كأنك مشاهد للتلفاز... و لكن الذي تشاهده هو أنت... فجأة
ينتابك هذا الشعور الغريب في وسط الحياة... قد يكون للحظات عابرة... و احيانا يطول
لوقت طويل... الشعور مربك حين يطول... إذ حينها الممثل أنت يتوقف في منتصف المشهد
عن الضحك أو الثرثرة أو البكاء أو الجذل أو الانبهار أو حتى الطعام... تُشده أو
تعلق في المنتصف... ولا أنت هناك تكمل و لا أنت هنا مبتعد... و إنما بين بين... و
ربما حينها تضحك من سذاجة الممثل أو تبكي من غفلته و انعدام بصيرته أو تستسخف
انبهاره، فتصير النقيض المُذكـِّر المنتبه... هل لهذا الشعور كلمة وضع لها في أصل
اللغة العربية؟
لا بد أن له كلمة ما... لا يعقل أن معنى عميقا كهذا لا يُحتوى بكلمة... لا بد أن
تكون له كلمة تحتويه... و لكني أنا التي تجهلها...
لا بد أن أجدادنا اختبروا هذه المشاعر... بقي أن أعلم ما استخدموه لوسمها...
و حتى ذاك الحين، حتى أعثر عليها، سينبغي على واحدنا أن يستخدم جملا كثيرا حتى يعبر
عن هذا الشعور...
ربما هو الإبصار أو الإدراك أو الانتباه
أو التذكر أو الشهود أو الرؤية
كثيرا ما وردت هذه الكلمات في القرآن الكريم
مثلا {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ
تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}
أو مثلا {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ
مِنَ الْمُوقِنِينَ}
أو حديث أن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا...
و ربما ينتبه المرء بين فترة و أخرى و ينكشف الغطاء عن بصره تارة أخرى فيرى نفسه في
قلب المشهد و يشهد هيئته كيف هي على حقيقتها...
أليس كذلك... ممم ربما...
شيء كهذا... فهو في النهاية إبصار...
ممم... لا أدري
-----
صديقتي أخبرتني أن موضوعي غير مفهوم...
حسنا ربما.. و لا أنكر التهمة... بيد أن السؤال هل أريد أن أكون مفهومة؟
حين كنت أصغر كان ذلك يقض مضجعي... أن أكون مفهومة... حين كبرت عقلت... لم أعد أرغب
كثيرا... و لكن لا ينكر المرء أن الأمر يبدو لذيذا حين يصير... على كل قد استوى
الأمر... فإن تصادف من يفهم شيء طيب، إن لم يصادف فشيء طيب أيضا...
و أحسب كلما كبر المرء انفصل اكتر و أحب أن يكون أبعد و أبعد و أبعد...
أحيانا يشرح المرء و يبين لأنه يريد أن يوصل رسالة ما لأكبر عدد من المتلقين...
لكن حين يكون يكتب لمجرد هكذا... يكتب ما هو عليه، على الحال التي هو عليها... على
من في الداخل... عن العينين كما تريان... عن ما وراء الجدار... يأتي طازجا هكذا من
الداخل إلى الخارج... حينها لا داعي لمزيد كلام و شرح و تبيان...
و مع ذلك لا يعدم المرء من بعض الجمل التي يحاول أن يصقلها و يجعلها مشذبة و غير
مستغلقة...
شو بدنا نعمل... البيان إدمان...
-----
أستغرب من شعور الهدوء الذي يغمرني حاليا...
حيث يستوي كل شيء... كل شيء مكتمل كما هو... حتى أنا كما أنا...
لا شيء مقلق لا شيء مزعج... لا هم و لا حزن.. لا فرح و جذل حد الهبل... لا حنق و
غضب و ثورة و بوكسات و رغبة بعيون تزرّق... لا أيقونات تتقافز و مشاعر تتنطط و جنون...
لا كراهية و بغض... لا حب و شغف... لا رغبات و شهوات... لا اشمئزاز و غثيان... لا
تعلق و لا نفور... مجرد هدوء
و كأني ملكت كل شيء... و كأني فقدت كل شيء... هدوء...
و كأني مودعة الدنيا... و كأني ضمنت الخلود... هدوء...
و كأني عرفت كل أمر... و كأني جهلت كل أمر... هدوء
سكينة و استواء و هدوووووووووووء...
بس يعني للأسف ما في حال بدوم... إذ لو
بقيت على هذه الحال دائما... لحزت الدنيا بما فيها... و لكنت أشجع العالمين قاطبة...
لكن ككل الفيوض... لمحات و يرجع المرء بشريا تتجاذبه الدنيا و صروفها...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
16
دعني
أخبرك بأمر ضعه كالعدسة في عينك... حين تعيش في مكان كل من حولك فيه يتحدثون عن
الباذنجان، أهلوك و التلفاز و المدارس و الحكومة و أحاديث المجالس و الإعلام مكرسة
للباذنجان.... فحينها لن تعرف من الدنيا إلا باذنجانها، ستقوم و تنام على الباذنجان،
لن تدرس و تأكل و تحلل و تسافر و تتحدث و تغني و تقرأ و تكتب و ترسم إلا عن
الباذنجان... ستكره أو تعشق، ستشتهي أو تقرف الباذنجان... ستنهوس أو تتعقد من
الباذنجان... ستعارض أو تنادي بالباذنجان، ستأخذ المنبهات و ستزور الطبيب النفسي و
ستصاب بالاكتئاب بسبب عقدة الباذنجان، بل ربما تنتحر بسبب الباذنجان... ستحسب أن
الله لم يخلق الدنيا إلا باذنجانا... إذ أن عينيك لا تريان إلا الباذنجان...
أهمس لك بسر... هناك دائما أشياء أخر و حياة أخرى... و شيء آخر لم تسمعه...
بدل من حولك... بدل أحاديثهم...
اختر أناسا أخرا... و استمع... استمع لشيء آخر... و ارتفع... ارتفع عما يقولونه...
ارتفع عن كل هذا الهراء... ارتفع و حلق عاليا... فسترى عجبا...
----
يفترض بي هنا أن اقدم لك حكمة أخرى...
حكمة ينبغي لها أن تكون لاذعة و صادمة أكثر من سابقتها...
و لا أخفيك أن اختراع الحكم ليس أمرا عسيرا و صعبا...
يكفي أن يقول شخص ما ما يعن له و يقدمه على شكل حقيقة كونية و حكمة عبقرية بكلمات
بليغة و سيصدقه أحد ما... صدقوني أنه سيصدقه... سيصدقه لدرجة يرغب فيها أن يفنده أو
يستشهد عليه و يؤيده... سيصدقه لدرجة أن سيصير نظرية و تيارا و فلسفة و فكرا...
سيصدقه و سيعيش و أجيال بعده في فلكه...
انظر حولك و احكم بنفسك...
----
حسنا إن كنتم تظنون أني أعرف عن ماذا
أتحدث... فلا... أنا لا أعرف تماما...
الكلمات... السر في الكلمات...
إن وجدت تلك الكلمات المطاطة التي يمكن أن تطلق على كثير من المعاني فقد عثرت على
السر... و حتى لو لم تعثر عليها لا مشكلة... فالتأويل... التأويل لا حد و قيد له...
كل ما يحتاجه التأويل هو مخيلة و اسعة و بيان... و ترااا... الأرنب خرج من القبعة
أمام عينيك...
حسنا أعترف ما زلت لا أعرف تماما عماذا أتحدث...
أو ليش الكذب ربما أعرف و لكن بما أني أستخدم المطاط في الكلمات، فهناك عدد لا منته
من المعاني التي يمكن أن تخطر في بال من يقرأ...
سبحان العليم كم معنى...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
17
أخبرك
بوصفة...
إن وضعت نفسك في موقع التقييم للآخرين فإنك ستشعر بالقوة...
لا يهم أيا ما كنت فقط ضع نفسك في موقع المقيـّم و انثر نصائحك و تعليقاتك و
سخرياتك و ستشعر بالقوة و السيطرة... نقب خلف النفاصيل... العبرة بالتفاصيل... حتى
الشيطان يسكن التفاصيل... و ستجد دائما شيئا ما في التفاصيل و حينها فقط ابدأ هجومك...
انتقده أو اسخر منه حينها ستشعر بالقوة و التفوق... و لا تخشى أن تـُرى عقدة نقصك
تفلت من بين الكلمات... فمعظم العيون تغض النظر هيبة في حضرة من يبدأ الهجوم
بالتقييم...
هل قلت أن (الشيطان
يسكن التفاصيل)
تبدو لي هي الأخرى عبارة قدمت بطريقة كونية و صرنا
نستشهد بها...
حين أفكر بها أشعر بأني لا أعلم ما تعني حقيقة...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
18
على
الورق و بين الكلمات تبني عوالم من القوة و الشجاعة... تخلق من نفسك شيئا قويا
منيعا... الكلمات تجعلك ساحرا ماردا جبارا عملاقا... خالقا... تصدق الوهم الذي
تبتدعه...
ثم مع أول صرصور يصادفك أو درج كهربائي أو حبة دواء أو شارع مليء بالسيارات أو صوت
عال مفاجئ أو فأر صغير أو حتى تعلم شيء جديد كوضع عدسة في عينيك... تكتشف حقيقتك
السخيفة... لست أكثر من بشري ضعيف... مخلوق بئيس مرتعش...
يا خالق المخلوقين المرتعشين الضعفاء أعنهم على الحياة!
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
19
"الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولو الألباب" يعني
أن هناك أقوالا كثرا يستمعونها... لا يقتصرون على قول واحد و شكل واحد و تيار
واحد... ثم يختارون الأحسن من بينها...
و كيف يـُعرف الأحسن إن لم يستمع المرء لعدة أقوال إذ بتفاضلها سيتضح له الأحسن...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
20
البني
آدم مخلوق غريب... في لحظة تكون في أعلى عليين و في اللحظة التي تليها في الدرك
الأسفل... في لحظة تتحدث بأمر، و في اللحظة التي تليها تشعر بأنك لا تدري من هذا
الذي يتحدث أو عن ماذا يتحدث... في لحظة تكون حكيما و بعدها تصبح مخلوقا سخيفا و
ساذجا مباشرة... في ساعة تكون قديسا ملاكا... و بعدها تتحول فجأة إلى شيطان مريد...
أحيانا أتساءل كم نفسا هناك تقطن داخل واحدنا... و كم صوتا يتحدث في رأسه بوقت
واحد... الإنسان مخلوق غريب فعلا...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
21
لو
افترضنا أن رجلا ما أعجبني، و ضعوا خطين تحت افترضنا ... حين أفكر فيه أجده جذابا
لنفسي أكثر مني لنفسي... الغريب أنه ربما أكون أجمل منه و دمي أكثر خفة و حكي أظرف
و أرى ذلك بأم عيني و لكنه مع ذلك يبدو لي جذابا و أحاديثه مشوقة أكثر و أبدو لنفسي
مملة و أسأم من رؤية وجهي بالمرآة و صحبتي تجعلني أشعر بالتثاؤب بينما صحبته قد
تجعل ابتسامتي تمط بشكل غريب حتى تكاد تصل أذني... أليس شيئا غريبا؟
تساءلت بيني و بين نفسي لماذا لا أجذبني بنفس الطريقة التي يجذبني بها... لطالما
تساءلت لماذا لا يستطيع المرء أن يرى الحياة بنفس الزخم و القوة كما يراها حين يكون
عاشقا... لماذا لا يستطيع أن يكون مكتملا مع ذاته و مرتاحا بنفس الراحة التي
يستشعرها في داخله حين يكون مع الحبيب... لماذا لا تكون رؤيته لنفسه تعطي البهجة
بنفس القدر الذي تعطيه فيها رؤية المحبوب... سؤال دائما ما يخطر لي...
ثم فكرت أن لأن هذه هي الفطرة... هكذا رُكب البشر...
هذا الانجذاب الذي جعله الله بين الرجل و المرأة غريب فعلا...
الأمر يبدو غير مفهوم... و لن تجد جوابا له على لماذا... و لا يمكن حسابه
بالمعادلات المنطقية... و لكنه الفطرة... هذا الجذب...
فكرت كثيرا بالأمر... ثم قلت سبحان المحنن... الله جعلها هكذا حتى تمشي الدنيا
يمكن... و حتى يحتمل الرجال النساء و بالعكس و يعمر الكون...
حسنا أعلم أنه لا يبدو اكتشافا ذكيا... و لكنه اكتشاف بأية حال و الأسوأ أن يكون
نتيجة لافتراض و تخيل وجود ذاك الذي يجعل ابتسامتي تمط لتلك الدرجة...
أيضا سؤال خطر لي مثلا... هل من نعيم الآخرة أن يصير المرء كاملا... يعني لا حاجة
له للآخر حتى يشعر بكل هذا الدفء و الحنان واللذة و الحب الذي يغمره حين يلتقي مع
حبيب... إنما يشعر بالاكتمال و الامتلاء تماما و ذاك الفراغ للآخر لا يعود يشعر به؟
السؤال الآخر كم شخصا يرغب بذلك الاكتمال المتوحد؟
بأية حال هذا ما يفعله كثرة التفكير... و لا أدري ما سأكتشف بعد من اكتشافاتي
العبقرية البهلولية... سأتحف بها البشرية لاحقا...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
22
لم
أكن أعلم أن الدنيا تبدو هكذا... أقسم لم يكن يخطر ببالي أبدا أنها تبدو هكذا...
حين وضعت العدستين لأول مرة و صرت أنظر لكل ما حولي... أصبت بالذهول ... و كأن
نافذة كانت متسخة و صارت نظيفة فجأة... بت أكتشف الأشياء لأول مرة... بل إني أصبت
بالصدمة حين نظرت لنفسي و للبشر حولي... و لا أنكر أني قد أصبت بصدمة جمالية عنيفة،
إذ كنت أحسبني أجمل... و لكن يعني عزائي، أني أيضا كنت أحسب الآخرين أجمل... و بما
أن القيمة الجمالية قد انخفضت للبشرية برمتها، فهذا يعني أني ما زلت جميلة بنفس
الدرجة التي كنتها سابقا، أو هكذا أعزي نفسي...
كل هذه الأيام و أنا لا أعلم أن الدنيا لا تبدو كما كنت أراها... أنى كان لي أن
أعلم أن هناك رؤيا أكثر وضوحا و نقاء من تلك التي أعيش معها...
فأنى للمرء أن يقطع بما تنقله له حواسه إن كانت تستطيع أن تقلب له الحقائق بمثل هذه
الدرجة؟
أنتم أيها المعتدون بتكبر بذكائكم و منطقكم و عقلكم... ما أدراكم أن ما تنقله لكم
حواسكم ليس هو كل الصورة... و أن هناك أبعادا أعمق و أكثر وضوحا لم تصلكم لخلل في
رؤياكم؟
قلت لأبي... أنا مذهولة، لم أكن أعلم أن الصورة التي كانت تأتيني متوهمة؟
فرد أبي مصححا: بل هذه الجديدة هي المتوهمة... و ما كنت ترينه قبلها هو الأقرب
للصواب... لأن الدنيا هي هكذا...
لأول مرة لم أفهم ما يعنيه والدي...
ربما لأني ما زلت تحت تأثير الانبهار بالصورة الجديدة... ربما حين "تروح السكرة و
تجي الفكرة" أكتشف أن العدسات فعلا ليست أكثر من وهم... و ربما... ربما الصورة من
دونها هي أكثر اقترابا للحقيقة... و ذلك لأنها لا تعتد بعناد بالمحسوسات و لا تقطع
بالمشهد...
على فكرة اكتشفت أن هذه ثالث مرة أذكر كلمة عدسة في الموضوع مؤخرا... الكلمات تبين
عن قائلها... ألم أخبركم قبلا أن الناس يعرفون من لحن أقوالهم...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
23
هل
تخيفك فكرة أن إيمانك نابع من ذاتك وحدك و أن الخيار بين يديك... بيدك أن تنكر أو
تؤمن... تصدق أو تكذب... هل يرهبك أنك أنت من يقرر الالتزام بالأوامر و النواهي
لأنك أنت اخترت ذلك بمحض إرادتك، أو تقرر اطفاءها من رأسك و حينها تستطيع فعل ما
تشاء... هل يخيفك ذلك؟ هل تخيفك تلك القدرة فيك؟ لا تحدثني عن أن ما يمنع المرء هو
الأثر النفسي و إرهاب الشيوخ... هذا الكلام لا وجود له إلا في نفوس البسطاء و
العامة و السذج، في نفس من لا يعلم ماهو الإيمان و ما هو الخيار، في نفس من لتوه
اكتشف أنه حر و أنهم لا يملكون أكثر من الكلام الذي يمكن أن تضاده بالكلام أو مجرد
أن تصم أذنيك عنه فيختفي...
لكنك أنت شخص آخر... أنت مدرك لكونك مختارا... إن اخترت الإيمان فلأنك أنت أردت
ذلك... و إن لم تختره فلأنك أنت أردت ذلك أيضا...
أنت وحدك لتراهن... أنت وحدك لتصدق أو لا تصدق... أنت وحدك من يبحث عن البراهين
ليختر هذا أو هذا... أنت وحدك من يقرر... أنت... أنت... أنت...
الأمر ليس لعبا... أنت هنا لست لتلعب... أنت هنا لتختار...
أعلم أنك لم تختر البداية و لم تُسأل لتكون و أنك فجأة وجدت ليُطلب منك أن تكون
مسؤولا و مختارا و يوكل الأمر إليك و أن و أن و أن... أترى ذاك الحائط، ما رأيك أن
تذهب إليه و تبدأ بنطح رأسك به... انطحه حتى آخر الزمان و انطحه و أنت تصرخ و تندب
و تبكي انطحه... هل ترى سيتغير الأمر عليك... ستبقى موجودا موجودا موجودا... و مها
بكيت فلن تعود عدما...
كن شجاعا كما عرفتك و قف على قدميك و توقف عن ترديد عويل الأطفال و هدر عمرك و
طاقتك فيما لا طائل منه و واجه الأمر... واجه الوجود... واجه الخيار... و قرر أن
تفعل بوجودك _الذي لم تختره_ ما تختاره... تجاوز قليلا ما تنبئك به حواسك و القياس
السطحي و حاول أن تبحث عن علة و معنى... و حتما هناك علة و معنى... لكن فقط توقف عن
الشكوى و الندب و التفجع و ابدأ بالتصرف... ابدأ بالتحرك... ابدأ بالمضي... ابدأ
بالتفكر و النظر... و ستذهل من النتيجة... صدقني ستذهل...
حسنا لا تجزع كثيرا و لا تكلف نفسك أكثر من وسعها و لا تفكر بالنتيجة كثيرا... فقط
افعل ما تستطيعه... و اترك ما لا تستطيعه لمن يستطيعه...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
24
فكرت
ذات مرة أن لن أتزوج إلا من شخص يقطن في أبعد نقطة في الأرض عن مكان سكاني... و حين
وضعت يدي على الخريطة على أبعد نقطة... اتضح أنها نقطة في المحيط و لا وجود
لليابسة...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
25
الأعراس
شيء غريب... شيء لا مفهوم... شيء مجنون...
أحسب لغة سكان المريخ أسهل فهمها و تبدو لي منطقية أكثر من الأعراس...
ضجيج قتال تشعر بأن قلبك يكاد ينخلع من هذا الصخب... استعراض و استعراض و استعراض
بلا معنى... فكل النساء يشبهن بعضهن... و أنا امرأة مثلهن... بهرجة و جنون و هدر
لأموال و سخف و هراء... و تكرار للمشاهد نفسها في كل عرس... تكرار لا ينتهي... و لا
أدري لماذا... أقسم لا أدري... أحاول أن أفهم... لكن عبثا أحاول...
حرت في أمري كيف أمضي هذه الأربع ساعات... عددت أصابعي كثيرا و تأملتها و تأكدت من
أنها عشر أصابع... تأملت الطاولة أمامي و تتبعت زخارفها بإصبعي ما لا يحصى من
المرات... تحسست الأشياء حولي و اكتشفت تفاصيلها... الطاولة، الكرسي، باقة الورد،
حبل الستارة... ثم ماذا... ثم ماذا... نظرت للنسوة... و تلفت يمنة و يسرة... و عبثت
بحقيبتي و طرت بأفكاري و تحركت على كرسي جيئة و ذهابا... كل هذا و لم تمض سوى
ساعة... ماذا أفعل بعد...
للاسف أن ليس لدي خططا بديلة عن كيفية تبديد ساعات العرس بدون الشعور بأني أكاد
أنفق... هل لديكم مقترحات تسعفوني بها في حال حكم علي بعرس آخر...
كل هذا الضجيج و الأضواء و الجنون جعلني أشعر أن روحي امتُصت مني حتى آخر قطرة، و
لا أفهم أنى لكل هؤلاء استعذاب كل هذا الجنون.... لذلك يحتاج المرء بعد العرس لفترة
نقاهة يمضيها بهدوء مطبق محاولا التنفس و استعادة ما بدده هذا التعذيب...
يا إلهي... في أحيان أفكر أنه إن أردت أنتهي من الحياة سريعا دون أن أقع في اثم قتل
النفس، ما علي إلا أن أحضر أعراسا على مدى شهر... و حينها أغلب الظن أني لن أبلغ
نهايته...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
26
فيما
ورد في البحث عن العريس اللقطة:
إن كنتم مثلي تسمعون
بالعريس اللقطة، و الجميع حولكم يتحدث عنه و لكنكم حتى الآن لم تفهموا ما هو اللقطة
و لم تعرفوا كيف يبدو... فاستمعوا لما قيل لنا...
كانت بداية الخيط ما قالته إحدى قريبات صديقتي لها ذات مرة تحثها على أن تحرك نفسها
قليلا لتجد رجلا مناسبا تتزوجه _و كأن إحدانا تصل لهذا العمر و لم تفكر بالحب و
الزواج، حتى يأتي شخص و بكل ذكاء و ألمعية يخبرها أن ماذا تفعل حتى الآن بما أن
الرجال المميزين و الرائعين و الذين يجعلون قلبك ينبض أو العرسان اللقطات كما يمكن
أن نسميهم، حتى و لو لم نكن نعلم معنى الكلمة، يتناثرون على الطرقات لكثرتهم و ما
عليك إلا أن تلتقطهم_ المهم كانت فكرتها أن هناك مقهى باسم أعجمي في منطقة راقية
بالبلد _أو هكذا يسمونها نظرا لارتفاع أسعار متر الأرض فيها و ليس لأي ميزة أخرى
طبعا، طبقا لتعريف الرقي في مفهوم بلادنا اليعربية_ يتجمع فيه شباب مثقفون و أجانب،
و بما أنه مقهى باسم أعجمي بمنطقة راقية و تسعيرته غالية الثمن و فيه شباب مثقفون و
أجانب فلا بد أنهم عرسان لقطة... فهذا أمر بديهي... و منذا الذي لا يعرف ذلك!
صديقتي شغلتها الفكرة، إذ هي المرة الأولى التي يخبرنا أحد عن مكان تواجد هؤلاء
اللقطات بعد أن أعيانا البحث عنهم، فسألتني إن كان لدي فكرة عن المقهى... و لأني
لست أعلم شيئا عن مقاهي البلد إذ لست من مرتاديها، اللهم إلا المقهى البيئي المطل
على قلعة دمشق القديمة و الذي لسوء الحظ لم نصادف فيه حتى الآن أي عريس لقطة بطبيعة
الحال، أجبتها بالنفي...
فما كان مني إلا أن سألت أخي إن كان يعرف المقهى، فقال لي نعم أعرفه... فسألته
باهتمام: هل حقا يجتمع هناك عرسان لقطات؟
أخي فكر كثيرا ثم قال لا أدري، و لكن لدي صديق دائم الارتياد له، دعيني أتصل به
لاسأله... فأمسك الهاتف و اتصل به، و إذ و يا للحظ يصادف أن صديقه جالس في المقهى
إياه...
فسأله أخي: هل حقا أن المقهى هذا مليء بالعرسان اللقطات؟ و لكن حتى صديق أخي يبدو
أنه لا يعرف معنى الكلمة هو الآخر، فأجاب بأنه لا يدري... فقال له: طيب انظر حولك و
أخبرني... نظر الصديق حوله و أخذ يصف الموجودين و الموجودات ثم أجاب: لا، لا أظن أن
هناك لقطات بين الحاضرين...
و هكذا أنهى أخي المكالمة و اعتذر لي أن صديقه لم يشاهد أي لقطة هناك
و رغم أن الواقع قد بدد الحلم إلا أن الفكرة ما زالت تعابث خيالنا بين كل فترة و
أخرى... و ما زلنا نفكر بالذهاب لنشاهد كيف يبدو العريس اللقطة، هذا الذي دوخ
الجميع في الحديث عنه و لكن لم يره أحد حتى الآن... هناك... هناك في ذاك المقهى
يكمن السر... هناك سنعرف الجواب...
لكن سؤالا سألتنيه صديقتي كان بمثابة صدمة: هل أنت عروس لقطة؟
و لأني لا أعرف معنى لقطة أصلا فلم أعلم بم أجيب... لكن ماذا... ماذا و بعد كل هذا
البحث عن اللقطة تبين لي أني لست لقطة أصلا، ماذا أفعل حينها؟
ثم بعد تفكير وجدت الحل، ليس علي سوى أن أزور ذاك المقهى و أصير من اللقطات
لذلك إن أردتم أن تعرفوا معنى اللقطة ما عليكم إلا زيارة المقهى... و لا تسألوني عن
اسمه، ليس لأني أخاف أن تسبقوني للقطات و تحجزوهم كلهم ، و لكن لأني نسيت ما
اسمه...
أما إن لم تعجبكم نوعية اللقطات هناك فلا تلوموني، فإنما هي نصيحة قريبة صديقتي،
التي لا أخفيكم أني لست معجبة كثيرا بأفكارها و لا بمفهومها عن اللقطات...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
27
لدي
تساؤل بريء لطالما شغلني:
كلما ارتفع سعر الذهب... خالتي تقول لازمتها المعهودة " الله يعين الشباب يلي بدهم
يتزوجو"
و أنا بكل طاقتي التفكيرية التي أوتيتها أحاول أن أفهم ما الرابط بين الزواج و
الذهب حتى يمنع غلاءه من زواج شاب ما؟ أقسم أني لا أجد أي رابط بينهما... أحاول أن
أفكر في أي مرحلة من مراحل الزواج الذهب فيه لزام حتى يتم؟ لا أجد... كل ما أجده
قيد و وهم غبي اخترعه الناس...
كل من النساء و الرجال
متورطون بهذه الكيفية الشوهاء التي آل إليها شكل الزواج... لا أبرئ أحدا... و
العناصر الأضعف من الجانبين هي التي تدفع الثمن...
و على فكرة و الله العظيم هناك أناس يتزوجون بل و ينجبون و من دون ذهب حتى... أفكر
في إخبار خالتي بالحقيقة، فلربما لم تدركها حتى الآن...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
28
الموقفان
التاليان أرويهما لأنهما يحملان الكثير من المعاني... جعلاني أفكر كثيرا و مطولا...
لدي صديقة سويدية تكبرني بعشرين عاما أو أكثر... و أنا دائمة الحديث عنها... لأنها
في نظري تمثل كل شيء أحبه في المرأة... الدهاء و الجمال و القوة و الطفولية و
التواضع و حتى غرابة الأطوار و تكريس حياتها للعلم... تزورني مرة كل عام أو عامين
كلما أتت دمشق...
في مرة دعوتها لتناول الطعام... و كان طبقا من الأطباق الشامية المعقدة و الغريبة
التي يحار المرء في الشخص المتفرغ و الذي يملك مخيلة جامحة و اخترعها، بقدر ما فيها
من بذل جهد و تفنن و هدر للوقت... و ألزمنا فيها العرف من بعده...
المهم... أحبت الطبق... و سألتني إن كنت أجيد طبخ هذه
الأطباق... فقلت لها: لا...
فقالت: فمن يحفظ إذن التراث الشامي للطبخ؟
أطرقت مفكرة ثم أجبتها: كل هؤلاء الناس يطبخون هذه الأطباق، و بالناقص من واحد لا
يحفظه (يلي هو أنا)، ثم إن الأمة قد ضيعت كل تراث الأجداد و نتاجهم العلمي و
الحضارة برمتها... فمن يحفل إن ضاعت الكبة أو الششبرك، ألا ليتها تضيع و يعود جزء
من الحضارة التي أضاعوها...
فسألتني: إن تزوجتِ، فماذا يأكل زوجك؟
قلت: نأكل خضارا... أي طبق سهل... ليس بالضرورة هذه النوعية من الأطباق...
ثم صمتت لوهلة و عقبت بخبث و هي تضحك: أو ربما يأكل منك...
حسنا لن أخبر كيف صار شكلي كالبندورة حينها...
ثم سألتها لأني كنت شبه يقينة أن امرأة مثلها لا تعلم من اين طريق المطبخ...
- ها أنت متزوجة و زوجك يحبك، هل تطبخين؟
أتعلمون بم أجابت؟
قالت و بثقة: لا، و لكني سويدية.
أسمعتم... هي سويدية... لأنها سويدية... و الجواب الذي
ينهي الخصام... لأني سويدية...
ما استطعت أن أسألها أي أمر آخر... السويدية هي التي يحق لها... العربية لا يحق لها...
و كأن ما وجدت العربية إلا لتكون على ما هي عليه... و هذا ما ينبغي لها أن تكونه...
الموقف الثاني... أنها في كل عام تسألني، هل تزوجت أم لا... و تستغرب لِمَ لم أتزوج...
و تحاول أن تفهم... و لكن أنى لها أن تفهم؟
ثم تبدأ بنصحي أن لا أتشرط كثيرا... و لأني أعرف سيدة مثلها لا يمكن أن تتزوج أيا
كان، سألتها: كيف تزوجت؟
قالت لي: الرجال لم يكونوا مشكلة في حياتي، في الواقع أنا التي لطالما كنت مشكلة
لهم... و ضحكت...
ثم قالت أنها حين أسلمت أرادت أن تتزوج و لم تكن لها طلبات و شروط. و إنما رجل مسلم
فقط، تلميحا لأني قد أكون أن أتشرط شروطا تعجيزية...
و لأني أعلم أنه من المستحيل لامرأة مثلها أن ترضى بأي مسلم و السلام، فعلقت قائلة:
هل يعقل أن تتزوجي من أي شخص من دون شروط فقط لأنه مسلم، هل تستطيعين أن تتزوجي
رجلا سيء الخلق أو تافه..
فقالت: حين أسلمت قد حذروني من الرجل العربي.. لأنه قد يكون سيء الخلق... على كل
أنا لا أستطيع أن أتزوج أيا كان... لأني لا أتقبله و قد أقتتل معه... إنما أردت
زوجا يفهم حضارتي... و يعاملني على اساس حضارتي...
و هنا فهمت... فهمت القضية كلها... كشفت السر...
حين تكون المرأة من حضارة قوية _و نعني بالحضارة هنا المجتمع و ليس التاريخ كحضارة
الفايكنغ في حالتها و حضارة هارون الرشيد في حالتي_ فإن هذا يمنحها القوة...
الحضارة، القانون، العرف، النظام هو من يمنح القوة للمرأة أو ينسفها... إن كانت في
صفها و تعطيها الحق في أن تكون على الهيئة التي تريدها، تعطيها فسحة من الحرية، من
القدرة على اللااعتيادية، فإنها تمنحها القوة...
لم تجد مشكلة في الزواج لأنها ترغب بشخص يفهم حضارتها، يعاملها كما تريد أن تعامل،
يعاملها كما هي تماما من دون تمثيل، على طبيعتها... و لديها السند... لديها العذر...
(أنا سويدية) و هذا ينهي كل كلام و جدال...
بالنسبة لنا، نحن اللواتي ننقد المجتمع و تخلفه و ظلمه و طريقة عيشه السطحية، نريد
شخصا خارجا عن أعرافه التي ما أنزل الله بها من سلطان، شخصا لا يريد امرأة بالقالب
الذي حجموا فيه المرأة العربية... نحن الذين الرجل العربي الذي حذروها منه هو
واقعنا_ حسنا ليس لزاما الزواج من عربي أو أن يكون كذلك كل رجل عربي، و لكني أتحدث
بشكل عام حتى لا يساء فهمي_... فإن كانت امرأة عكس التيار و بخلاف تلك الصورة
المفروضة على المرأة العربية... و عكس العرف و العادات السائدة... و تطلب و تتطلع
لشيء أعمق من نوعية العلاقة التي تؤمنها لها حضارتها... فانها تنتظر أطول و أطول...
لأن الخيارات تصبح أقل و أقل و اقل... هذا إن وجدت... و الأمر نفسه بالنسبة للرجال
_لأن أمرهم يعنيني فلدي من أعرفهم مختلفين يعانون بنفس الدرجة التي تعاني منها
المرأة المختلفة_ أيضا إن أراد من تضاد مجتمعه و ترتقي عن سطيحة عقلية المرأة
السائدة في المجتمع و عن طريقة سخف الحياة التي ربيت عليها أو يعيش بطريقة تخالف
معايير المجتمع... فسينتظر أطول و يبحث بشكل أصعب...
السويدية كانت تتبع القاعدة... و لذلك سهل الأمر عليها...
نحن الاستنثاء... و لذلك ما زالنا نبحث و ننتظر...
و أنا لست سويدية فهل أنتم كذلك؟
--
لدي قصص أخرى مع هذه الصديقة... رغم قلة لقاءاتي بها... و لكن هذا الاختلاف و البون
الواسع بين المجتمعين، و بعض المواقف الصغيرة معها... قدعلمني كثيرا... كلانا
مسلمتين... و لكن المجتمع يعامل كلا بطريقة مختلفة... تماما...
إحدى صديقاتي حين قرأت
مقالتي ظنت أني أتحدث عن الأجانب بأنهم لا يكترثون بالطعام، و صراحة لا أدري أي جزء
من كلامي يمكن أن يفهم منه هذا؟ إن الشيء الذي لا جنسية له و لا لون و لا عرق هو
العادية... فالعاديون متشابهون في كل مكان، العاديون يحتلون العالم... و عادي
فنلندي مثل عادي كوالالومبي... و لا أدري حقيقة إن كان هناك بلد اسمه كوالالومبا
أصلا، لكن منذا الذي يحفل بأمر كهذا حين الحديث عن العادية، إذ سواء أوجد أم لم
يوجد فالنتيجة نفسها، سيكون العاديون يقطنونها و هم يتشابهون مع العاديين الآخرين
في أرجاء المعمورة...
إنما كنت أتحدث في
كلامي السابق عن نموذج نسوي
لا مألوف يجذبني و لكنه في
مجتمع آخر... كيف يتصرف و كيف يعامله المجتمع... صديقتي من النوع المفكر و غريب
الأطوار و حياتها
بمعظمها تكرسها للعلم... و لذلك تحدثت عنها...
و نفس من ظنت خطأ أولا
قد ظنت أني أدعو للمطاعم و الطعام الجاهز؟ و لا أدري كيف لشيء كهذا أن يـُفهم من
كلامي... أنا سلمى، و يا للعجب! فعلا ما أغرب ما تختلف المعاني و الأفهام لنفس الكلمات! و هنا يأتي
إزعاج زيادة الشرح، و هو ما أمقته و أبغضه عادة... و لكن زيادة البيان خير من تشويه
معنى الكلام...
ما عنيته بانتقادي هو الاستغراق
بهذا الشكل المهووس... أن يكون الطعام و نكهاته و أشكاله هو مدار الحياة... أن يكون
شيئا رئيسيا و مصيريا... ربما يأكل المرء هذه الأكلات المتفننة عدة مرات في العام و
يشتهيها... أما أكثر... فسيصير أمرا مزعجا...
المشكلة ليست في المحفور و المقشور أنه متعب لنبحث عن المعلب منه استسهالا، فهذا
ليس حلا، و إنما استبدال حفرة بحفرة أسوأ، و لكن المشكلة في الاستغراق و الهوس بحد
ذاته... حد نسيان أن الطعام وجد لأجلنا لا وجدنا لأجله...
و أجده بصراحة أمرا قادحا أن يتحدث رجل عن الطعام بكثرة و شغف أو ينتقد طعاما و
إعداده بطريقة مسفهة و خصوصا إن كان رجلا محترما و مفكرا... من دون شعور مني يفقد
شيئا من احترامه في نظري مهما كنت أحترمه... ربما لأن نظرتي للرجل مثالية زيادة عن
اللزوم... فأنا أراه ذاك الذي يعتبر الطعام فقط وسيلة ليحيا بها... و هو أكبر من أن
يشغل نفسه بسفاسف الأمور... فذهنه مصروف عنها بعظائمها... يعني مثالية زيادة...
بعرف... و ربما لذلك لم أفلح و أتزوج... فهذا التفكير هو ما يسمى بهللة... للأسف قد
تبهللت و قضي الأمر!
علما بأني لا أفرض رأيي المثالي في نوعية الحياة المتقشفة هذه، إذ أعلم أنه غريب، و
مثالي زيادة... و لكن لا أنكر أني أقيّم الشخص الذي يكون على درجة من الوعي و الفهم
و يكون مفكرا بطريقة حياته و تعامله مع مثل هذه الأمور...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
29
حين
كنت صغيرة كنت لا أجيب على سؤال إلا بـ عادي أو كلو سواء... كنت أحاول أن أقتل هذا
الذي يرى أنه ليس بعادي... أريد له أن يموت... كشأن الآخرين... لأنه إن أردت لحياتك
أن تسير من دون اصطدامات فعليك أن تقصر نظرك بحيث يرى أن الوضع عادي... و كما
تعلمون فأن تغير نظرك أسهل بمليارات المرات من أن تغير الوضع أو أن تقاومه حتى...
لذلك حين يصير كل شيئا عاديا في نظرك حقيقة... و يختفي ذاك الصوت الخافت داخلك الذي
يقول بمراراة لاء مو عادي... كل هذا الجنون و التفاهة و الظلم الذي حولك بت تراه
عاديا... فاعلم أنك مت... و أنك بت جزءا من المشهد...
و حين كبرت و سئمت من الكذب على نفسي... صرت أتجرأ لأراه مو عادي... بل صرت أوقح
لأصرح بأنه لاء مو عادي...
لاء مو عادي... و سأظل أقول لاء مو عادي...
لأنه حين تصر على رؤيته غير طبيعي و غير عادي.. ستحاول أن تفعل شيئا لتغييره... أو
على الأقل لا تركن إليه و تستسلم...
ألم تسمعوا ميادة بسيليس و هي تغني (إيه حاجة تقولوي عادي.. لاء مو عادي... عفن
قلبي من العادي... و بتقولو عادي.... مو عادي إلا الفاضي.... عندو كل شي شي عادي)
إن لم تسمعوها
فاسمعوها شو خسرانين....
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
30
يا
الله كم أبغض هذا الشعور...
الفكرة التي تنخر في الرأس كالسوسة...
هل قلت فكرة؟ هل وضعت ذاك الذي ينخر في الرأس تحت مسمى فكرة...
ذاك الشيء... ذاك الشيء الذي لا اسم له... ذاك الذي يريد أن يخرج و لا شكل له...
المعاني التائهات السابحات في العمق...
يركلن بعنف مريدات الانعتاق...
أنى أخرجكن... كيف أمسك بكن... من لي بالقبض عليكن...
لو أني أملك الكلمات... لو أني أملك البيان... لو أني أملك النغمات... أو
الرسمات... لو أني أملك ذاك الذي يستطيع أسر كل هذه المعاني التي ترهقني
بتجريدها... تستنزفني بغموضها... تفقدني صوابي بأزيزها... تجعلني أدور حول ذاتي
بإبهامها... تدور و أدور، تدور و أدور، تدور و أدور... حتى تكاد ترديني بتعنتها...
لو أن لي ملاذا للهروب منكن... لو أن لي طريقا لأخرسكن... لو أن لي وسيلة
لأقيأكن... لو أن لي سبيلا لأزهقكن... لو أن لي قدرة لأكتبكن...
يا رب المعاني و سيد الكلمات آتي كلمتك المتعَبة هذه تيك الكلمات!
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
31
أريد
أن أحدثكم عن أمر...
أشعر فعلا بأني أريد أن أقوله... أشعر بأني كبالون مليء سينفجر إن لم أخبر به...
أريد أن أخبركم به صدقا... أريد أن أكتب عنه مجلدات و لا أتوقف... أثرثر حتى يهترئ
اللسان و يفنى السمع... أتحدث حتى تبلى الكلمات...
و ها أنا أتيت لأقوله... أتيت لأضعه أمامكم... أقسم لأقولنه... لم يبق إلا أن أتلفظ
به... على رأس لساني... ها هو آت... ها أنا أقوله... هاه هاه...
لولا أن... لولا أن فقط... أني لا أدري ما هو...
أريد أن أحدثكم عن أمر، بيد أني لا أعرف ما هو...
هو أقرب ليكون
لاشيئا...
هل أستطيع أن أتحدث عن اللاشيء... منذ البارحة و أنا أتحدث عن اللاشيء... كتبت لأحد
الأصدقاء عن اللاشيء... و لا زالت الرغبة باللاشيء مسيطرة علي...
هل تظنون أنه لا يمكن الحديث عن اللاشيء؟
صدقوني هناك الكثير من الأشياء التي يمكن قولها عن اللاشيء...
إيكو في روايته جزيرة اليوم السابق قد كتب صفحات و بطله يفكر فيها هل اللاشيء شيء،
و يسفسط الفكرة؟
يعني هي وقفت علي أنا؟ حتى أنا أستطيع أن أتحدث مجلدات باللاشيء هذا... لحظة، قد
سميته بـ "هذا"، يعني أنه شيء... أليس كذلك؟
أرأيتم هذه مساوئ الحديث عن شيء حين لا تدري ما هو... يصير دماغك يدور حول نفسه...
تجتاحك أعراض "الخنفسة بالطاسة"... و لا داعي للحديث عن أعراض "الخنفسة بالطاسة" إذ
تبدو جلية، أليس كذلك؟
أوه... يا لحظي، أحس بأني تحدثت بكثير من اللاشيء!
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
32
من
الكلمات التي تضحكني كلمة "الجرأة" و "جريء" التي يستخدمها الممثلون و المثقفون و
المخرجون كثيرا... طرح جريء، دراما جريئة، مشهد جريء، حوار جريء... الخ الخ الخ
الغريب أنها دائما تأتي في نفس المواضيع، و من النادر بل من شبه المستحيل أن تأت في
مواضع أخرى... عادة تتعلق بأمور تهز المجتمع و لكن من موضع واحد... هذا الموضع هو
حقيقة في الـ safe side... جرأة و تفتعل مفرقعة و تستفز و تثير جدلا، و لكن
استفزازها موجه لفئة من الشعب فقط... و هي في حقيقة الأمر فئة لا تملك زمام شيء...
هذا إن لم تكن مقصاة و لا وجود لها... يعني إن استفززتها أو لم تستفزها سواء عليك،
فلن ينالك ضرر... بل على العكس ستخلق لك صيتا و شهرة و لن توديك وراء الشمس، هذا إن
لم تجد أن مالكي الشموس هم من يطبلون لك و يزمرون...
أي شيء أجرأ من هذا... صيت و شهرة و أمن...
و سلملي عالطرح الجريء...
حتى أنا طرحي جريء و مفعم بالجرأة... و لذلك كلامي مجرد و ليس عندي أمثلة...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
33
أي
شيء أسوأ من وضع تبريرات لسوء الخلق و تقديم العذر له... و كأن هذا جزء منه لا
ينبغي إلا أن يكونه أبدا...
(المرأة ثرثارة و الرجل أناني
المرأة تحب المظاهر الرجل خائن
المرأة نكدية، الرجل لا مسؤول
المرأة لا أدري ماذا و الرجل أيضا لا أدري ماذا)
و هكذا سيصير لواحدنا العذر لسوء خلقه، فطبيعته هي التي فرضت ذلك عليه و هو
معذور...
حين قال الله تعالى: خلق الإنسان من عجل، سأريكم آياتي فلا تستعجلون... في نفس
الآية، يعني فيك خصلة العجلة، و مع ذلك لا تستعجل...
حين قال رسول الله للسائل ألا يغضب... كان يعلم أن فيه خصلة الغضب و لذلك وصاه ألا
يغضب...
أيا كانت تلك الخصلة السيئة التي ولدت مع المرء، ذكرا أو أنثى، يفترض به أن يحاول
جهده في تشذيبها... و إلا لا معنى للحساب إذ سيكون ظلما لو أن المرء معذور في بقاءه
على بهيميته و غير قادر على تشذيب نفسه و الارتقاء بها ثم يحاسب على ذلك...
هذا على أحسن افتراض أن هذه الخصل السيئة قد ولدت معه حقيقة و ليست ربيبة المجتمع
الذي غرسها فيه... و هذا ما يفسر اتصاف شريحة عريضة من الناس بها في مكان ما في زمن
ما (المرأة ثرثارة الرجل خائن... الخ)
مثلا هل فطر الإنكليز على حب النظام و نحن فطرنا على الغوغائية؟ أم أنها التربية و
السلطة هي من خلقت أفرادا هكذا هنا و هناك؟
المجتمع سيء الخلق، برجاله و نسائه، لا لأن هذه طبيعة لا يمكن تغييرها، و إنما لأنه
ربي على ذلك...
كفى تبريرا لسوء الخلق، فهو لا جنس له...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
34
لا
أدري لم ما زلت أشعر بالسوء من نفسي لأني لم أسلم عليه حين شاهدته في الطريق... مع
أن مستشارتي للحياة الطبيعية و التي تريني الصورة بشكلها السوي خارج رأسي المثقل
بالأفكار المهسترة الست وفاء خانم قالت لي ألا أشعر بالسوء، و أن ما فعلته أمر
عادي... و لكني صدقا أشعر بالسوء... هذا مو حيالله، هذا ليس أيا كان... هذا
المسيو... هذا المتفضل... بغض النظر عن رأيه بي... لكنه متفضل على طرة طربوشي...
أريد أن اقدم عذري، مع أنه لا عذر لي و الله... قد أعطاني القدر فرصة للسلام و لكني
لم أنتهزها... و لكني أريد التلفظ بعذري... فحين أراه مكتوبا الأمر سيريحني... مع
أني أعلم أنه لن يصل إليه، و لا يهمه أصلا... و لكن أريد أن أخرج القصة من رأسي...
لا ينبغي لأي قصة مضت أن تبقى متقلبة في الرأس كثيرا إذ يٌخشى أن تفسد و تبدأ
بالتخمر و التعفن، و تؤثر أبخرتها الفاسدة على المرء فتضعفه و تمرضه...
1- الوقت كان ليلا و إضاءة الشارع رديئة و عيناي غبشتان و أنا ما عدت حادة البصر
كما السابق، فلم أدرك أنك أنت إلا حين اقتربت جدا و تجاوزتني و أرخيت ناظريك قبل أن
أنظر إليك... كنت تضع نظارتك يعني أنك رأيتني و ميزتني و لكنك لم ترغب بأن تلتقي
عيناي بعينيك... حسنا ليس عندي مشكلة... فلا يعنيني إن كنت راغبا بالسلام أم لا،
فأنا من يفترض بها أن تبدأك إياه... و لكني لم أفعل...
2- أمي كانت تمسك بيدي... و استكسلت أن أترك يدها و أركض لأسلم عليك... و لكن كان
من الممكن أن أركض نحوك و أسلم... و لكني لم أفعل...
3- مضى زمن طويل جدا لم أرك فيه... لا أدري كم سنة أو ربما كم شهرا... ظهورك
المفاجئ أربكني... و شل دماغي، و البديهة عندي انعدمت... و لكن كان من الممكن أن
أستدرك ثم أركض و أسلم عليك و لكني لم أفعل...
كل ما شعرته لحظتها و لأيام تلتها أني جفلت منك... قد بدوت غريبا و مخيفا... و لا
كأنك كنت يوما قريبا، بل من أقرب خلق الله إلي... و لا كأنك متفضل علي فضلا يطوق
عنقي أحمله في حياتي كلها و أخراي... إذ أنت من أريتني الطريق لدماغي و يقيني...
دعك منك إذ لا يعنيني من أنت حقيقة أو إن كنت تستحق أو لا _كما قيل لي_ أو كونك لا
تريد سلامي أصلا ربما... فالأمر متعلق بي... أنا التي أشعر بأنك متفضل و أنا التي
جفلت... قد جفلت منك أنت... للأسف أني جفلت منك و لم أعرفك... و عدت غريبا و
مخيفا... لا أسلم عليه...
لا أدري ما أقول... أشعر بالسوء من نفسي... قد فشلتُ حين وُضِعتُ على المحك... فشلت
فشلا مخزيا...
يلا القصة مشيت متل ما مشي غيرها... و تعيشي يا سلمى و تاكلي غيرها
و هذا آخر ما أسمح لك بذكر هذه القصة... قد تقلبت في الدماغ بما يكفي...و كفى.
و الآن هاتي القصة التي تليها... و ما أكثر القصص التي تتقلب في الدماغ
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
35
كلام
عادي
ليس عندي كلمات جميلة أكتبها و لا مشاعر
حب أبكيها و لا أطلال أندبها و لا مشاعر أنثرها و لا نكت أهزأ بها و لا قصص أسلي
بها و لا شعارات كبيرة أعلك بها و لا مميزات أتشدق بها...
مجرد انسانة عادية كإياكم، بكلام عادي ككلامكم، لم أدر أين أذهب به سوى برميه في
هذه الصفحة البيضاء...
----
حين يتعذر التنكيت أو البكاء (و كلاهما
وجهان لعملة واحدة) فادفن رأسك في الكتاب، فإن لم ينفع، فالحنق و الغضب، فإن لم
تستطع خشية الإيذاء، فالهذر بلا معنى له في صفحة بيضاء كهذه، فإن لم تجدِ فليس أفضل
من أن تنزوِ بصمتك ممسكا نفسك أن تنفجر، و إن كنت محظوظا أمسكت سبحتك و قلت: رب إني
مسني الضر و أنت أرحم الراحمين... و تبقى ممسكا نفسك عسى الفرج أن يأتيك
----
حين تنسد نفسك عن الحياة، و تشعر بالغثيان
فلا تفكر باستفراغ جوفك... فثقل الحياة ليس في المعدة ليخرج إن فعلت... يعني حتى لو
قئت فلن تخرج منها و ستبقى نفسك مسدودة و شاعر بالغثيان
طيب جرب الاستراتيجيات السابقة، فكرة أذكى من استفراغ جوفك...
----
أسوأ شيء حين تكون منزويا بصمت و يأتي من
يريد أن يفتح معك حديثا وديا...
و كأن أحدهم يصب بنزينا على النار... أو يحاول سحب فتيل القنبلة... أو أرنب يتراقص
مشاكسا أسدا غاضبا و مزمجرا...
شي للجنان وحدة بوحدة
حاول أن تعض على شفتك و تخبره أن لو سمحت لا رغبة لي في الحديث... أو تجاهله
أصلا...
إن لم يستمع لتحذيرك أو يفهم تجاهلك فذنبه على جنبه حينها، هو يلي جابو لروحو فلا
يلومن إلا نفسه
----
مذ قال ذاك الجد:
أحبها و تحبني و يحب ناقتها بعيري.
و الحب نازل على هذه الأمة بالأرطال و الكوشات و الرزم حد الغثيان و التكرار و
السأم:
و الآهات و الأحزان
و ألقاك و تلقاني
و الليل و القمر و النجوم و البحر
أحبك و تحبني
و لا تتركني و اتركني
و أشواق و لوعات
و أنا أنثى كلي احساس
و أنت مو أنثى و لا فيك احساس
و شرفة الذكريات المنسية، على ردهات الدهر المخفية، في سكون التواريخ الوردية، و
خضرة الازرقاق اللازوردية، و أشواقي المنكوبة المزرية، و كلماتي التائهة المحشية،
فستقا و حلوة لوزية، و حفرا في طرق البلدية، و سيل من الغثيانات اللانهائية
و بدي و ما بدي
و آه و يا قلبي ثم إيه
و يااي و مو يااي
و ترلالالالا ترلالالالا
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
36
من
الأسئلة التي تثير حنقي حين أذهب لعرس و أعود: هل العروس جميلة؟ أو هل أعجبتك؟
لا أدري لماذ يسأل الناس هذا السؤال السخيف... و ما شأني و ما شأنهم بها... و كأني
أنا أو هم من يتزوجونها...
المهم أن العريس معجب بها و يريدها، و هذا سبب كاف و مسوغ لتكون عروسا تحتفل... و
اعجابي و عدم اعجابي لا معنى له في هذا المقام... لذلك لا أحاول أن أكوّن رأيا
أصلا، و أرى ما يزيد عن كونها عروسا سعيدة بفستان أبيض و مكياج على وجهها...
لا أملك عادة سوى أن أجيب: ما بعرف، يعني عروس، ليش لاء، الله يسلمها، المهم
عاجبتو...
من حسن الحظ أن هذا يقطع على من يحقق معي أي سؤال آخر عن تفاصيل أكثر، لم أنتبه لها
أصلا...
أما الناس غريبة بشكل...
لكن السؤال هنا، لماذا دائما السؤال يأتيني عن العروس؟
لماذا لا يسألني أحد: هل العريس حلو أو عجبك شي؟
على كل سيكون نفس الجواب السابق... طالما لست أنا العروس فالله يسلمو، شو دخلني
فيه، عجبني أو ما عجبني...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
37
مذ
وشت أعواد القصب بذاك الحلاق الذي صرخ مودعا سره الحفرة عن أذني ملكه الطويلتين...
و الناس حرصوا على أن تتطاول أذانهم... و من لم يطل أذنيه كالحمار فقد مات مثقلا
بسره، إذ ما عادت الحفر يؤمن جانبها و خصوصا أن الناس تشنفت آذانهم أكثر حين طالت...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
38
من
أكثر الأسئلة
التي تشغل تفكيري أن ماذا أقول لمارد المصباح لو ظهر لي و قال هاتي أمنية أحققها
لك...
المشكلة أني أريد شيئا لا أدري ماهيته...
و مشكلة التجريد أنه سرعان ما يضيق عن القوالب التي تحاول أن تصبه بها...
تطلب طلبا ملموسا تحسبه أنه يحتوي على السعادة مثلا، لكن سرعان ما تكتشف أنه أضيق
من مفهوم السعادة...
لا أدري فعلا ما أطلب من مارد المصباح... هل إن قلت املأني بكل كمال من المعاني
الجميلة، هل سيعرف كيف يتصرف؟ ماذا لو أنه اختار لي طريقا منهكا حتى يملأني بها؟ و
أنا أريد النتيجة و الطريق أن يكون كلاهما جميلا، أنا طماعة يا جماعة، أريد للوسيلة
و النتيجة أن تكون كلتاهما جميلة و مريحة...
الأسوأ ماذا لو أنه فغر فاه وسألني أن اشرح له كلامي أكثر، فخبرته لا تتجاوز
الأشياء الملموسة... ماذا أقول له... كيف أشرح له و أنا نفسي لا أملك الكلمات...
أوف... يا جماعة كثرة التفكير مشكلة... في النهاية حين يعيني السؤال، أتذكر أنه لن
يظهر، فأتنفس الصعداء لأني لست مضطرة أعيش صراع ماذا أطلب منه...
----
أذكر أني كنت كتبت أقصوصة حول هذا الأمر،
أو لأكن أكثر دقة كنت كتبت شيئا مملا يشبه الأقصوصة، يشبه
لغز قابس
الذي قرأته و الذي لا يجرؤ أحد على تسفيهه كإياي...
و الشكر لكل من ألقمني حجرا و لطمني لطمة،
حتى صمت. فأفكاري و كلماتي هي أعز و أثمن عندي من أن أشركها من لا يرغب بها أو
يسفهها و إياي... و حتى لو كنت أحيانا أستمتع بأن أكون كالحسكة في حلق من لا أعجبه
أو حتى كالبصقة في وجهه، لكني لا أخفيكم أنه حتى هذا الدور تشعر بعد مدة أنك ما عدت
راغبا به و لا عدت تملك الطاقة له، و شيئا فشيئا تتحول لحجر يشهد ما حوله بصمت، و
الفخار حوله يكسر بعضه بعضا...
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
39
أن
تتأقلم يعني أن تصير حجرا... نعم حجر... و بهكذا تتدبر
أمرك في هذه الحياة و لا تفقد جوهرك... فلا تصير زائفا
بدموع للتساميح او ممسحة للأرجل أو عبدا ذليلا و بنفس الوقت لا تصير جاحدا عاقا
حقيرا لا خير فيه كما يرونك لو أنك كنت أنت، لو أظهرت جوهرك... تأكد أنهم لا يعنيهم
من تكون، مهما أبدوا حبهم لك... إذ ما يحبونه هو قالبك، ما يحبونه هو إياك حين تكون
صامتا، ما يحبونه هو الصورة التي رسموها لك، ما يتعبدونه فيك هو صنميتك... لذلك
ابقى حجرا، صنما و أرضهم... لا تصدق كثيرا كلمات الحب و المشاعر الجياشة
و المصارحة، فهي جزء من الدور الممارس...
خير لك أن تكون حجرا، فعلى الأقل أنت تعرف
حقيقتك، أنك لست أكثر من شخص قاس بلا مشاعر، جامد، تمثال...
أنك مجرد لاشيء... على الأقل أنك لا تشوه المشاعر و
الكلمات... لكن كيف تدرك كم أنت شخص قاس تسحق من حولك
فيما لو كنت تلعب دور المحب الحنون... كيف تدرك كم تقتل من
المعاني بتصرفاتك لو كنت تظن أنك مترع بها؟ بل حتى من الحجارة ما يهبط من
خشية الله... لكن كيف يصير هذا حين تظن أنك الأعلى؟
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
40
أحيانا
أفكر أن من أفضل ما يمكن أن تتحفك الحياة به هو أن تسحن مشاعرك، لأنك بعدها _طبعا
إن بقيت حيا و سوي العقل_ ستصير مخلوقا منعتقا... خفيفا... تمشي على الأرض كالملك
متحررا من الشعور، لا الحب و المدح سيغويك و لا البغض و الذم سيقتلك... و ليس
بالضرورة أن يكون هذا امرا سيئا كثيرا كما يمكن أن يتوهم المرء من الكلمات... إذ قد
تصير من جراء ذلك منيعا و صلدا... فما يمكن أن يحطم المحطم؟
-----
إلى اللقاء في
الفصل
الثاني...
و سبب التقسيم إلى فصل
ثان، هو أن الصفحة بات حجمها كبيرا و لا تفتح بسهولة، و إلا فإنه في كتاب البهاليل
حقيقة ليس من فصول و أجزاء إذ أنك لا تدري كيف يبدأ فصل أو ينتهي... فكلها متشابكة
مع أنت الذي يتغير مع تكة كل ثانية و أنت الذي تحمله كما هو تماما مذ وعيته و حتى
لحظة وفاتك....
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\ |