|
تلخيص محاضرة الهدف من الحياة لـ جيفري
لانغ
هذه المحاضرة عن قصة المخلوق الأخلاقي، هذا النحن، عن العقل
و الاختيار و المعاناة. عن أم الأسئلة: (لماذا)... يتحدث هذا الذي كان
لكتابه فضل علي زمانا...
ذكرتني بالانبهار الذي عشته _قبل سنوات طويلة أنا صاحبة الذاكرة المثقوبة_
مع كتابه (حتى الملائكة تسأل)، مع العمق الذي حملني إليه حينها و هو يريني
الوجه الآخر من الصورة الذي كنت غافلة عنه، و ذكرتني بالامتنان الذي حملته
له و لا زلت...
---
مدة المحاضرة ساعة و نصف:
الهدف من الحياة: لـ جيفري لانغ ... مترجمة
https://www.youtube.com/watch?v=cojNpwlkMmk&feature=youtu.be
التلخيص:
المحاضرة هي استخلاص من القرآن الكريم للحكمة من وجود الإنسان و لماذا كان
الابتلاء...
محور المحاضرة أن
الوجود البشري على الأرض يتلخص بثلاث عناصر:
العقل (أي القدرة على التعلم) + الاختيار (مخلوق أخلاقي) +
الابتلاء (المجاهدة)...
هذه الأمور الثلاثة متضافرا معها _الهداية الإلهية و وسوسة
الشيطان و إيعاز الملائكة_ كلها أمور ستؤدي دورا أساسيا لتزكيتنا و تطورنا
الروحي على الأرض، و هي ما يؤدي لوصولنا للإيمان و التحلي بصفات الله،
أسماؤه الحسنى... فأهم هدف للحياة هو أن يصنع الله مجموعة من البشر ستنشئ
بإرادتها الحرة علاقة سامية من الحب مع الله... ففي هذه الحياة ستختبر
بالإضافة إلى العلاقات الثانوية الأخرى مع البشر، الصلة الأساسية مع الله،
مصدر الوجود، الكمال و المطلق... و لذلك حين نأتي للدنيا نأتي ببذور هذه
الصفات بداخلنا التي نفخها فينا من روحه، و لنا الخيار إما بقتل ما وضعه
فينا بتدسيتها (قد خاب من دساها) أو بتطويرها و ذلك عبر تزكيتها (قد أفلح
من زكاها)... هذه الصفات من رحمة و حب و حكمة إنما ولدت من رحم القدرة
العقلية و حرية الاختيار و الابتلاء للإنسان... فمثلا من دون الصراع في
اختيار الصدق أو عدم اختياره فلن يمكن اعتباره صدقا... و كذلك الحب، فمن
دون اختياره بمحض الإرادة و الرضا رغم الصعوبات لا يمكن اعتباره حبا... و
لذلك نفهم لماذا يؤكد القرآن على هذه العناصر الثلاثة... و لهذا يصف القرآن
المعصية بأنها ظلم للنفس... لأننا ندمر نفسنا و نحرمها من تلك الصلة
بالله... و بالتالي إن لم نستغل فرصة الحياة و نطور أنفسنا و نقيم علاقة مع
الله بتحصيل هذه الصفات فسنعاني في هذه الحياة كمثل الجنين الذي لم يكتمل
تطوره في الرحم و يخرج للحياة، بل معاناة من لم يطور روحه و يقم صلة مع
الله أشد منه، و سيكون الوضع أسوأ في الآخرة...
هذه أهم العناصر في المحاضرة... لكن التسلسل في كيفية
استنباطها من القرآن جدا ملهمة... و خاصة حديثه عن قصة بداية الخلق، و هنا
بعض البسط لكيفية استنباطه لها...
ابتدأ من بدايات سورة البقرة (و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض
خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و
نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)
إعلان الله لملائكته أنه سيجعل خليفة له على الأرض، بمعنى أن هذا المخلوق
سيقوم بدور إيجابي على الأرض... فاستغربت الملائكة لماذا تخلق هذا المخلوق
الذي تفترض وجوده لأجل دور إيجابي، في الوقت الذي يمتلك فيه القدرة على فعل
القبائح من إفساد و سفك للدماء، و لماذا لم يكن ملاكا كإياهم يقدسون الله و
يسبحونه...
قد سألت الملائكة أحد أكثر الأسئلة أهمية في تاريخ الأديان قاطبة. و قد
سألته في الجنة!
ثم إن الله أجاب الملائكة عبر عرض قدرات هذا المخلوق أمامهم:
(و علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء
إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم
الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم
إني أعلم غيب السموات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون)
فأول الأمور التي سيؤكد عليها القرآن هي قدرة الإنسان على المعرفة، و كونه
مخلوقا يمتلك عقلا. و أكبر موهبة منحها الله له و ذكرت كجزء من جواب سؤال
الملائكة: هي اللغة. و نلاحظ كيف أن المهمة كانت سهلة على آدم حين أجاب،
فالقدرة على التعلم بالنسبة للبشر أمر بدهي... بينما اعتذرت الملائكة بأن
هذا أمر يتجاوز قدرتها...
و ما هو الذي أبدته الملائكة و كتمته و علمه الله كله؟
الذي أبدته الملائكة بسؤالها هو إظهار قدرات البشر على فعل الشر و إحداث
القباحات و البؤس، و ما كتمه السؤال هو قدرات البشر أيضا على فعل العكس
تماما فيمكنهم اختيار عمل الخير و إظهار الرحمة و إحداث الجمال... فما
فعلته الملائكة هو ما نفعله حين نسأل هذا السؤال، أننا نرى أحد وجوه العملة
فقط...
ثم ينتقل القرآن لإخبارنا بأن هذا الكائن العقلاني هو كائن أخلاقي أيضا،
ينبغي عليه اتخاذ الخيارات، فلديه القدرة على معرفة الحق و الباطل.
ففي الآية التالية: (و قلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا
حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها
فأخرجهما مما كانا فيه و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر
و متاع إلى حين)
يلاحظ أن مستوى الحوار في الآية لم يكن تهديديا حادا و إنما هادئا، و بدا و
كأن الله انتقى أي شجرة ليس فيها ما هو مميز و نهى آدم عنها لأجل اختباره
بها (و الصفات التي أضفيت عليها من كونها شجرة الخلد هي من وسوسة الشيطان و
التي تبين أنها كذب محض)...
نحن ندرك أن الله في الأصل قد خلق الإنسان ليكون خليفة له على الأرض، و
كانت هناك فترة تمهيدية له في الجنة لينمو و يدرك كيف يكون كائنا
أخلاقيا... و صار جاهزا للأرض عندما قام بأول اختيار مستقل بنفسه... لم تكن
أبشع خطيئة حين أكل آدم من الشجرة و إنما كانت زلة كما وصفها الله، و لكنها
علامة تظهر استعداد الإنسان ليتخذ القرارات بنفسه و يتصرف منفردا و يسكن
الأرض...
(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم . قلنا اهبطوا
منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم
يحزنون)
فالإنسان نزل إلى الأرض خائفا و نادما و خجلا من فعله في محيط جديد لم يعتد
عليه و لكن توجه الله إليه برحمته، و ألقى إليه كلمات للتسلية تطمئنه بأن
لا يخاف و أنه هنا لمهمة و فترة محدودة و أن الأمر صعب و لكنه تم إعداده
لهذا الأمر، و هي مرحلة مهمة من مراحل نموه، فمن تبع هدى الله و إرشاده فلن
يخاف و يحزن. و من لم يتبعه فإنما يظلم نفسه...
هذه الأمور الثلاثة ستؤدي دورا أساسيا كما تخبرنا القصة في نمونا على
الأرض... و هي ما يؤدي لوصولنا للإيمان و لصفات المؤمنين التي يخبرنا عنها
القرآن... فالمعاناة و الابتلاء جزء من هدف وجودنا على هذه الأرض، و هو ليس
عقابا و لا شيئا يحتاج لإنقاذ الإنسان منه عبر الفداء، و لا أمرا عبثيا
عشوائيا بلا معنى و لا حتى أنه أمر سيء، ولا هو يصيب الأشرار فقط و يوفر
الأبرياء، و إنما هو مضمون هذه الحياة لجميع الناس، و هو أمر في غاية
الأهمية من أجل نموه و تزكيته إلى ما تصير إليه النفس التي سيأخذها معه إلى
الآخرة...
(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)
(أحسب الناس أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم
فيلعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين)
(و لنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و
بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون
أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة و أولئك هم المهتدون)
كل هذا من أجل نموه الذاتي و تطوره الروحي، و الأمر عائد إليه في استغلال
الفرصة التي أوتيها في هذه الحياة... نعم كان الله قادرا على هداية الناس
جميعا، بل و جعلهم ملائكة... و لكنه لم يفعل... لقد أراد الله لكل هذا أن
يكون كما هو... (قد أفلح من زكاها) أي جعلها تنمو و تتطور (و قد خاب من
دساها) من يدمر نموه و تزكيته...
العقل + الاختيار + الابتلاء = تزكية النفس و تطورها الروحي = اكتساب صفات
المؤمنين و التي هي من صفات الله = إنشاء علاقة خاصة مع الله... يحبهم و
يحبونه...
هذا اختصار مخل لأهم الأفكار الرئيسية في المحاضرة، و هي تستحق الاستماع
لها... و للمؤلف كتابان يناقش فيهما باستفاضة أكثر الفكرة هما (حتى
الملائكة تسأل) و (ضياع ديني).
أريد إضافة ملاحظتين سلماويتين صغيرتين:
الأولى أن الابتلاء يشمل الخير و الشر اللذين يعرضان
للإنسان، السعادة و الألم، المنح و المنع كليهما: (و نبلوكم بالشر و الخير
فتنة و إلينا ترجعون)... (هذا من فضل ربي ليبلوني أءشكر أم أكفر و من شكر
فإنما يشكر لنفسه و من كفر فإن ربي غني كريم) و مفهوم كلمة فتنة هو
الامتحان، و لذلك يقال: فتنت الذهب بالنار، إذا أحرقته بها لتعلم أنه ذهب
خالص أو مخلوط... و المرء يفتن بما هو خير و ما هو شر... و لذلك كلمة فتنة
ليست شتيمة و إنما تعني امتحان يحتاج لجهد...
الثانية، حين يعترض شخص بأن الله ليس بحاجة لعبادتنا و لا صلاتنا و لذلك
هذا الشخص لا يريد الالتزام بها... فهذا استنتاج خاطئ لمقدمة صحيحة، فالله
فعلا ليس بحاجة لالتزامنا بما أمرنا، و لكن الإنسان هو من بحاجة ذلك... و
من يقلل من شأن الأوامر أو يظن نفسه وصل لدرجة أعلى من أن يحتاجها، فإنما
يوهم نفسه بإعطائها حجما أكبر من حقيقتها البشرية بعدم حاجتها للتشذيب و
التزكية و التطور... و كيف يتطور من يظن نفسه قد وصل؟ و هنا أنقل فقرة
جميلة لـ محمد عبد الله دراز في كتابه (دستور الأخلاق في القرآن):
[هل خلق الإنسان من أجل القانون أو أن
القانون هو الذي خلق من أجل الإنسان؟ و قد يجاب عن ذلك تارة بالرأي الأول
(وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) و تارة بالرأي الثاني (من اهتدى فإنما
يهتدي لنفسه)، (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج و لكن يريد ليطهركم و ليتم
نعمته عليكم لعلكم تشكرون).
فلنقرب ما بين هذين القولين، بحقيقتهما
النسبية، و لسوف نحصل على الحقيقة المطلقة، فالإنسان وجد من أجل تنفيذ
الشرع، و لما كان الشرع قد وجد من أجل الإنسان، إذن فالإنسان وجد من أجل
نفسه. و الشرع غاية، و لكنه ليس الغاية الأخيرة، إنه ليس سوى حد وسط بين
الإنسان، كما هو، ناشئا يتطلع إلى الحياة الأخلاقية، و مصارعا من أجل
كماله، و بين الإنسان كما ينبغي أن يكون، في قبضة الفضيلة الكاملة. و الشرع
أشبه بقنطرة بين شاطئين، نحن نقطة بدايته، و نقطة نهايته، أو هو أشبه بسلم
درجاته مستقرة على الأرض، و لكن يعد من يريدون تسلقه أن يرفعهم إلى
السماء.]
سلمى
26 أيلول 2015
|