Ultima Thule

الصقع الأقصى

24/12/2010

 

 

Thule carta marina By Olaus Magnus 1539

كانت و لا زالت أراضي الصقع الأقصى هي الملاذ الذي آوي إليه في الأزمات...
هناك حيث الأساطير و القصص و الأمراء الشجعان و الأميرات...
هناك حيث أحرف اللغات تخرج من أقصى الحلق كالنغمات فتسكن لعذوبتها الأرواح المنهكات...
هناك حيث سحر الطبيعة البكر في الغابات...
هناك حيث الفقمات السمينات اللطيفات اللذيذات الحلوات...
هناك حيث البرد و العزلة و الظلام و البراح و الهدوء و اللاأحد يحضن التأملات...
هناك حيث الأشعار و الأمنيات و الحب و الكلمات...
هناك حيث تخشع الأنفس و تسكن الأصوات فليس إلا عويل الريح في الفلوات...
هناك حيث يفنى الواقع و تنتصر الحكايات...
و أنا هناك أختبئ منهم جميعا بعيدا عن كل الأمكنة و خارج كل الأوقات...

 

-
Ultima Thule: اصطلاح لاتيني، يعني أقصى الشمال، وجدته قد ترجم في المكتبة الاسلامية الشاملة بـ "الصِّقع الأقصى: و هو الاسم الذي أطلق في الأدب القديم على اليابسة المعروفة في أقصى الشمال. تكلّم عنها ملاح إغريقي يُسمَّى بيثياس في القرن الرابع قبل الميلاد، حيث روى أن النهار والليل في الصقع الأقصى يدومان لمدة ستة أشهر، وأن مياه البحر هناك كانت كثيفة لدرجة تمنع التجديف فيها.
واعتقد بعض الناس أن بيثياس كان يتكلم عن النرويج أو آيسلندا، على حين أن بعضًا آخر اعتقد أنه كان يعني إحدى جزر شتلاند التي تقع شمالي أسكتلندا. وفي لغة اليوم، فإن كلمة الصقع الأقصى ترمز إلى المكان النائي أو إلى الهدف البعيد المنال
."

 

و الصورة في الأعلى هي المكان الذي تقع فيه Thule بحسب خريطة بحرية كبيرة رسمها المؤلف السويدي أولاوس ماغنوسOlaus Magnus في القرن السادس عشر لدول الشمال و استغرقته 12 عشر سنة لاتمامها...
 


و كما ترون فإن Thule تقع في منتصف الخريطة من الطرف اليسار... و رغم سعادتي بأنها محاطة بالوحوش بحيث يتعذر الوصول إليها... و لكني امتعضت قليلا أنها ليست في أعلى نقطة و أبعدها ، ثم تذكرت أني قلت أن أرضي الغريبة هي في الركن الأقصى ultima
فانفرجت أساريري 

أولاوس هذا قد ألف كتابا عن تاريخ أهل الشمال و أوصافهم عام 1555، و الكتاب مثل خريطته يمثل لوحة عن تلك الشعوب و عاداتها و حيواناتها و نباتاتها و حتى أساطيرها و خرافاتها و حكاياتها...
و انتشر في أوروبا و اشتهر و ترجم لعدة لغات حينها... و قد ألهم الكثيرين من بعده شعراء و كتابا و أمد مخيالاتهم بالكثير من الغرائب بفضل كتابه هذا... و لا عجب...
إذ لو عدتم للويكيبيديا لوجدتم صورة للخريطة بحجم كبير جدا...
و التأمل في تفاصيلها يجعلك تتوه في ثنياها و كأنك دخلت عالما سحريا من الحكايا...

الكتاب ترجم للانكليزية ترجمة حديثة
 

Olaus Magnus: A Description of the Northern Peoples, 1555
 

بت أتخيل نفسي قرأته و عشت تفاصيل هذه الخريطة المذهلة،رغم أن غلافه بائس و قاتل للخيال، و لا أدري لماذا لم توضع الخريطة غلافا له  
و ما أكثر الكتب التي يود المرء لو يمتلكها و يقرأها، و لا يملك سوى تخيل أنه يفعل، لأنه يحتاج لعمر نوح عليه السلام فوق عمره و مال قارون ليموله 
بأية حال من الممتع الحديث عن الكتب التي لم أقرأها و ربما لن... و رؤية صورها... لأنه حين الحديث عنها أشعر و كأني دخلت عالمها لوهلة... و نالني شيء من لذتها...

 

 

أنا و بو في أرض الأحلام

25/12/2010

 

دعوني أخبركم أن إدغار آلان بو ليس أحد أصدقائي
فأنا لم أتعرف عليه إلا عبر قطه الأسود المسكين الذي أنزل به على يد بطله الشرير صنوف العذاب 
و كانت تلك البداية هي النهاية لعلاقتي معه... نعم قد جعل شريره يدفع الثمن في النهاية... و لكنها كانت كليمات زهيدات في الخاتمة، في مقابل اسرافه بالكلمات قبلا بشره... بحيث لم أشعر بالرضى...

بيد أني اكتشفت أن بو هذا قد سبقني لصقعي الأقصى...
طبعا ذلك لم يجعلني أثق به لأجعله صديقي بعد... لأني لا أستطيع نسيان تلك اللقطة المتوحشة التي اقتلع فيها عين القط، و هو يكتب عن شريره بصيغة الأنا... و أذاقني يومها الاشمئزاز و الرعب... 
حين عثرت على أبياته عن أرض الأحلام، شعرت به قد اقترب مني بلطف شيئا ما، حتى لو انزعجت قليلا من أن قدمه وطأتها قبلي، _لماذا دائما يسبقونني _ و لكن أبياته أسرتني و طمأنتني... قد استطاع بها الوصول إليّ في أعمق نقطة في اللامكان الذي أختبئ فيه... قد رسم لي بكلماته أرض أحلامي التي لا تُطال كما أراها تماما... تلك التي لم يصلها أحد سواي...

يقول في مطلع قصيدته "أرض الأحلام" Dreamland


By a route obscure and lonely,
Haunted by ill angels only,
Where an Eidolon, named Night,
On a black throne reigns upright,
I have reached these lands but newly
From an ultimate dim Thule —
From a wild weird clime, that lieth, sublime,
Out of Space — out of Time.

عبر طريق منعزل مهجور
لا يطرقه إلا ملائك الشرور
حيث شبح (إيدولون) المدعو ليلا
يحكم بحزم على عرش مظلم
وصلت هذه الأراضي لتوي
عبر الصقع الأقصى المعتم
عبر مناخ جامح سحري
قابع هناك بشكل ملهم
خارج المكان
خارج الزمان
 

إنما هذا المبتدأ فقط... فالقصيدة كلها أشبه بالملاذ البعيد
و سأحاول أن أكمل التتمة لأعود بها إن شاء الله

إن أحب أحد اقتباس الترجمة، أتمنى أن ينسبها لمترجمتها الظريفة، التي هي أنا طبعا

 

 

مع كارمينا بورانا

6/01/2011
 

أذكر حين كنت صغيرة مشهدا قصيرا جدا هو جزء من شارة المجلة الثقافية في القناة الأولى للتلفزيون السوري، كنت أنتظره كل أسبوع... لم يكن المشهد جميلا فقط _و قد كان فعلا_ بقدر ما كان يثير في نفسي القشعريرة... صنم قبيح ثنائي الوجه يدور معصوب العينين، أحد الوجهين عابس و الآخر مبتسم يرفع اصبعه للأعلى، محاط بدولاب دوّار أشيه بناعورة مصنوعة من أوثان تدور حوله و لمحة خاطفة لشيطان و ملاك يديران هذه الأوثان مع ضباب و أجواء قروسطية و غناء أوبرالي بأصوات عميقة و لغة لاتينية و موسيقى مهيبة تقرع قرعا تجعل قلبك يتسارع معها...
لم يكن يعنيني برنامج المجلة الثقافية فقد كان مملا و ما كنت أفهم منه شيئا، و لكني كنت أتلهف بشغف لرؤية الشارة فأرى هذا المشهد و أستمع للغناء و أشعر بالرعب و أنا أرى الشيطان ينظر بخبث للملاك المرتعش بجناحيه و هما يشتركان في إدارة هذه الأصنام المخيفة... هذه الثواني المعدودات كانت تنشيني و تجعلني أحلق في خيالي عن ما يمكن أن يكون، و ماذا سيحصل بعد بين الشيطان و الملاك... في كل مرة كنت أتأمل أن تخطئ الشارة و لو لمرة واحدة و تفشي لي أكثر عن قصة هذا المشهد...
نعم فأنا أملك هذا النوع من السذاجة التي تجعلني أتخيل أمرا لا مألوفا سيجعل حبكة الأحداث تتغير لصالحي بطريقة عجائبية...
الثواني لم تخطئ و لا مرة واحدة فتزيد، و لكن بعد دوران السنين و الأيام و بالصدفة إذ يفشي لي القدر بقية المشهد، بل يجعلني أشاهد الفيلم الذي اقتبس منه برمته...

المشهد هو افتتاحية فيلم كارمينا بورانا Carmina Burana من اخراج Jean-Pierre Ponnelle و إنتاج ألمانيا "الغربية" عام 1975



و كارمينا بورانا (أو الأغاني الدنيوية) هي عبارة عن أشعار أغلبها باللاتينية (مع بعض الألمانية و الفرنسية القديمة) من القرون الوسطى وجدت في القرن التاسع عشر في دير ألماني. تتحدث معظمها عن الخمر و النساء و الحب، و على غير عادة ذاك الزمن _حيث كانت الصرامة الأخلاقية و الإيمانية هي المتظاهر بها_ فيها الكثير من التهتك و الاقتباسات الوثنية و التلميحات إلى النفاق الذي كان منتشرا.
 


The Wheel of Fortune from Carmina Burana


في عام 1935 نظم الموسيقي الألماني كارل أورف Carl Orff مجموعة منها على شكل مقطوعات غنائية أوبرالية مشهورة. ثم كان أن جُسدت هذه الملحمة الموسيقية بفلم عام 1975 حسب رؤية المخرج بونيللي، لأن كارمينا بورانا لا تحتوي على حبكة قصصية و إنما هي مجرد أشعار... ثم كان أن اقتطعت ثوان من افتتاحيته لتصير شارة لبرنامج المجلة الثقافية في القناة الأولى للتلفزيون السوري، و كان أن شاهدت فتاة اسمها سلمى في أواخر الثمانينات و أوائل التسعينات من القرن الماضي تلك الثواني، ليأتي يوم في بداية عام 2011 فتشاهد الفيلم كاملا و تدمنه ثم تكتب عنه و يمر من يمر و يقرأ من يقرأ ثم الخ و الخ... و كل يكمل قصته...

القطعة الأولى تتحدث عن آلهة قدر عابثة و دولاب حظ... و هذا ما يفسر ذاك الصنم معصوب العينين بوجهين متجهم و منبسط، و هو يتقلب في دورانه لا يستقر على حال... و الشيطان و الملاك... الرذيلة و الفضيلة يتعاقبان على البشري و ينهكانه...

إن رمتم صدقا و رغم مرور كل هذه السنين إلا أن المقطع الأول من الفيلم ما زال يجعل القشعريرة تعتريني، خاصة بعد معرفتي لمعناه... إن كان هناك من شيء في الحياة يخلق في نفسي الهلع و الرغبة بإقيائي فلن يكون أكثر من فكرة العبثية و اللامعنى... فكيف و أنا أستمع لهذه الموسيقى المهيبة و أشاهد ذاك الوثن القبيح المعمي بعصابة و الناس تحته بأشكالها المرعبة و الشوهاء شاخصة بأبصارها نحوه مستجدية نادبة دون جدوى، و هو يمطرها تارة بالمال و تارة بالعظام، ثم نرى ضروب الحياة و صفاتها المختلفة _الجمال و الزمن و القوة و الموت الخ_ تتجسد في أناسي بأقنعة مخيفة تراقص هياكل عظمية للبشر تختارها اعتباطاـ على وقع أصوات فخمة و ضربات ايقاعية... كل هذا بأجواء ضبابية و معتمة من القرون الوسطى... أبعد هذا كله كيف لا أشعر بالرعب؟

قد تسـألوني طيب يا سلمى إن كان يرعبك لهذه الدرجة، فلم تجلسين متسمرة أمامه مأخوذة به و كأنه تميمة ألقيت عليك؟
سؤال ذكي جدا، و لطالما أعجبت بالأسئلة التي تطرحونها، مع أني لا أدري من أنتم، و لكن يبدو أنكم قريبون إلى حد استيطان دماغي و إيحاء الأسئلة من داخله لي، و لكأني أنا أنتم...
 
دعوني أسألكم بدوري كون الشيء مرعبا هل ينفي عنه الجمال و الفتنة؟
أحب إرعاب نفسي و وضعها على حرف الجرف... فقط لترى ما كان من الممكن أن يكون لو لم تكن فيما هي كائنة فيه... أعني _بعيدا عن التحذلق اللغوي_ هذا المقطع آسر و معبر جدا و هو خير تجسيد لفكرة عبثية القدر التي أبغضها و أفر منها قدر استطاعتي...
و هكذا أتلذذ بتخويف نفسي قليلا بإدخالها في حبكة بعيدة عني، ليست حبكتي، و لست جزءا منها، و خصوصا أنها بعيدة زمانا... فقط لأستشعر كم كان سيكون الطعم مريرا لو كنت مع أولئك البائسين المتضرعين عبثا لتلك الصماء العمياء التي لا أمن لها...
بل كيف كان سيكون لو لم أكن سلمى... صحيح أني كثيرا ما أتبرم مني_رغم كثرة ما أذكرني و هذا أحد أسباب تبرمي مني _ و لكني حين أضع نفسي في حبكة أخرى أجدني ممتنة بعمق لما أنا إياه...

و صدقا المقطع قوي جدا بحيث لا تملك إلا أن تُبهر و بنفس الآن تحمد الإله أنك تتعبده هو العالم الذي يتولى المقادير بحكمة...

إنما كل هذا الكلام عن المشهد الأول فقط... و لكن الفيلم مجموعة من العوالم المزركشة و الفنتازية و الكرنفالية بأجواء قروسطية...
مثلا هناك مقطع الشرب، حيث يسكر الجميع و يعبون الأقداح عبا، الرهبان منهم و الفاسقون على حد سواء و يتحولون لمجانين صاخبين، فترتاع من فداحة القصف و العربدة و الهرج و المرج الذي سببه السكر، و الشيطان يرقص طربا لما آل إليه الحال، ثم يثقل ميزانهم بدنان الخمر حتى يقذفهم جميعا إلى الجحيم...

و هناك مقطع رقيق جدا، أخذ بلبي بشدة... حين تغني المطربة لوتشيا بوب Lucia Popp الحب في أحد المقطوعات الشعرية بحيث تشعر و كأن سهما اخترق قلبك مباشرة و الزمن توقف و صرت بلمحة عين فوق الغيمات... يا إلهي كم صوتها فتّان!

إن الفيلم ليس على موضوع واحد أو شكل واحد، إذ تشعر _ رغم الخط الذي يجمعها_ و كأن كل مقطع يدخلك في عالم مختلف عن الآخر، فإلى جانب المرعب و المستهتر و الرقيق الذين تحدثت عنهم، هناك المضحك و أيضا اللعوب و الخليع الخ... اللهم إلا الرصانة و الجدية... فهو أبعد ما يكون عنها... فهذا الفيلم مكرس للمرح و التلون... مع كثير من الدلالات... فضلا عن أن هذه الملحمة الغنائية دونا عن الفيلم لوحدها حكاية تستحق أن تروى...
حاولت أن أستمع لنسخ أخرى مغناة من هذه الـ كارمينا بورانا، و لكنها أبدا ليس بجمال أداء هذه النسخة... و أداء الأخريات لنفس مقطع لوتشيا بدا لي كارثيا، حتى أني لم أستطع إكمال خمس ثوان من نسخة بصوت سارة برايتمان، رغم أني أحب صوتها عادة، حتى لا أشوه صوت لوتشيا الذي استوطن رأسي...
تعبت من الكلام و الله، و ما زلت أريد أن أتحدث بالكثير، فقد أخذ بلبي بكل شيء فيه...
ما رأيكم أن تشاهدوه بأنفسكم و تريحوني من عناء تحويل صوره لكلمات و نغماته لأحرف!*

هذه باختصار _مطول_ كانت حكايتي مع كارمينا بورانا... و إن كان هناك من عبرة أنهي بها الحكاية، إذ لابد من إنهاء الحكايا بالعبر كما تعلمون، و لا أدري لماذا لابد ، ربما لأنه "لابد مما ليس منه بد"، صحيح أن العبارة هذه لم تبرر لماذا، و لكنها تبدو ظريفة و موسيقية، أليس كذلك؟
العبرة: أن المقطع الأول من كارمينا بورانا جميل و يجعلك تشعر بالقشعريرة اللذيذة... و أنت تحمد الإيمان بحكمة الخالق و تدابيره فهي نعمة كبيرة و الله...
و أن صوت لوتشيا بوب الملائكي و هي تغني In Turitina يكاد يذيبك لشدة عذوبته...
و أن الكثير من البرامج الثقافية مملة و ما بتعرف شو بدها... و لكن شاراتها قد تكون حلوة...
و أن عادتي الطفولية التي لم أستطع التخلص منها حتى ساعة كتابتي هذه الكلمات من تخيل _لدرجة التصديق_ حدوث شيء لا مألوف يجعل حبكة الأحداث تتغير لصالحي بطريقة عجائبية، ليست ساذجة أو طفولية بالقدر الذي قد تلوح به... إذ اكتشفت و أنا أكتب الموضوع، أنه لطالما كانت تتغير بالفعل و بطريقة عجائبية لم تستطع مخيلتي المتضخمة الإحاطة بها... و لو بعد حين... و هكذا أرجو...
كفانى عبرا لهذا الموضوع... و سأدخر بقية عبري السلماوية لأستمتع بتصديع رؤوسكم بها في أماكن أخرى...

حقيقة لم يكن يخطر ببالي بشكل من الأشكال حين افتتحت هذه الصفحة الحديث عن هذا الموضوع... و لكني مذ تعثرت بالفيلم و أنا لا زلت أعيش أجواءه، و صار لزاما علي الخروج منه... و ليس من حل سوى الكتابة...
و أتساءل ما سأتحدث عنه بعد في صفحتي هذه... تبدو لي أشبه بصندوق العجائب... ألا تبدو لكم كذلك أنتم أيضا؟

بأية حال سأترككم الآن مع المقاطع الثلاثة التي ذكرتها: الافتتاحية و مقطع الشرب و مقطع لوتشيا... مع ترجمة موريس جلال للأبيات**

 

 
1- أيها القدر
ايها القدر
أنت المتغير, كمثل القمر
فعلى غراره تكبر
دون هوادة أو تتوارى
إنها لحياة ذل و هوان
فيوماً، و أنت تلهو
تقسو على الحواس الوهنات
و في الغداة، تفرقها في هباتك السََنيات
فالفقر و تمام الحول و الطول
يذوبان إزاءك كما الجليد يذوب

إيه أيها المصير، المزهو اللامقهور
أيها الدولاب الذي يدور
سليقتك فاسدة، و سعادتك باطلة
فهي في تلاش ٍ مستديم
َتـفِـدُ الآن إلي، و في الظلام تستتر. محتجبا ً
و كيما أرضي َعبَثَ خُبثِـك
أعري إزاءك كاهلي

السعادة و الفضيلة
سلختاني عن حظِيتهما
و أمسى التصنع و الضنى، ضرورة متوجبة
و لذا، في الحال هيا
دون تلبُثٍ و تريث
بُـظوا الأوتار و انقروها
و تغنوا بالطريقة
التي جندل بها القدر على اليابسة , المرء المقدام
فهيا إلى الأنين بصحبتي.

2- جراح ألحقها بي القدر
ها أنا ذا أبكي، جراحا ً كلمني بها القدر
فهو يسترد هباته مني، هذا القدر الحرون
حقا ً، و هذا الأمر مكتوب
حلقات شعره تلمع على جبينه
و لكن، حين تسنح السائحة
لا ُتـبدي السبائب في أغلب الأحيان
سوى هامة صلعاء

على عرش القدر كنت متربعا ً
على ذ ُؤابةٍ سامقة
مكللا ً بأزاهير قزحيات
من الفلاح و النجاح
آنذاك كنت متهللا ً، سعيدا ً مباركا ً
و ها أنذا قد أُسقـِطتُ من الذؤابة
مجردا ً من كل جلال و بهاء

يا دولاب المقادير، أنت تدور
و أنا أتضاءل و أغور
و تسمو أنت بامرئ آخر إلى القمة
و تغالي بعض المغالاة
و هاهو المليك يتسنَم الذؤابة
و أنا حذيرُه ُ من السقوط
فبوسعنا أن نقرأ تحت الدولاب
( الملكة هيكوب ).


----
المغني هنا هو Hermann Prey

13 – أنا رئيس الدير
أنا رئيس دير (كوكاني)
و زمام هذا الدير بين يدي
بصحبة ندمائي على القارورة.
و مودتي أفردها
على رابطة من بزهر النرد يقامرون
و إن وفد أحدهم إلي
ليعودني صباحا ً في الحانة
و يغادرني عقب صلاة العشاء
رفعت عقيرتي بصرخة واحدة:
(وافنا ! وافنا***)
ماذا صنعت؟ يا لك من حظ منكود!
فأنت تسلبنا مباهج الحياة جمعاء!

14 – جالسون في الحانة
حين نجلس داخل الحانة
لا نتحدث البتة عن القبور
بل نمكث على القمار عاكفين:
فهو يستفز حماستنا دون هوادة!
و ما يطرأ في رحاب الحانة
حين يبجس الدينار الخمر
يستحق منكم عناء الإصغاء إليه.
فاجمعوا بالكم إلى ما يلي:
البعض يقامرون و الآخرون يشربون
و يخلع آخرون عنهم عذار الحياء
لكن، خلال العبث و اللعب
يرى البعض أنهم يجردون مما يملكون
و يكسب البعض أردية غيرهم
فالبعض بالأكياس يلتحفون
و أحد منهم لا يخشى المنية
كلا! إنما من أجل (باخوس)
يخضون زهر النرد و يعاودون.

الأمر الأول: من ينقذ نرده من نفقة الخمر
و من يشربونها، إنما هم الفاسقون من البشر.
فهم يجرعون جرعة نخب نزلاء السجون
و يجرعون ثالثة
نخب من هم على قيد الحياة
و رابعة نخب المسيحيين
و خامسة نخب من يرقدون في رحاب الرب
و سادسة على صحة الأخوات الفاسقات
و سابعة نخب اللصوص و المختلسين.
يجرعون ثامنة نخب الإخوة الضالين
وتاسعة نخب المشتتين من الرهبان
و عاشرة نخب الملاحين
و حادية عشرة نخب من في الشقاق يعيشون
و ثانية عشرة نخب من إلى ربهم يتوبون
و ثالثة عشرة جرعة نخب أبناء السبيل.
و على صحة البابا و صحة المليك
يغب الجميع دون رزانة و ينقعون.
تشرب السيدة و يشرب السيد
يشرب الفارس و كذا يفعل الكاهن
يشرب هذا و يشرب ذاك
يشرب الخادم و تشرب الخادمة
يشرب الرشيق، وكذا يفعل الخمول
يشرب الأسمر، وكذا يفعل الأشقر
يشرب الحضري و يشرب المسافر
يشرب المعتوه و كذا يفعل الحكيم
و يجرع الفقير كما يجرع السقيم
يجرع المنفي كما يجرع الغريب
يجرع الولد كما يفعل العجوز الأصلع
يجرع الأسقف كما يجرع عميد القوم
يجرع الأخ كما تجرع الأخت
يجرع الجد كما تفعل الأم
تجرع تلك كما يفعل ذاك
يجرع مئة كما يجرع الألف منهم.

إن عب جميعهم مسرفين
كان قليلا ً إنفاق ست مئة درهم.
و حتى على مرح شرابنا
تتهافت شتائم الشعوب أجمعين
شتائم تبتذلنا باحتقار
فعسى أن يفسد شاتمونا أخلاقهم
و ألا تدون أسماؤهم في سجل الأبرار.
----

يا قلبي 

 

21- ميزان متأرجح
على ميزان القلب الحائر
يتأرجح كل بدوره:
الحياء و نزعة الحب
بيد أني أختار ما تكتحل به عيناي!
و أطأطئ قذالي للنير
و أنثتي لهذا النير
فهو فائق الحلاوة و العذوبة!


 


----
* بإمكانكم مشاهدة الفيلم كاملا على اليوتيوب... و عذرا ممن لا يفتح عندهم الموقع ...
**تجدون ترجمة موريس جلال لـ كارمينا بورانا كاملة هنا... و الكلمات المغناة باللاتينية هنا
***وافنا: القدر
 

سلمى الهلالي

 

 

 

Ultima Thule

أنا و بو في أرض الأحلام

مع كارمينا بورانا